![]() |
ضيف لطيف اسمه الظلام
ضيف لطيف اسمه الظلام
في احد الايام التي ارعدت السماء .. وانعم الله علينا بهدية السماء الماطرة وكانت الرياح تطرق النوافذ وتدخل اصواتها من تحت الابواب، في هذه الاجواء التي اختلط فيها الازعاج الداخلي بالخارجي ، عم الهدوء فجأة واذ بالتيار الكهربائي ينقطع ويصبح البيت كسفينة في ظلام البحر تلاطمها امواجه ويعلن الظلام سيطرته علىالمكان. حتى ذلك الحين لم أكن أعرف ان للظلام نكهة ورونق جميل فلقداسرعت العائلة نحو الصالة، وبدات امي تواسي خوف الصغار وفجأة وجدت شمعه مهملة من اخر المناسبات وجلس الجميع حول المدفأة، فالشمعة بالكاد تستطيع ان تجمع قليلا من ملامح الوجوه الجالسة، واجتمع الكل حول المدفأة تماما كالجالسين في الماضي حول الجدة ، وفجأة يحضر أبي شيئا اهمل من الماضي البعيد، كان يرافق الاسرة في جلساتهااليليه ، وهو (الفانوس) وما ان اشعلت فتيلته الا ورسم ذلك الضوء لرمادي على جدران الغرفة، وصارت الوجوه أوضح وبدات الاحاديث تنسج وتحلو لعلها تطمئن قلوب الصغار، ويتخللها شيء من الضحك الفاتر يقطعها صوت رعد او ضوء برق او زوابع مطريه. كان الحديث اجمل والود اكبر على نغمات الرياح، ورقصات الاشجار، ها هو ابي اخيرا قد تخلى عن سماع اخبار العالم وفضوله لمعرفة ماذا يحدث في اوروبا وامريكا وجلس ليسمع حكايات اختي الصغيرة مع معلمات المدرسة، لعله يدفيء قلبها بقليل من الطمأنينة، او ينسيها هذا الجو الغير مألوف. ها انا اتكلم بكل حرية كلاما يغلبه المزاح والكثرة ولا تقاطعه جمل معروفة كانت تزعجني ( احكي بسرعة – اختصر – هو وقت خفة دمك) فالكل يريدني ان اتكلم، والكل يستمتع الان بمزاحي فلا شيء ينافسني. فالتلفاز مغلق والكمبيوتر عاجزان يتجاوب مع كبسة. ها هو الظلام يحررنا من قيود المدنية والحداثة، ويفك ايدينا من سلاسل الكمبيوتر وقيود (الريموت كنترول) ، ويزيل الاسلاك الشائكة بيني وبين غرف اخواني. اخي الكبير تخلى عن دور المستمع في برنامج الاتجاه المعاكس وها هو يجلس امامي يستعرض قدرته في النقاش وان ثقافتي لا زالت لا تقوى عليه، يتدخل الوالد ببعض الجمل، ثم يعود متابعا احاديثه مع اختي الصغيرة يروي لها حكايات الماضي ايام الفانوس وموقد الحطب. لم اكن اعرف ان لكلام الاخ مذاق خاص في الظلام، فلم اكن اميزه ، بين اصوات المغنين والمذيعين في التلفاز، فلقد كان من النادر ان يخفت صوتهم في البيت. وبعدما طال الوقت وطالت الظلمة بدأ الهدوء ينساب على الجلسه وعم عليهم النعاس، فامعنت النظر في تلك الشمعه وبعض عيون الجالسين تراقبها وتقول اصمدي، ارجوكي لا تذوبي قبل ان تعود الكهرباء، وقتها فهمت ذلك المثل الذي يقول: (مثل الشمعه تحترق لتضيء غيرها). كانت الشمعه كوجه المراة الباكي تسقط منها الدموع لكن دموعها تتجمع بالاسفل لتظل شاهدة على ذكراها، ان النظر للشمعة يخبرك انها كانت تبث الحياة والحب في الاسر جميعا، ولكنها ضاعت كما ضاع الحب بين اضواء اجهزة الكهرباء، لقد استطاعت الشمعة ان تلم العائلة اكثر من مرض امي واكثر من كل وجبات الحلوى التي كانت توضع في الصالة، لقد جعلت من عائلتنا كعنقود عنب، وفجأة عادت الكهرباء وانفرط عنقود العنب ، وذهب نور الشمعه مع انها ما زالت تشتعل وفر الجميع الى غرفهم وعاد صوت التلفاز يبث ازعاجه في كل مكان، وجلست انا وحدي بجانب الشمعه اقدم اعتذاري لها فلقد ذهب الجميع دون ان يقدم لها احد كلمة شكر. بعد لحظات ذابت تلك الشمعه وذابت تلك الاحاديث التي جمعت كل الاسرة. وفي اليوم التالي اشتريت شمعه اخرى وتمنيت ان يزورنا الظلام مرة اخرى دون أي متطفل كهربائي. فلقد علمتني الشمعة درسا لن انساه، اننا في زمن الحضارة امتلكنا كل شيء وفقدنا انفسنا. عمر تيسير شاهين Omar_shaheen78@yahoo.com |
قصه قصيره
وفيها صدق وتحمل فكره وعبره فعلاً التكنولوجيا باعدت بين الأهل والأحبه وربما اخربت بيوت لكل اختراع حسناته وسيئاته المهم كيف ومتى نتعامل معه تحياتي لك تحرير |
| الساعة الآن 11:31 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط