منتديات مجلة أقلام - رسائل المغتربين إلى ذويهم
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=6)
-   -   رسائل المغتربين إلى ذويهم (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=2798)

إبراهيم محمد شلبي 19-05-2008 07:30 PM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبير هاشم (المشاركة 144663)
الكاتب الرائع ابراهيم
لك أن تستحضر ما تشاء
فالكتابة في زاوية الإغتراب هنا شأن
لا يعلمه إلا من كان قلمه عنوانا للوفاء
لك أن نهديك
في نور القمر وفي دفئ الشمس
وفي موج البحر وفي مطر السماء
وفي غربة الوطن
اروع معاني الإمتنان تقديرا وشكرا
على هذا الإدراج
تقبل تحياتي


وكيف لا إذن؟
فلأكتب.

دمت عبيرا يا عبير.

إبراهيم محمد شلبي 19-05-2008 08:04 PM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 


اليوم دق هاتفي.. في غرفة لا تشبه هناك في شيء دق هاتفي، كنت صاعدا الدرج حين سمعته، فكّرتُ أن أركض لحظة، لا أدري ما منعني، تقاعستُ ربما! لكنّّي مشيت وئيدا، وفتحت الباب برفق كما تمسك القطة هرّها بين فكيّها، وأدرت المفتاح برفق كما يفرك الطفل عينيه وفتحت الباب على مهل كما تزحف أفعى متخمة، وحين دخلت كان الهاتف قد صمت.

قلت في نفسي: من كان له بي حاجة فسيتصل حتما، لكنّ الهاتف تحوّل إلى آلة بكماء، صمتت للأبد!

لأوّل مرّة أتأمل غرفتِي، منزلي الصغير المتواضع حتى الحقارة، المتعالي بمحتوياته حدّ بلوغ الغيم.. ولأوّل مرّة أدرك أن غرفتي لا تُشبهني تماما، هي أشبه بأهل البلاد، هي أشبه بهُنا أكثر من هناك، بل لا تُشبه هناك في شيء سواي، حتى أنا لم أعد أشبهني تماما.

حين مررت بالمكان أول مرّة كان قلبي يخفق بعنف حين يدق الهاتف، كنت أقفز فوق الدرج وأنسل من الباب كالأثير دون أن أفتحه وأردّ على الهاتف بلهفة وشوق، ولهاثي يطغى على صوت كلامي، لكنّ مع مرور الوقت تعلمت أنا أكون باردا مثل ثلج هذه البلاد، مثل أهلها، ووضعت شمسي الشرقية الحارة خلف جبال الجليد الأبدية، وقلت في نفسي: إما ان تُذيب الجليد، وإما أن يُجمّدها الجليد.

أمسكت بالقلم والأوراق لأكتب رسالة أخرى، كانت الريح توازي الستائر فتحملها برفق فينكشف المشهد عن عمارات شاهقة، بحثتُ عن كروم اللوز بينها، لم أجدها، تساءلت عن تضاريس المكان البكر، حين كانت الفطرة أم الكائنات، تخيّلتها كتلك التي هناك، سفوح وسهول وتلال وكروم، لكن شيئا شوّه الصورة، كان البنيان وحشا ذو يدٍ بشرية تحصد كلّ شيء، رأيت اللوز يُقتلع فهوى القمر.

إلى كلّ مَن هناك، ها أنذا أكتب من جديد لأعلن أني ما زلت حيّا، ها أنذا أؤكّد غربتي في حروفي لأتيقن من الانتظار، وأستغرب أن حياتي لم تطب بدونكم كما لم تطب معكم، فتغمرني الدهشة والضياع. نعم، أنا مشتاق، لكنّ شوقي لا يحملي إليكم، ولا يحملكم إليّ، شوقي يؤكد ضياعي. أستغرب أن يكون ذذات القمر هنا وهناك، فقمركم أكثر شحوبا، ولكنّه في ذات الوقت أقرب للأرض وللقلب.

أخشى يطول البين، فتختلف القلوب، فمن العجائب ألاّ يتحول البشر، فاليوم دق هاتفي، لكنّ قلبي لم يدق!!

إبراهيم محمد شلبي 19-05-2008 08:07 PM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 


اليوم دق هاتفي.. في غرفة لا تشبه هناك في شيء دق هاتفي، كنت صاعدا الدرج حين سمعته، فكّرتُ أن أركض لحظة، لا أدري ما منعني، تقاعستُ ربما! لكنّّي مشيت وئيدا، وفتحت الباب برفق كما تمسك القطة هرّها بين فكيّها، وأدرت المفتاح برفق كما يفرك الطفل عينيه وفتحت الباب على مهل كما تزحف أفعى متخمة، وحين دخلت كان الهاتف قد صمت.

قلت في نفسي: من كان له بي حاجة فسيتصل حتما، لكنّ الهاتف تحوّل إلى آلة بكماء، صمتت للأبد!

لأوّل مرّة أتأمل غرفتِي، منزلي الصغير المتواضع حتى الحقارة، المتعالي بمحتوياته حدّ بلوغ الغيم.. ولأوّل مرّة أدرك أن غرفتي لا تُشبهني تماما، هي أشبه بأهل البلاد، هي أشبه بهُنا أكثر من هناك، بل لا تُشبه هناك في شيء سواي، حتى أنا لم أعد أشبهني تماما.

حين مررت بالمكان أول مرّة كان قلبي يخفق بعنف حين يدق الهاتف، كنت أقفز فوق الدرج وأنسل من الباب كالأثير دون أن أفتحه وأردّ على الهاتف بلهفة وشوق، ولهاثي يطغى على صوت كلامي، لكنّ مع مرور الوقت تعلمت أنا أكون باردا مثل ثلج هذه البلاد، مثل أهلها، ووضعت شمسي الشرقية الحارة خلف جبال الجليد الأبدية، وقلت في نفسي: إما ان تُذيب الجليد، وإما أن يُجمّدها الجليد.

أمسكت بالقلم والأوراق لأكتب رسالة أخرى، كانت الريح توازي الستائر فتحملها برفق فينكشف المشهد عن عمارات شاهقة، بحثتُ عن كروم اللوز بينها، لم أجدها، تساءلت عن تضاريس المكان البكر، حين كانت الفطرة أم الكائنات، تخيّلتها كتلك التي هناك، سفوح وسهول وتلال وكروم، لكن شيئا شوّه الصورة، كان البنيان وحشا ذو يدٍ بشرية تحصد كلّ شيء، رأيت اللوز يُقتلع فهوى القمر.

إلى كلّ مَن هناك، ها أنذا أكتب من جديد لأعلن أني ما زلت حيّا، ها أنذا أؤكّد غربتي في حروفي لأتيقن من الانتظار، وأستغرب أن حياتي لم تطب بدونكم كما لم تطب معكم، فتغمرني الدهشة والضياع. نعم، أنا مشتاق، لكنّ شوقي لا يحملي إليكم، ولا يحملكم إليّ، شوقي يؤكد ضياعي. أستغرب أن يكون ذذات القمر هنا وهناك، فقمركم أكثر شحوبا، ولكنّه في ذات الوقت أقرب للأرض وللقلب.

أخشى يطول البين، فتختلف القلوب، فمن العجائب ألاّ يتحول البشر، فاليوم دق هاتفي، لكنّ قلبي لم يدق!!

إبراهيم محمد شلبي 30-05-2008 10:34 AM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 


أحمل حقيبتي اليتيمة لأتابع سفرًا آخر، أمتطي صهوة الحزن وأمضي، أعرج على حقل للشمس بين مشرق الأرض ومغربها، وأشرب من بئر عتيقة موغلة في القدم، وأتابع.

اليوم يا أبي نمت ملء جفوني عن شواردها، لم يحدث أن نمت بهذا العمق، ولم يحدث أن نمت واستيقضت على ذات الجانب، ولكنّي يا أبي كنت أحلم، كم عذّبني الحلم.

كان الحقل حريقًا من وهج الشمس، ولهاث الماعز يشبه صرخات الثكلى، كانت الأفراس تجرّ الغيم العالي بتثاقل وتعب بادٍ، وسنابل القمح قد اختلطت بالعرق وباللبن وبالبن. لا شيء كما كان أبدا.

* * * *
"ظل الغريب للغريب عباءة"

ألتقي بغريب مثلي، يحتضنني كما يحتضن الغيم البدر.
أسأله: هل تكتب للوز؟
فيجيب: للوز الأخضر لا غير.

آه كم عذّبني اللوز الأخضر.
حملتني أمّي في زمن السنابل لتضعني في عهد اللوز، آه كم عذّبني اللوز.
يا أيتها الريح السابح نحو الشرق سلاما، لا موج يسافر نحو الشرق من نصف الكرة الأرضية، غريبا كنت، وغريبا سوف أبقى.

* * * *

"لا شيء سوى الريح
وحبات من الثلج"

ولا شيء يعتني بالغريب سوى ظل الغريب.





إبراهيم محمد شلبي 09-06-2008 10:52 AM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 

يحكى الغريب قصة في رسائله الغريبة، كالأرض تماما: أليفة كلما اقتربنا، وموحشة كلما ابتعدنا. يُخبر عن مواسم الريح والثلج، ويسأل عن صيف مثقل بالحصاد والتعب.

يكتب: سلامي للسفح الذابل تحت غبار القيظ، وسلامي للسرو الباسق حول بيارات العرق والملح، سلامي لمقبرة الشهداء العُظمى، سلامي لمن يقرأ، وسلامي لمن لا يقرأ.

ويسترسل: قد فاض حدّ الريح عن البحر هذا العام فحمل الموج عاليا وبعيدا، ألفتُ موجةً لا يُشبهها بحر ولا ماء، غريبة مثلي، ولا ترافقها النوارس.

الظلال الممتدة تُشبه شخوصا لا نعرف وجوههم تماما، والعمل يُصبح عادة سيئة حين تعتزم الضياع والانعزال، حتى المقاعد في الحدائق تغيّر لونها.

أنا الغريب في غربتين: وطني والمنفى، اُعدّ الصيف للقيظ، وأزجي الوقت بالقراءة وبالكتابة، أعددت فطورا من ألم، وقطعت مسافة غربتي في الآمال وفي الأحلام: ينقصني ظلّي لأتكامل، وينقصني بيتا لأعود.

ها هي رسائلي تعود مرّة أخرى، أرسلها فترجع محمّلة بغبار الضياع.


إبراهيم محمد شلبي 29-06-2008 01:51 PM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 

هذا صباح مُثقل بالشوق، يقول الغريب. ثمّة نوافذ لا تدخل منها الريح، ومصابيح لا تكشف عورات الوقت. وثمّة لص يتسلل من بين عقارب ساعتي. يُغافلني نصٌّ لرسالة مؤجلة ويندس بين أوراق بريدي، ويفاجئني قلمي بالحبر.

يكتب الغريب:
يداها غيمتا الأفق، وعيناها رحلةٌ في غابة ممطرة، تصنع من الظلال والضياء أرجوحة للوقت ولصوص العمر. شعرُها مدىً مترامي لا يحدّه أفق ولا بون، ووجهها أسطورة هاربة من كتاب تاريخ أزلي.

يقرأ الغريب نصّا عن الحب والقتل، يحاول أن يبحث في أوردته عن شيء منه، يتباكى فتخونه عيناه، ويحاول أن يصرخ مناديا قبّرة الأطلسي، فينفتق جرح غائر في كتفه.

يكتب الغريب:
يا رسائل لا تأتي برد، أودعك ناري لتشعّي، وظلالا من قمر شاحب لتنامي في الحلم قليلا. قومي من وحي الحب والحبر وشقّي الليل والتخيّلات وأريني وجها أقصى ما أريده فيه أن يكون كما أريد.

رانيا حاتم أبو النادي 29-06-2008 08:17 PM

رد: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 
الاديب الفاضل
ابراهيم محمد الشلبي

اسمح لي بترك بصمة اعجاب لحروفك و كلماتك ...
و اسمح لي تطفلي الدائم هنـــا ...
سأعود لأكمل ما بدأت قراءته

دمت و دام قلمك
كل الود و الاحترام
رانيا حاتم

إبراهيم محمد شلبي 30-06-2008 11:05 AM

رد: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رانيا حاتم أبو النادي (المشاركة 156307)
الاديب الفاضل
ابراهيم محمد الشلبي

اسمح لي بترك بصمة اعجاب لحروفك و كلماتك ...
و اسمح لي تطفلي الدائم هنـــا ...
سأعود لأكمل ما بدأت قراءته

دمت و دام قلمك
كل الود و الاحترام
رانيا حاتم

تسرّني هذه المتابعة جدا.
أشكرك جزيل الشكر.
دمت.

عبير هاشم 04-07-2008 12:07 PM

رد: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 
يقرأ الغريب نصّا عن الحب والقتل، يحاول أن يبحث في أوردته عن شيء منه، يتباكى فتخونه عيناه، ويحاول أن يصرخ مناديا قبّرة الأطلسي، فينفتق جرح غائر في كتفه.
......................
لله الروعة هنا
تغرق أيها الغريب , في ثورة غريبة مع النفس
فتبدأ نايات الجسد بالعزف.......وتشتد اوتار الروح
لتزداد الغربة غرابة........ وتكتفي الرسائل
بالصمت أمام المجهول..........
الكريم ابراهيم محمد شلبي
كن بخير
تحياتي

عبد السلام الكردي 05-07-2008 02:41 PM

رد: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 
كاتبنا الكريم
قبل ان اقرا حرفك كللت روحي بباقات من ياسمين الشام وطهرت فمي بتوتها
وفي صبح احمر ,اغتسلت بنورها تلك الشمس , القابعة خلف ذلك الجبل تبدو كصبية بعمر الربيع
وجمعت لك باقات من اقحوان وشقائق النعمان
كي اقدمها لك هنا
لك ماء وضوء
وازهار برية

إبراهيم محمد شلبي 05-07-2008 08:56 PM

رد: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 
نغم الأحمد، عبير هاشم، عبد السلام الكردي؛ أشكركم جميعا على هذه المتابعة، وهذا الكلام الجميل، لا أجد كلمات تفيكم حق الشكر.

دمتم.

إبراهيم محمد شلبي 04-08-2008 12:12 AM

رد: مشاركة: رسائل المغتربين إلى ذويهم
 


في معزل عن الغربة حاولت أن أبني بيتا في الحلم، أثثتُه برسائلي، وبقصة الغريبين: أنا والفراشة.
سألتها ذات يوم:
- أي الكتابات أجمل: تلك التي نكتبها مجازا للحلم؟ أم تلك التي تكبّلنا جسرا لحلمين متشابهين؟
لم تُجِب سوى عيناها:
- تلك التي تكتبها لأجلي.

اللغة لعنة المغتربين، فبأيّ اللّغات أكتب؟ للفراشات لغة، وللحقول لغة أخرى، ولي منهما شقيّ سنبلة، وشقاء الدَّراري، فما يفعل الغريب حين تكون الإجابة: "ربما"؟ أيمسك القلم ليطعن الصفحات بأنصاف الأسئلة وأنصاف الإجابات؟ أيُبرق بالحقيقة أم يكتفي بالحلم؟

في النار المعتمة أحيا، أراسل ظلي، وظلّي لا يسأل عنّي، وأكتفي عند البكاء بوجه أبي، ولا أتّصل سوى بأمي، أسأل عن أي شيء، كلّ شيء يذكرني بحقلي، والأوطان ليست أكثر من حقول.

أيها الوطن المسافر في حقيبة أوراقي لا تقسى عليّ ولا تأسى، النار لا تأكل قلبي، بل تأكل رأسي، ومتاعي في الرحلة قليل: جناحي الفراشة واللغة.

سأرسل أوراقي مع الغيم، ولتهطل حيث يكون الفَراش. وتمهلي عند القراءة، فالحب أكبر أن يُضمّ بلغة، إلا عينيك، فالحب أقل ما يقال فيهما.



الساعة الآن 07:53 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط