![]() |
الابتسامة الثالثة
الابتسامة الثالثة بقلم: أكرم سلمان حسن (منصورة لم يكن يوماً عادياً لعائلة عاطف المغربي الصغيرة, المكونة من.. سيادة العقيد.. (كما يسميه أهل الحي قبل أن يكتسب لقباً مختلفاً عند المساء) وزوجته سعاد وابنته الأرملة نور, وحفيده كمال. الذين يسكنون دارته المكونة من طابقين, تزين واجهتها على امتداد السور المحاذي للطريق نباتات متسلقة. وخلف الدار وقفت أشجار الحمضيات مصطفة كالعسكر. بدأ كل شيء صباحاً حين استيقظت العائلة لتجد الثلج يملأ المكان, ويسد الدرب الضيق الواصل بين البوابة الخارجية لسور المنزل و باب الدارة. مشهد الثلج المتراكم في الحديقة, أدخل البياض عنوة إلى الدارة الغارقة في السواد منذ وفاة مروان (ابن أخ العقيد وزوج ابنته الوحيدة) والذي وجد فيه العقيد تعويضاً عن ابنه الذي لم يلد قط. عاشت العائلة طوال ثلاث سنوات حياة أقل ما يقال فيها أنها تعيسة, الحزن المستوطن أشجار الليمون, التي شهدت موت مروان, بعد سقوطه بينها, تنزف دماؤه لساعات قبل أن ينتبه إليه أحد, ذاك الحزن مازال يخيم فوق الرؤوس, يسكن النفوس و ينداح في أرجاء المنزل,يصل الوسائد وملاءات الأسٍِّرًّة, يرشها بالدمع كل ليلة. الثلج المتراكم أعلن حصاره للدار ومنع الخروج, مما اضطر العقيد للتسلل من النافذة, لتحرير الباب من كتائب الثلج التي تحاصره, وهذا لم يكن أمراً مألوفاً في بلدة ساحلية, تصاحبت وهطل المطر, ودارة العقيد, قبل هذا الصباح, لم تستقبل الثلوج سوى مرة واحدة في العشرين سنة الماضية. واستقبلت معها, ابتسامة نور الأولى لهذا اليوم التاريخي في حياة الأسرة, كان هذا حين أطلت من النافذة وشاهدت الثلوج غافيةًً على حافة النافذة. خرج الجميع من الأسر, إلى الحديقة المغطاة بالثلوج, آخر الخارجين كان الصغير كمال, مد رأسه بحذر شديد كي يرى ذاك العدو المجهول المدعو ثلج الذي يحاصرهم (كما تخيل عندما سمع الجدة سعاد تقول أن الثلج يحاصر المنزل) قال لأمه <<لابد أنه قوي جداً ذاك الثلج كي يمنع الجميع, حتى سيادة العقيد بذاته, من الخروج للحديقة >> ابتسمت نورا لدى سماعها رأي الصغير, تلك الابتسامة, كانت ابتسامتها الثانية هذا اليوم. وحين لم ير أحداً في الخارج, زال خوفه وركض إلى ما ظنه قطن أحضره جده لصنع الفُرُش الجديدة بدلا عن تلك القديمة, بناء على رغبة جدته التي أعلنت عنها بالأمس, لكن غياب نصف رجليه في القطن البارد, أعاد إليه خوفه, فتوقف ناظراً إلى أمه , التي ركضت إليه, فحملته ومشت به إلى حيث الأشجار, تقطف عنها ندف القطن وتفرك بها وجهها, حتى عاد إليه اطمئنانه, وبقيا يلعبان بالثلج حتى المساء, حيث نام الجميع تلك الليلة باكراً, فالكل مرهق من الثلج ,إما وإزاحة, وإما لعباً. وحدها نور لم تنم, أمرٌ ما يشغلها. فرجل الثلج الذي صنعته اليوم وهي تتخيل مروان, أسعد نهارها, ولكن سعادتها نغصت عندما تذكرت أن الربيع قريب من أبواب الحديقة.. على بعد أسابيع قليلة, فكيف تحافظ على الثلج الذي يدفئ قلبها! وما بين النوم واليقظة جاءها صوت مروان شاحباً كالثلج. نور.. هل اعتدت فراقي؟ أنسيت العهد؟ لا يفرقنا إلا الموت.. وكان احتجاجك عالياً فصدقتك << حتى الموت يجب أن يكون ثنائياً.. نرفضه يأتينا فرادى.. لا يأخذك من حضني.. ولا أترك حضنك.. الحي فينا يتقمص كفناً أو رشة عطر.. ويكون عناقاً أبدياً>> ألم تكن تلك كلماتك؟ مت قبلك وانتظرتك, لكنك تركتني هناك, في تلك الحفرة المظلمة الموحشة.. وهاأنت اليوم تعيدين خلقي.. وتزرعيني هنا.. مطروداً من حضنك ثانية, تحت نفس الشجرة المشؤومة.. مستعيداً موتي الأول.. مترقباً موتي الثاني.. عند أول سنونوة تطير بقربي. هبت نور تاركة الفراش الغارق بالدمع وجرت راكضةًً.. آتية حبيبي.. لا أتركك ثانية والله.. نلتصق كما تعاهدنا.. جسداً واحدا نعود. صرير باب المنزل الخلفي, أيقظ السيد عاطف وهو الحذر بطبعه نتيجة خدمته الطويلة في سلك الأمن, التقط مسدسه المحشو دائماً ,محركاً عتلة الأمان, واضعاً إصبعه على الزناد, متحسباً لشبح من يأتيه الماضي, (كابوس يزوره كل ليلة), توجه إلى حيث الباب الخلفي, فشاهد نورا تحمل المعطف والقبعة العائدين لزوجها وتتجه بهما نحو الأشجار حيث غابت وراءها.. جمد الدم في عروقه.. أيعقل أن ابنته تجلب له العار.. وهو من هو, تأتي بعشيقها إلى المنزل, وتهديه ثياب زوجها الراحل, لم يصدق ما رأته عيناه.. سيذهب خلفها ليتأكد من ظنونه من جهة ومن هوية العشيق الذي تجرأ عليه وداس كرامته, سار على دربها بخطى بطيئة , إلى أن وصل الأشجار, الضوء هنا أخف, لكنه كاف ليتأكد, كانا هناك, متعانقين, الفاجر يدير له ظهره بكل ازدراء.. الياقة العالية والقبعة يمنعانه من التعرف على شخصيته. مدنساً معطف المرحوم وقبعته.. هنا في عرينه.. يهتك عرضه.. يبصق في وجهة.. يطؤه بحذائه.. ساخراً من تاريخه و أوسمته وبطولاته. هو من هو, مهاباً من الجميع في القرية, أغنيائها قبل فقرائها, سمعته القاسية التي لازمته سنين الخدمة, لم تتقاعد مثله, سبقته إلى مدينته, وكان خبر عودته حديث المدينة و بخاصة أهل الحي الذي تقع فيه داره, كانوا خائفين.. متوجسين.. من خطأ غير مقصود قد يودي بهم. كيف لا وهو الضابط الذي ملأ اسمه البلد رعباً أثناء الاضطرابات التي عصفت بالوطن. صعد الدم إلى رأسه وأحس بقلبه ينخلع من صدره.. تسارعت أنفاسه غامت عيناه.. وتشوش ذهنه.. دهمته صور متلاحقة.. عاد صغيراً, تغريه أمه بالخروج واللعب بظل شجرة التوت التي يحب,يلبي رغبتها بفرح.. لكنه يشعر بالعطش.. يعود ليروي ظمأه من الجرة الفخارية الباردة.. هناك كان الشيخ ريحان يطرحها أرضاًً.. ضحكهما يملأ البيت الطيني الواسع.. يخاف مما رآه ويخاف أن يرياه, يعود أدراجه إلى الظل, تغيب الصور و تحضر.. متداخلة فيما بينها.. ويعود الشيخ ريحان ضاحكاً.. لكن هذه المرة يحمل على كتفيه نسراً و نجمتين.. يطرح زوجة السجين الشابة أرضاً.. صراخها يملأ.. ذات البيت الطيني الواسع..!!<<أتوسل إليك لا تلوثني, يكفي زوجي موتاً>> يكمم فمها بيده.. يحس تحته انتفاضات الجسد الغض.. يزيد الضغط إلى أن يخمد.. يملآ أذنيه صوت رفرفة لجناحي طائر حسون, يتناول مسدسه ويرديه قرب باب الزنزانة.. هلوسات أنهاها.. صوت رصاصة. لم يصدق عينيه حين رأى الفاجر مازال واقفاً.. لا يفهم.. كيف حدث هذا ! كيف أخطأ الهدف ومن مسافة قريبة كهذه!! وهو الذي لم يخطئ يوماً جسداً واحداً. قفز يروم اقتلاع حنجرته و تمزيق عينيه.. لكن أصابع العقيد الحارقة, غاصت في عنق رجل الثلج الذي نحتته نور صباح اليوم. جن سيادة العقيد.. واستحق لقبه الجديد, وأصبح منذ هذا المساء,العقيد المجنون, وذلك عندما شاهد ابنته تسقط أرضاً, يدها على صدرها تبعد ألم النار المشتعلة.. لكن.. تعلو وجهها الابتسامة الثالثة. |
مشاركة: الابتسامة الثالثة
أستاذ أكرم حسن
قصة جميلة لمست فيها جمال الوصف في تصوير الثلج المحاصر للبيت والخاتمة موفقة وفي مكانها المناسب تماما خالص ودي |
رد: الابتسامة الثالثة
لا أعرف .. ماهى الجملة .. أو العبارة تلك التى أتت فورا .. و بلا استئذان .. بروائع العظيم جبرييال جارثيا ماركيز .. ياله من عالم .. يغلفه الحب .. أعرف تماما .. لأنه كتب بحب و بإجادة و ليس لأنه كذلك .. نعم .. حين تصبح الكتابة شكلا من أشكال المتعة .. هناك يكون للإبداع الكلمة .. تكون متعته ودهشته !! رائعة أخرى .. بل رائعة تتجاوز حدودا سابقة لتفتح أمامك أفقا أوسع و أرحب لصياغة الدهشة و الجمال .. لتخرج لنا أروع .. و أنبل ما يحمل الإنسان !! فيها بدا ذكاؤك .. و تجلى فى نمنماته .. و هسهساته الثلجية التى رميت عليها لحظة التخليق لتخرج لنا من بين ركامه تلك " نور " العاشقة النارية .. التى تتعبد فى محراب رجلها الفانى و هاهى .. تتعشقه .. و تلمه بين ضلوعها .. كأنها تبغى أن تتحول مثله إلى فتاة أو امرأة من ثلج!! و كان الجنرال أو الكابتن بكل ما يحمل من أمراض .. عبر عمره .. و ما لم يستطعه صغيرا ...أن يرى ابنته بين أحضان عشيق .. كيف .. لا يجوز الآن أن تضيع هيبته .. أن يتحول إلى ........!!! نبض حروفك كان هادئا كثيرا .. و سرعان ما كان الصخب و اللهاث حين أصبحنا أمام مشهد نور تعانق عشيقها الثلجى .. بعد أن ضخت فيه دماء الحياة !!!!! شكرا أكرم .. على تلك الابتسامات .. و أنتظر ابتسامة رابعة و خامسة فى روعة هذه !!!! كن دائما على وفاق مع اللحظة .. و لا تفلتها !!!!! ربيع عقب الباب |
رد: الابتسامة الثالثة
اقتباس:
نص سردي جميل يصور دورة الأيام وسخريتها ممن ظنوا أنفسهم آلهة الله في أرضه ، فيفعلون ما يحلو لهم . " وكما تدين تدان " . دمت بخير . |
رد: مشاركة: الابتسامة الثالثة
أستاذ أحمد
كل الشكر لكلماتك واهتمامك ومتابعتك لما ينشر هنا دمت مبدعاً أكرم منصورة |
رد: الابتسامة الثالثة
ربيع العزيز .. ربيع هذا المنتدى ..
يامن تزرع الإبداع في حقول أقلام .. نأكل ثمره ولا نشبع.. أهلا صديقي . كنت أجلت نشرها لسبب ما .. ولكن رأيت البارحة أن أنشرها .. علني اصطاد وقد نجحت ..ابتسامتك .. التي تغيب أحياناً عن وجه المنتدى .. ابتسامة نور فيها من وحيك صديقي .. وكأني بها تبتسم لك. الروعة بعض ما عندك أستاذاً.. وملهماً دمت بخير أخوك |
رد: الابتسامة الثالثة
الأخ محمد
هو ذاك أخي .. هو ذاك. الشكر الجزيل لتكرمك بالرد وقبله بالقراءة . دمت بود |
رد: الابتسامة الثالثة
اقتباس:
صدقنى أكرم العزيز .. منكم أتعلم .. و معكم أستمر .. كل ما أفعل أنى اترك نفسى أتركها تحس بمتعتها .. و تنتشى بما تقرأ .. و كان عملك قمة فى تصدير المتعة و الإحساس بالانتشاء .. لسبب بسيط أنها كتبت بذات المتعة و ذا الانتشاء .. هكذا يكون الإبداع !!!! كيف أبتعد و أنا مريض بالفن .. مريض حد الهلاك .. كثيرا ما تنتابنى هستريا من نوع خطير حين يصعب على النوم .. و يصبح متعذرا .. ألا سحقا للفن و الأدب فى نظير ساعة أنامها و أشعر فيها أنى مثل بقية البشر !!!!! سلامات لعينيك .. مالك غائبا عنا .. لعل المانع يكون خيرا !!!!! ربيع عقب الباب |
رد: الابتسامة الثالثة
اخي اكرم حسن..تحياتي
قصة رائعة..استمتعت بها..تستحق القراءة جدا..دام هذا القلم المخلص. دمت بخير |
رد: الابتسامة الثالثة
اقتباس:
تحيتي لك أشكرك ..ومثلك من يعرف الروعة لأنها صنعته.. وأنا من المعجبين جداً باسلوبك وأقرأ لك بمتعة دمت مبدعاً أخوك أكرم حسن |
رد: الابتسامة الثالثة
اقتباس:
إنهم يظنون أنفسهم آلهة . لكن الحديث يؤكد " أفعل ما شئت كما تدين تدان " مع تحياتي لك . |
مشاركة: الابتسامة الثالثة
تحياتي لك اكرم
على هذا الالق الرائع دمت بخير |
| الساعة الآن 06:02 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط