منتديات مجلة أقلام - دموع وعرق
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=5)
-   -   دموع وعرق (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=17231)

أحمد نورالدين 12-11-2007 06:58 AM

دموع وعرق
 
دموع وعرق

ضمها الى صدره واعتصرها بجنون. بدأت أنفاسه تتردد على صفحة وجهها وتتصارع مع خصلات شعرها الطويل. كان منفعلا جدا وشعر بأن الدم يتدفق في عروقه في غليان. وفي لحظة ما خيل اليه أنه سيفعلها. أغمض عينيه وتقلصت ملامح وجهه بما يشبه الألم. مرت لحظات عصيبة لكن شيئا لم يحدث. وكانت يداه قد أحكمت الطوق عليها. لم تحتمل، فسمعها تأن بين يديه بما يشبه التأوه. حاولت أن تتفلت منه لكنه كان يضمها بقوة لا قبل لها بها.
لم تجد بدا من الشكوى فقالت له مستنجدة:
- أرجوك.. إنك تعتصرني..
بدا وكأنه لم يسمعها. ظل يعتصرها بشدة ورجفة شاملة تجتاح جسده المتعرق.
فاستصرخته بصوت حاد:
- سليم أرجوك أتركني..
ثم صاحت بنبرة عالية حادة:
- سليم...!
صدمه صوتها المستغيث وأخرجه من حالة الإنفعال التي تلبسته. ازداد شعوره بها بين ذراعيه. فتح عينيه وتنهد تنهيدة طويلة حارقة. ورويدا رويدا خفف عنها الطوق. حتى أفلتها تماما. وابتعد عنها ليستلقي على ظهره. قال لها بصوت ميت:"آسف". كانت هي قد نهضت جالسة. نظرت اليه بحزن واشفاق.
ودت لو بإمكانها أن تفعل له شيئا. اجتاحت كيانها موجة من الألم والتعاطف. قالت له بصوت جاهدت نفسها أن يكون خاليا من ايات الشفقة ما استطاعت:
- لا تيأس.. سوف يتحقق لك ما تريد. المهم أن لا تيأس.
ساد الصمت. كانت أنفاسه تتردد بصوت عال في فضاء الحجرة المظلمة.
قالت له:
- أنا تحت أمرك دائما ولن أخذلك أبدا. المهم أن لا تفقد إيمانك بنفسك مهما طال الزمن.
لاحت منه التفاتة قصيرة الى وجهها. وسرها أن ترى ثغره يفتر عن ابتسامة!
"تعجبني عندما تتفلسف من أجلي!" قال في نفسه. ومالت نفسه الى الانفراج قليلا لكن موجة من الشعور بالخيبة والذل اجتاحت اعماقه فازداد تعرقا وكاد يبكي. غالب نفسه حتى غلبها وقهر نازع البكاء الذي طالما يراوده. قال لها:
- تشعرين بالإشفاق علي؟
قالت بسرعة:
- كلا أبدا..
فعاد يلتفت اليها. وقال مبتسما:
- كاذبة!
لم تجد ما تقول. رأت أن تطيب خاطره فانحنت على وجهه تريد لثم ثغره لكنه تحاشاها بنفور أجفلها وجعل قلبها يتقبض.
سادت لحظات من الصمت الثقيل. كانت مشاعره تتناوب على التنكيل به واحساساته بالخيبة والقهر والعجز تلفه من رأسه وحتى أخمص قدميه. وشعر بتيار من الكراهية يندلع في قلبه وقال لها بعصبية:
- ما الذي يجبرك على تحملي يا ترى؟
لم يتنظر منها الاجابة فسارع الى القول:
- لا تقولي أنه الحب. دعيني أخمن... هل هو المال؟ هل يفعل المال بك كل هذا!
تلقت كلامه كالصاعقة. والجم لسانها ولم تعرف ما تقول. هذه أول مرة يسمعها فيه مثل هذا الكلام. هي تقدر ألمه ومعاناته. لكن ما ذنبها هي؟ سمعته يقول:
- لست بحاجة الى عطف منك أو شفقة. وهل تدرين؟ لم يعد يهمني أن يدري بالأمر أحد. بل فليذع سري على الملأ! الأمر عندي بات سيان.
بدأت تشك بصحة عقله. لكنه كان مصمما على المتابعة، قال:
- هل تعرفين؟. أنت مجرد خادمة!
ثم استوى وجلس وهو يحدق اليها بنظرة شيطانية باسمة:
- أجل أنت مجرد خادمة. ومتى كنت أكثر من خادمة؟ وكل ليلة قضيتها معك لا تساوي عندي أكثر من تجارب فاشلة سأعمل على نسيانها تماما. هل تظنين لو كنت قادرا على الزواج سأتزوج منك أنت؟ (ضحك ضحكة معربدة) أنت حتى لا ترتقين الى درجة عشيقة! حتى أن العشيقة أشرف منك!
آنس منها نظرة ارتياع وألم. فازداد تلذذا ومضى يقول بحماس أكبر:
- العشيقة تمنح عشيقها ما تمنحه لانها تحبه وهو يحبها.. أما أنت فلطالما وهبتني جسدك دون تحفظ.. لكن ليس من أجل الحب.. بل من أجل المال! أجل من أجل المال.
اغرورقت عيناها بالدموع وهي في حالة من الذهول لا تستطيع تحريك لسانها.
ونظرت الى جسدها العاري تنتابها مشاعر قوية من الخجل والعار والذل. لكن قلبه لم يرق لها بل ازداد تحجرا. وازدادت نيران الغيظ تأججا في صدره فصرخ بها بصوت كهزيم الرعد:
- ما بك لا تردين؟ّّ!
لم تجبه. فقال:
- وبما عساك تردين؟ لم أقل سوى الحقيقة والحقيقة التي لا شك فيها.
فجأة شعر بارتخاء يدغدغ أنحاء جسده وشعر بشيء من البرد بعد أن جف عرقه وخفت دقات قلبه. فتراجع عنها وأسند ظهره الى حافة السرير. أغمض عينيه. وبدأت أنفاسه تتردد بصوت مسموع مرة أخرى لكن ببطئ هذه المرة.
في تلك الاثناء سمعها تنشج باكية. فلم يفتح عينيه ويلم يلقي اليها بالا. ربما كانت تتنظر منه أن يقوم ويهدأ خاطرها ويعتذر منها. أو على الاقل يتراجع عن كلامه ويعترف بأنه كان قاسيا معها. لكن شيئا من هذا القبيل لم يحدث. وظل في رقدته يسمع صوت بكائها ولا يلين قلبه. حتى دب النعاس في جسده فاستسلم لكبوة أفاق منها منزعجا مذعورا. تلفت فيما حوله فألفى الحجرة خالية الا منه. وومضت في عقله صورة وفاء فتذكر كل شيء حصل في استغراب وعدم تصديق. ناداها بصوت مبحوح:
- وفاء.
لم تجبه. فكرر نداءه لها لكنها لم تجبه كذلك. نهض من السرير والتف بالروب. ثم ذهب ليراها.
جال في الشقة غرفة غرفة فلم يعثر لها على أثر. نظر الى الساعة المعلقة على الحائط في غرفة الجلوس فكانت تشير الى الرابعة فجرا! لقد سرقه النوم ساعات طوال. تملكته نوبة من الخوف والقلق وهرع الى غرفتها فوجد خزانة ملابسها فارغة. الا من بعض القطع. وجد فستانا أحمرا كان قد اشتراه لها الصيف الفائت كما وجد مجموعة من الملابس الصيفية التي اشتراها لها في مناسبات متعددة... لقد أخذت كل ملابسها الا تلك التي اشتراها هو لها.
تولاه الذهول وارتجف قلبه رجفة وجل ورعب. هل حقا هجرته؟! هل يمكن هذا؟ لكن كيف بحق السماء؟! الى اين عساها رحلت؟ لماذا لم تدرك أن كلامه كله لم يكن نابعا من قلبه ولم يكن يقصد منه حرفا واحدا؟ وهل سيمكنه العيش من دونها يا ترى؟
التفت فلمح بروازا مذهبا لصورة قديمة لها موضوعة على الخوان قرب السرير. فتقدم واستلقى على سريرها وأخذ صورتها بيده. تأمل الصورة للحظات ثم أغمض عينيه وغرق في سبات طويل..

أحمد ناصر نور الدين

كفا الخضر 12-11-2007 07:41 AM

رد: دموع وعرق
 
الاخ الفاضل أحمد ناصر نور الدين
قصة ذكرتني بالقصص المترجم ربما الانها عكست مشهدا دخيلا على مجتمعنا نحن المسلمون
فهذا المشهد يوشك ان يكون مختفيا ان صورنا الوضع المثالي اوالملتزم لمجتمعنا
اضيف الى انني توقعت خاتمة مغايرة توحي بندم بطل قصتك
القصه باسلوب صياغتها جيده لم تخل من بعض الاخطاء التي اجزم انها مطبعية والفت الانتباه اليها لتصحيحها
يتقبض= ينقبض
فليذاع=فليُذَعْ
وما بما عساك تردين؟ = وبمَ عساكِ تردين
ويلم يلقي= لمْ يُلقِ
ندائه=نداءه
اشكر لك مشاركتك وبالنتظار قصة جديده
تحياتي لك

أحمد نورالدين 12-11-2007 03:48 PM

مشاركة: دموع وعرق
 
استاذتي كفا
ممتن لاهتمامك وقراءتك القيمة
في الواقع لا اعتقد بان الجنس أمر دخيل على ثقافتنا ومجتمعاتنا. فهو نعمة من بها الله على جميع البشر. لكن ربما نحن بحاجة الى كتاب يعرفون كيف يتعاملون مع مواضيع الجنس دون ابتذال او اساءة استخدام.
بالنسبة للاخطاء فهي مطبعية فعلا كما تفضلتي وقد قمت بتصحيحها
لك خالص مودتي وتحياتي

هشام الشربيني 13-11-2007 02:39 AM

مشاركة: دموع وعرق
 
أخي الكريم الأستاذ أحمد
لا شك أنني استمتعتُ بهذا السرد الخلاب وبهذا التسلسل المنطقي وبحبكة تصوير البطل وقد أغرقته الحيرة في كل أمره .. رغم اتفاقي مع الفاضلة كفا فيما قالته ..

العمل ليس مبتذلا بالطبع .. ولم يكن الجنس هو مبتغاه .. وإنما كان إحدى وسائل إبراز شخصية البطل الذي أغرقته الحيرة في كل أموره ..
أحب الجنس فأحب فيها جسدها .. ولما أشبعته احتقرها .. ولما زاد احتقاره لها صرح لها بذلك .. ولكن الجنس في جملة مضامينه يحتوي على مودة روحية خفية قد تقلب الداعريْن إلى عاشقين ..

يفيق فإذا به يصرّح .. ولما تستبد به الحاجة إليها يبدو في ثوب المعتذرين جادا ..
نوع وقح من جملة البشر ولا أتصور أنه كثير في مجتمعنا .. ولذا فالمشهد يذكرني بالقصص المترجمة أو قصص نجيب محفوظ القصيرة والتي أبطالها غالبا ( لفافة التبغ .. وقنينة الخمر .. والساعات المتأخرة من الليل .. والبطل الفيلسوف ) .

تحيتي أخي أحمد على القصة الجميلة ..
تعجبني أعمالك دائما ..

أحمد نورالدين 13-11-2007 05:12 AM

مشاركة: دموع وعرق
 
استاذي هشام الشربيني
ممتن كثيرا على ثنائك وتعليقك الذي لا يخلو من نفحة نقدية تعجبني جدا
وأنا في غاية السرور لأن قصصي تنال اعجابك.
انشاء الله اكون عند حسن ظنك بي دائما
تحياتي الخالصة لك

خليف محفوظ 15-11-2007 02:14 AM

رد: دموع وعرق
 
الأخ أحمد نور الدين ، قصة متيزة بالجرءة في انتقاد هذه الفئة المتفسخة ، و بالبناء الفني المتكامل .
تحيتي و تقديري.

أحمد نورالدين 15-11-2007 06:49 AM

مشاركة: دموع وعرق
 
الاخ العزيز خليف محفوظ
مرورك يسعدني وتعقيباتك تترك في النفس أحلى الانطباعات
وبالمناسبة مبارك عليك الإشراف

محمد إبراهيم ص 15-11-2007 04:01 PM

مشاركة: دموع وعرق
 
اخي احمد نور الدين تحية لهذا السرد الجميل و هذه الحبكة و النهاية التي جاءت بمنتهى الغرابه بعد ما أن أوحى لنا السياق لنهاية مطولة ,
اخي أحمد لقد قرأت بين ثنايا قصك شيئ ينبئ لمحاولة فضائلية لم ينجلي عنها الغموض و كم كنت أتمنى أن تذهب مذهب الحكمة , مع أنها لم تخلو من بعضها,على كل حال وجدت هنا قاصا متميزا أتقن قيادة القلم....
أخوك................... محمد

أحمد نورالدين 16-11-2007 03:35 AM

مشاركة: دموع وعرق
 
اخي الكريم محمد ابراهيم
طرحك ممتاز وتأملك تحترم عليه
كما اوافقك في بعض ما طرحت
واشكر لك مديحك من قلبي
تحياتي الخالصة لك

فاطمة شعبان 27-01-2008 01:49 AM

مشاركة: دموع وعرق
 
أخي أحمد /
عرضك لهذا النص " دموع وعرق " جميل جداً فالكاتب عندما يوفق في إدخال القاريء إلى منطقة تعتبر محظورة في مجتمعاتنا -خوفاً من الإبتذال- ويخرجه منها بأمن وسلام لجدير أن يقدر ..
والأدب أخي الكريم كما أفهمه ما هو إلا رسالة يحملها كل صاحب قلم حر دون أن يدخل فيها هواجسه الشخصية .. تحياتي لك ولقلمك وأتمنى لك المزيد من العطاء.

محمد زين 28-01-2008 05:30 AM

رد: دموع وعرق
 
انا شخصيا احب هذا النوع من السرد القصصي بمعنى ذلك التصعيد المتواتر والمتواصل للحظة ما دون اللجوء للقفزات المكانية والزمانية بغية ترقيع النص
حقا سعدت بنصك
مع المودة

الحمري محمد 28-01-2008 06:22 PM

رد: دموع وعرق
 
الفاضل أحمد
بطلا القصة على طرفي نقيض على الاقل على مستوى الاسماء كمدخا أولي لولوج هذا النص.
سليم /وفاء.
سليم,عجزه الجنسي حوله الى حالة مرضية لا تدرك معنى التعايش الانساني.
وفاء,وفء لكبريائها انسحبت تاركة لسليم ما كان يظن انها مرتبطة به من أجله...
التربية الجنسية لا يؤطرها التنظير الغربي عندنا بقدر ما يحكمها الوازع الديني.
فبقدر ما استطعنا استغلال عظمة ديننا بقدر ما كان هذا الذى نعثوه بثالث المحرمات أمرا عابرا.
أعودللتناول الادبى لظاهرة الجنس.
هناك اما اباحية مفرطة تثير اشمئزازا ليس الا.
وهناك تناول رفيع فيه نبل وبلاغة قول.
اللافت للنظر ان الصنف الثانى يبدو اكثر ذيوعا لاسباب لا نجهلها طبعا.
القراءة التى قدمتها الفاضلة كفا,من النوع الذى ننشد مثله كى لا تغتالنا المجاملة..
النص قصصي بامتياز...
لي ملاحظة بسيطة لو اعت كتابته مرة ثانية وثالثة قبل نشره لكنت حصلت على نص رائع.
أقول هذا لما لمسته من ثراء وغنى الفاظ.
تقبل مودتى.


الساعة الآن 06:20 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط