منتديات مجلة أقلام - نظرة!
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=5)
-   -   نظرة! (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=19032)

حنان بيروتي 30-01-2008 04:14 PM

نظرة!
 
نظـرة
نظر إليها ، إلى وجهها مباشرة ، نظرة خاطفة لكنها خطفت معها قلبها ، نخزت روحها ، أشبه بصعقة كهرباء لذيذة أوقظتها ، هي الغافية على زند العمر ، جاء هذا الغريب ليوقظها بنظرة ، يوقظ أنوثتها المؤجلة حدّ الذبول ، لنعترف بأنها أشبه بغصن يابس ، كفاها مكابرة ، غاب عنها زمن النضارة والإيناع ، وغابت عنها أيام كانت تسير فتلتفّ أليها الرؤوس حتى تضيق بالنظرات التي تتطاير حولها أشبه بفراشات البهجة الملونة ، ابتعدت عنها تلك الأيام حتى كادت تنساها ، حين كانت تغرف من العمر دونما إحساس أو حساب لتسرّب الزمن من بين يديها ، عمرها الغض ورونق وجهها وظلّ الأب وحضن الأم وملاذ العائلة .. كله ..
راقبت انسلاله ا لمحايد بين أصابعها ، راقبته بكامل صحوها ولهفتها وعجزها ، نعم ، عجزت أن تفعل أيّ شيء ،أنى لها اللحاق بسكة العمر الهاربة ، أو بقطار الزواج الذي بدا في البدايات البعيدة هودجاً فاخرا مزينا يدعوها للصعود فترده بدلال وتمنّـع ، ليستحيل بعد سنوات قليلة عربة مهترئة صدئة وسط نظرات الريبة والتقوّلات ، كيف تصعد الآن .. وتترك والديها وقد بدأ المرض يفترس صحتهما والأوجاع تغطي أوقاتهما بالأنين والشكوى ومواعيد الأدوية وطلب مراجعة الطبيب ، أنّـى لها أن تشلع نفسها منهم وتغادر لبيت الزوج الذي يطلبها على مضض بعد اقتناعه بجمالها الغابر وبقايا شباب يوشك أن يأفل ، لم تغادر عتبة البيت الذي عاشت فيه ، آثرت البقاء في ظل الجدران الدافئة ، لكنها الجدران ذاتها غدت باردة والمكان غدا قاحلاً بعد أن رحل والدها واجتازا العتبة إلى غير رجعة .....
التصقت بالمكان ، بالذكريات وإصابتها حمّـى الماضي ، فالويل لمن حرّك أو عبث بأغراض الأم الراحلة ، والويل لمن عبث بإطار صورة قديمة لكن كل ذلك غدا حدثاً مكروراً يشتمّ منه رائحة الأفتعال ,فقد بريق الألم والتأثير أو القدرة على استثارة الذكريات ونشر رائحة الحنين الأول للأم ..


لكم رجعت من جولاتها منكسرة ، ترقب ضجيج الحياة حولها ، مستشعرة برودة العمر وضياع الشباب وذبول الجمال أو هكذا ظنت حتى أحست بنظراته لها ، لم ترد نظراته ، باغتتها مفاجأة أن يبادر أحدهم بالنظر إليها ، صحيح بأنّـها كانت ترتدي بلوزة جديدة بألوان زاهية لافتة للنظر ، والقبة واسعة تظهر جمال عنقها المتلألئ مع القلادة الذهبية التي ابتاعتها قبيل فترة وسط نظرات الريبة والتبرّم من حولها ، كأنما هي جماد وغصن يابس لا تملك الحق في الزينة والقطف من ثمار البهجة في الحياة .. تعود لنظراته التي تفرقع عليها .. لم تتوقع أن يحاصرها بنظراته هكذا ، بادرها بنظرة متفحصة نبشت أعماقها بموجة فرح منسيّ تلكأت في سيرها ، فكرت أن تقوم بحركة ما للفت نظره أكثر أو للتأكد من أنه ينظر لها هي بالذات ، وليست مجرد نظرة عابرة ، تلكؤها يثير داخلها موجة جديدة من الذكريات ، تذكرت إخوتها الذكور وهم يحومون حولها كدبابير ضخمة ينهونها عن الحديث أو الابتسام ، كأنما هي فريسة وسط ذئاب ، لا تنسى تبرم أخيها عندما دق بابهم أرمل بعد ضياع شبابها ... بدا واضحا أنه لا يفكر إلا في بقائها ... ذكريات كثيرة ... حرمتها من متع بسيطة وبريئة .. غدت تتأمل من حولها بحسد وحسرة لا تظهر إلا في التكتم والفظاظة ، فتلك عروس وتلك حامل وأخرى أم .. تتخيل بحس المحروم كيف يقرب الرجل أنثاه .. بماذا تشعر .. كيف تحس الحامل بالجنين وكيف .. خواطر كثيرة وتساؤلات مغلفة بالمرارة والحرمان تتبرعم وتذبل في أعماقها التي أصابها اليباس ، آآه ... كيف ذوى عمرها على رصيف الوحدة ,لكنها اليوم .. اللحظة .. تتوق للتحرر ..لبعض ارتواء .. كفاها حرماناً ، أليست أنثى لها الحق أن تعيش ، ألا يتاح لها التمتع ولو بنظرة إعجاب صغيرة آتية في زمن الجدب ؟

يتابع النظر إليها ، يغسلها بفيض من البهجة الأنثوية ، يدغدغ أنوثتها الغافية بحرارة عطشها الخرافي لرجل ... آآه .. رجل يقطف زهرتها يمرّغها في طين شهوته المجنونة ، يهصرها بين ذراعيه القويتين ، يعتصر شهيقها وأنفاسها الخامدة أشبه بالموتى .. لن تتمنع ، لقد أضاعت الكثير من الفرص .. تتلكأ ، تقف أمام أحد المحال التجارية في مواجهة الفاترينا ، تتأمل الملابس المعروضة على "المانيكانات" .. تفكر أنها تشبه المانيكان .. هي بلا إحساس .. آآه .. تستشعر أنفاسه ـتقترب تتجاهله عن قصد وظل ابتسامة باهتة وبهجة صافية تغسل جسدها .. تحسّ أنامله المفعمة برائحة الرجولة تمتد لعنقها .. تستسلم لزخم اللحظة وألقها .. فيما تسارع الأنامل المدربة لخلع القلادة الذهبية بسرعة رهيبة !

خليف محفوظ 31-01-2008 12:40 AM

رد: نظرة!
 
الأديبة حنان بيروتي تحية عطرة .
قصة جميلة ، في غفلة منها سرق الزمن أجمل عمرها ، وفي محاولة استدراك لما تبقى من الفرح المؤجل تكشف الفارس الذي أحيا فيها موات الأحلام بنظرته تكشف عن لص حقير كان نظراته تربصا بعقدها الذهبي .
السرقة واحدة ، وتعدد السراق في هذه القصة .
تحيتي و تقديري.


الساعة الآن 08:49 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط