![]() |
مهداة لكل لاجيء(قصة ثائر بلا وطن)
شقصة:
ثائر بلا وطن آه الحمد لله هذا من حسن حظي، دوما؛ أن أصل قبل نصف ساعة من موعد القطار الذي سأستقله للعودة لمرسيليا، هذه عادتي أحب الجلوس على مقاعد المحطة لمدة من الوقت في محطة "جارده ليون" كلما عدت من باريس. الجلوس في هذه المحطة أشبه بحلم حقيقي فأنا في محطة باريسية فيها شتى جنسيات البشر يمر من أمامي جزائري، ثم مجموعة من الفرنسيين، ويليهم أناس من شرق أوروبا تقطعها دوما وجوه أفريقية. إنهم من بلاد كانت فرنسا تحتلها، قاوموها في تلك الفترة بضراوة حتى نالوا الاستقلال، وعندما تحرروا وغادرتهم فرنسا، ذهبوا إليها مهاجرين. كانوا يعتقدون أن الحرية تبدأ عندما يتخلصوا منهم، واكتشفوا أن أبناء جلدتهم قد أصيبوا بوباء الاستعمار. لماذا نرفض الغربيين في بلادنا ونتبعهم في بلادهم، هل من أجل المال، أم هم بشر مختلفون في بلادهم، لا يعاملونا كالعبيد في بلاد الغرب أو لا يقبلون ذلك في بلادهم. لقد ضحينا بمليون جزائري من أجل الاستقلال وضحينا لها بالملاين من الشرقيين المهاجرين، حقا لا أعرف لماذا حاربناهم لو ظلوا عندنا لكانت هذه المحطة الفخمة موجودة في دمشق، أو بيروت،وحدائقهم المفروشة بالعشب الأخضر والنوافير الرائعة ،والناس الذين لا يراقبون عاشقين بجانب بعضهم ، أو رجل عجوز يرتدي بذلة رياضية ويمارس هواية الجري بعد الستين، توجد في ساحاتنا. ما الفرق بيننا وبين الفرنسيين إنهم ذوو بشرة شقراء ونحن سمراء ، لقد كانوا مستعمرين مثلنا من ألمانيا وعندما تحرروا تبادلوا السلطة والمال والحرية، ونحن قسمنا الحصص إلا الكراسي والسجون، لماذا نحب ثقافة قطاع الطرق الذين يستولون على كل شيء يرونه حتى ولو لا يفيدهم تاركين المسروقين في الصحراء بلا مأوى، ولا ماء ولا وسيلة هروب إنه إعدام بأشعة الشمس. لقد ثاروا من أجل الحرية وحصلوا على ثمارها هاهم يضحكون، يحملون كتبا في مواضيع شتى لا يخافون أن تكون كتب ممنوعة مخابراتيا، ثقافتهم تعانق الحرية، أما نحن فالثقافة تقود لزنزانة المخبر المعتمد لدى المخابرات. أحاول كل ليلة أن أنسى الماضي وأعيش في باريس، في مرسيليا، بين هذه الأفواه التي تنسيني لغة الراء، أحاول أن أمحي من ذاكرتي كل ما يمس الشرق، من مآسي الهجرة. منذ ذلك اليوم الأسود الذي سمي يوم النكسة، صور كابوسية سوداء لا تغادر جفوني كلما أغمضتها، ليلا أو نهارا. أمي الخوف يغلف وجهها المسود رعبا، تبكي وتلطم وتصرخ: راحت عكا راح الأهل راح "شقا العمر". وأبي الذي يضع أساور أمي الذهبية علي يديه، لعلها تعطيه شيء من الأمان الذي لا يبدوا له بوادر من بعيد أو من قريب ويمنع أمي أن تحمل شيء معها من أثاث البيت ويصرخ المهم الولد يا فكرية، ويقول : إنا ذاهبون إلى فلسطينيين مثلنا لن يجعلونا نحتاج لشيء ،! أبي كان ينظر لبيوت حيفا ويبكي كنت أريد أن أجمع دموع أبي في قارورة، لأن دموع أبي لم ترى من قبل ولم ترى بعدها ، عكا ووالدي غابا عني. عكا ارتداها اليهود ووالدي ارتدى ثوب الموت. لقد صمد والدي لمدة شهر مقاوما السجن الحياتي ألقسري الجديد ،وبنى لنا خيمة وظل جالسا فيها يطلب من أمي أن تحضر الماء وتصطف على طابور الإعانات، أبي الذي لم يكن يدع أمي تخرج لأسواق عكا يطلب منها ذلك،! ولا يريد حتى مغادرة الخيمة المذلة ولا يستطيع نسيان تلك المجازر التي حصدت العشرات من أقاربه ،من اليهود الذين كانوا يعيشون امنين في بيوت عكا ،وآخرون قدموا من البحار البعيدة يدعون أن بيوتنا هي لهم ! مات أبي في تلك الخيمة بعد يومين لم يستطع أن يتنفس هواء لا يأتي من بحر عكا. موت والدي زرع بداخلي قوة الثأر من اليهود، من العرب الذين تخلوا عنا، من الذين كانوا يعيرونا أننا لاجئون وكأنها تهمة شنيعة، كنت أحلم بالانتقام، من كل شيء حولي من موظف الأمم المتحدة العربي، الذي لطالما صرخ بوجه أمي، من المدرس الذي كان يشبعنا ضربا ليفرغ شعور الحسرة والذل الذي يكسوه في أيدينا، من الخيمة التي ما كانت تحمينا لا صيفا ولا شتاءً، من علبة السردين التي تقرح منها فمي، من سقف "الزينكو " الذي لم يدعني أدرس أو أنام وهو ينقل صوت كل قطرة مطر تسقط عليه. سنوات الطفولة كانت تمر علي كسكينة اللحام على رقبة الخروف، لم نر بوادر نصر أو ثأر، سوى بعض الشباب الذين يذهبون لعمليات فدائية، ولا يعودون منتصرين، يعودون جرحى أو قتلى، أو أسرى دون عودة. بعد سنوات ظهر عبد الناصر، حديث الشارع، وأكثر صوت يهم الناس في الراديو وحديث المعلمين في الحصص المدرسية، يوقظ الملل من جديد، بخطاباته الرنانة، أجلس أمام الراديو أستمع لخطابات عبد الناصر وأنا مغمض عيني، أتخيل أني أنا الذي أخطب، وأن أبي خرج من القبر يقول : جيد يا ثائر سوف ترمي اليهود في البحر !. مضت السنوات بسرعة وتخرجت من الثانوية، وكنت أتهيأ لأدرس بإحدى جامعات مصر. وأخيرا حاربنا اليهود، ولكننا لم نرم اليهود في البحر، بل دفن العرب في صحراء سيناء، وضاعت أراض أخرى، وازدادت الحسرة، كانت العشرون عاما التي مضت أشبه بكابوس امتد من موت أبي إلى تلك اللحظة، التي استقال فيها عبد الناصر ، وعلمت أننا كنا نحلم . وددت أن أصرخ له من المذياع و أناديه باللهجة المصرية "تاركنا ورايح على فين دحنا بعرضك". هناك في زقاق المخيم الضيقة مساحتا الواسعة ثأرا، وعزيمة، تعرفت على صديق جديد قادم من روسيا سيرافقني لسنوات طويلة بعدها..يدعى"كلاشنكوف". فقد تناقل الناس أن الطريق الوحيدة لعودة فلسطين هي النضال الفدائي، بعت ما تبقى من حلي ذهبية لوالدتي واشتريت كلاشنكوف مهرب، عانقته وكأني قد أحضرت عروس ،وكذلك فرحة أمي عندما شاهدتني وأنا أفكه قطع مثلما تدربت قبل "النكسة" من أحد الشباب الفدائيين، وارتديت لباسا أخضرا ،صرت أمشي متمخترا رافعا كتفي، أجلس مع الناس الذين يحضرون فورا أكواب الشاي، ويشجعونني على ألا اذهب للعمل في دول الخليج وأنسى فلسطين. الأطفال كلما شاهدوني يسلمون علي ويمسكون الكلشنكوف، ويسألوني؟ عموا متى ستعيد لنا فلسطين، وآخرون يحذروني من العملاء الذين كثروا بعد تردي الأحوال المادية. قررت الهروب من المخيم الى مكان لا أخاف العملاء مكان يشبه جبهة الحرب، أقضي وقتي أصوب الرصاص نحو اليهود. لماذا أظل في المخيم؟ لا يوجد في المخيم أرض نفلحها، أو تجارة ، حتى أمي غادرت الحياة وهي تهذي "راح نرجع يا أبو ثائر" وأطبخ لك صيادية سمك، توفيت أمي في السرطان، لقد كان يحيط بها منذ أيام عكا وهي لا تدري، عن السرطان، الذي أخذ منها عكا، وأخذ منها بيتها الجديد، وأخذ منها البحر المتوسط، ومن ثم امتد لزوجها وتركها عشرين عاما بين القروح وصفائح المخيم التي تعزف لحن الفقر والذل كلما أمطرت الدنيا، توفيت أمي بعدما تمزق جلدها من شمس الوكالة، وحرارة الزينكو. كنا نشرب الحليب ونأكل السردين بالذل، بعد ساعات من الوقوف على الطوابير، بنما كان والدي يحضر لنا كل شهر عربة خيل تحمل ألذ ما تحويه أسواق عكا. لقد ماتت أمي وهي تصف لي بيتها في عكا وتطلب مني أن أسكن زوجتي في الغرفة، الشمالية لأنها مطلة على البحر، ماتت أمي وهي تضع يدها على الكلشنكوف وتقول عندما تعود لحالتها الطبيعية يا بني هذا مفتاح فلسطين يا ثائر أعد عكا وبعدها تزوج، إياك أن تجعل زوجتك تعيش مثلي في بيت ضيق،عليه سقف زينكو ينقل البرد ويجمع حرارة الصيف، الفقر يفسد كل فرح ويقتله قبل أن يولد. بعد أمي لم يبق لي في ذلك المخيم سوى ذخيرة من الأيام أضعها في فوهة الثأر لأصوبها على الذين اغتالوا الفرح بعكا. غادرت بعدها إلى لبنان، كان كل الفلسطينيين يذهبون إلى لبنان، التي أردت الذهاب لها قبل عامين لأدرس في الجامعة الأمريكية، الجميع يذهبون الى لبنان، وكأنها أرض اللقاء، مع أني سمعت شيخ المسجد يقول للمصلين، سوف نقاتل اليهود من ضفة النهر الشرقية. بيروت كانت أجمل من المخيم بمئات المرات، تشبه الجنة التي حدثنا عنها شيخ المسجد، لم أصدق بداية أن بيروت عاصمة للحرب؛ فتيات جميلات نصف عاريات في الشوارع، يتعرين على البحر، البحر مليء بالعشاق، الشباب يحتالون على الحياة فيحولون أيامها الى أقداح خمر حتى لا يتذوقوا آلامها دون أن تضيع ساعة دون متعة. في شوارعها كل أشكال الحياة التي تختصر عشرات العواصم، بنادق، كتب، فقراء ،أثرياء، رصاص يطلق في الزقاق بين أعداء، وقبل تطلق من النوافذ بين عاشقين. لقد سببت لي بيروت إرباكا شديدا حتى نسيت النضال، وظلت الملابس المدنية، تشعرني بالخوف من أن أموت مدنيا. في كل يوم عصرا كنت أذهب الى صخرة الروشة أنظر للبحر المتوسط، يقولون لي أن هذا البحر يوصلني الى عكا، ليتني سمكة أسبح لشواطئ عكا أقبل حجارتها أعتذر لأسوارها دون أن تراني الزوارق الإسرائيلية. في بيروت بدأت أسمع بمسميات غريبة للنضال، تختلف عن فلسطين؛ ففي فلسطين كل من يحمل سلاحا يسمى فدائيا فقط هكذا علموني، فدائي وبعدها صار هناك كلمة فتحاوي، ولكن في بيروت يجب أن أكون فدائي حزبي مقاتل له أيديولوجية ، لم أفهم ماذا يقصدون. أعطاني كاظم كتابا لميشيل عفلق وأخبرني عن البعث، وكلما سألته أليس البعث يحصل بعد أن أموت شهيدا؟. يضحك كاظم ويقول: كلا البعث هو الطريق الأسلم لشهادة، وللعروبة، يجب أن تحيا الأمة قبل أن نموت شهداء، ذكرني كاظم بتجار المخيم، لأنه جيبه كانت دوما تمتلئ بالمال مثل مكتبته، ولم أكن أعرف من أين يحصل على الكتب والمال ولأني أخاف من المبهمات، ولأني كنت لا أريد أحزاب تسعى لمصلحة دول خاصمت "كاظم" وصديقه بالفكر "فادي" الذي كان يملك بعثا أخر. وعبد الرحمن يقرأ علي دوما كتب لسيد قطب ويطالبني أن أصلح المجتمع العربي الجاهلي، أنهره ما شأني وشأن العرب ومن قال لك أن هناك من يستقبلني في بلاده فسجونهم هي غرفة الضيوف التي يستقبلون من هو في مثل حالتي،فليذهب العرب للجحيم وليظلوا على جهالتهم . وصابر عكسه تماما لا يريد رجعيين دينين، ويقول القومية هي الأصل،لم يفهمني صابر، لأني كنت أريد بيتي في عكا فقط، وأن أحصل على أسير يهودي وأجعله يبكي لأسترد دمعات أبي، فما لي وما للمجتمعات العربية ووحدتها، لم أرى أي منهم في المخيم، ولم أرى علما عربيا واحدا على الشاحنات التي تحضر السردين، كنت أرى دوما أعلاما زرقاء أحيانا تكون من الأمم المتحدة، وأحيانا تكون قوات إسرائيلية تأتي لتعتقل الشبان.. كنت أتردد دوما على المخيمات أجلس لأستمع اللهجة الفلسطينية ، من الأفواه التي تحولت لمجامر من كثرة ما تحدثت عن فلسطين ،وأشعر بينهم في أمان لا أجده في باقي المناطق، في أحدى ساحات مخيم البراجنة تعرفت على فتاة بيضاء البشرة ، ضعيفة الجسد تسريحة شعرها مثل الشباب، ترتدي بذلة خضراء -كتلك التي كنت أرتديها في المخيم- تقلب مجموعة كتب معروضة على بسطة، تنظر في الكتب وترفع كل دقيقة كوفية فلسطينية ملفوفة على رقبتها، وقفت بجانبها أنظر لكل كتاب تتركه. نظرت لي وضحكت : مناضل؟ قلت نعم قالت :رفيق أم أخ؟ نظرت لها بعجب، أي شيء يعيد لي فلسطين ليس مهما اللقب، حتى لو أسميتني بهلول! ضحكت بشدة، جعلتني أشاهد أنوثتها الضائعة في البذلة العسكرية قالت: أنا جوزفين نظرت إليها وقلت: إذا كانت الألقاب الحزبية لا تهمك فأسمي ثائر نضال من عكا. - عكا لم يتبق أحدا فيها لقد هاجروا من النكسة - أقصد هاجرنا من عكا، ولكني قادم من مخيم، لا أريد أن ألصق نفسي بالمخيم حتى لا أنسى عكا، أنا الآن بلا وطن وجئت هنا لأسترد الوطن. - أرتاح وجهها وقالت بصوت خافت: لقد أخفتني نحن نتخوف من عرب إسرائيل، نخشى أن يكونوا عملاء من اليهود ويتقنون اللغة العربية. - لا لا تخافي لم أدخل معسكرا في يوم من حياتي ولكني هنا كي أكون فدائي، ولكني لم أتوقع أن أجد كل هذه الفصائل والمسميات - ما رأيك أن تصبح شيوعيا، مثلي وتصبح الرفيق ثائر. - شيوعي ؟! لطالما حذرني أهل المخيم منهم، وأخبروني أنهم كفار وحطب لجهنم. - أخرجت من جيبها اليمين مصحف، ومن الشمال أنجيل، وقالت نحن لسنا ضد الدين ولكننا نريد تحييد المتدينين، خلاف أيديولوجي. - ماذا قلت لم أفهم هذه الكلمة الأخيرة ؟ - تحتاج الى "فت خبز" أسمع يا ثائر يجب أن تسعى لهدف سياسي وليس حربي فقط، كن اشتراكيا تقدميا تسعى إلى نهضة هذا الشعب ونشر العيش الحسن بينهم، هناك أعداء لنا غير اليهود لا نريد أن تعود فلسطين للأغنياء ولمحتلين ماديا بدل اليهود - محارب تقدمي ؟ أتقصدين مثل غسان كنفاني الذي استشهد حديثا. - نعم، جيد أنك تعرف غسان كنفاني ،أتقرأ له - قلت لك لست حزبيا ولكني لم أقل لك أني غير مثقف. - ما رأيك يا رفيق ثائر أن تنتسب إلينا ،نحن نخطط وندرب وستكون بطلا. - كلامك مقنع يا جوزفين ولكن لا أريد أن أكون شيوعيا أريد أن أكون اشتراكيا تقدميا - كوب شاي قد يسهل الحديث معك، ولكنك سوف تحتاج لبعض الكتب قبل التدريب العسكري - عليك أن تختار اسما حركيا غير اسمك العادي، هذا أفضل لك - حسننا أريد اسم "عربي" - من أتيت بهذا الاسم الغريب - إنه بطل رواية "أنت منذ اليوم" للكاتب الأردني تيسير السبول - أذن أنت منذ اليوم الرفيق عربي غيرت تلك الجلسة مسار حياتي واسمي الذي صار معروفا بالرفيق عربي، فلقد سمعت كلاما غريبا على طريقة تفكيري البسيطة، جوزفين أقنعتني أن الأثرياء هم أعداء الثورة، وهم أقرب الناس إلى الإستعمار، وأن العالم مقسم إلى شيوعي وإمبريالي أي فقير وغني، مستعمر وعبد. أعجبني كلام جوزفين خاصة أن مصدر كلامها من تلك البلاد التي تصدر الكلشنكوف، السلاح الذي ساعد مناضلي فلسطين كثيرا، عند الهجوم على المستعمرات، لقد أصبحت أؤمن أن يعود الناس مع بعضهم البعض شركاء، في الحياة، الحراث والصياد والمختار يأكلون مثل بعضهم، ستعود الأرض للجميع الكل يزرع والكل يأكل . لقد كانت جوزفين جسد شيوعي يتحرك على الأرض، لا تلبس ثياب النساء ولا تأكل من المطاعم الفخمة، تصلي ليلا وتدعو الله، وإلى الاشتراكية نهارا، تقول دوما أريد أن أكون شيوعية مؤمنة. تدربت في معسكر خاص وكانت جوزفين تدربني أيضا، إنها أشبه ما تكون ببطلة ساموراي. شاركت وجوزفين بعمليات كثيرة، في الجنوب اللبناني، كنا في كل عملية ننجو بأعجوبة. تهيأ لي أن الله يريدنا أن نكون لبعضنا، فكرت أن أتزوجها، وصارحتها، ولكنها ضحكت وقالت : غريب أمركم أيها الرجال تقطعون أحلامكم دوما، عندما تشاهدون امرأة ما، يا ثائر مثلنا لا يصلح لزواج نحن نعانق الموت في كل يوم ولكنه يهرب منا ليوم أخر. قلت لها يوما لم تخبريني يا جوزفين من أي بلد في فلسطين أنت وأين أهلك؟ - أنا لست فلسطينية ، بل لبنانية - أصبت بدهشة ! فاللبنانيين، يكرهوننا، بل يعتبرون، أننا أحضرنا لهم وباء الحرب - أنت تدافع عن فلسطين لتثأر لأرضك ولوالدك، وأنا مثلك مات أبي في فلسطين وهو يحارب مع الجيوش العربية، كنت في بطن أمي ولدتني أمي وهي لا تجد ما يطعمني، فهي أرمينية ليس لها أحد في هذا العالم سوى أبي الذي تزوجها عن غير رضى أهله، عملت أمي خادمة في المنازل لتطعمني، وعندما كبرت، وضعفت قدرتها على العمل، قذفوها في الشارع مثل أكياس القمامة، لن أنسى تلك الصرخات، والتي كانت تلاقيها من أجلي، تعمل من الصباح إلى المساء من أجل حفنة من الليرات، ماتت أمي بعدما مزقت عظامها التهابات المفاصل، قررت أن أنتقم لأبي ولأمي من اليهود الذين قتلوا أبي وتركوا أمي وحيدة في هذا العالم تعمل عند الأغنياء أصحاب المال الذي أذل أمي. بكت يومها جوزفين وهي تخرج هذه الذكريات من صندوق ذاكرتها، وكنت لأول مرة أشاهدها طفلة صغيرة تبكي، لقد كانت رجلا بشكل أنثى لا يغادر السلاح يدها إلا عندما تمسك بكتب الشيوعية والتي لا تمل منها، مجلدات كثيرة من كتب لينين وماركس ، وماو تسوي تنج. لطالما أشعرتني أنها لا تحب الحياة، ولا تشتاق للفرح الذي غادرها منذ زمن طويل، كانت جوزفين تتعاطى النضال كما يتعاطى المدمن الحشيش. جوز فين مثل كل فلسطيني مشرد، عندما طرد من موطنه وبيته شعر أنه تيتم وفقد والديه، فالمخيم أشبه ما يكون بكابوس يحاصر ليلك ونهارك، إنه مستقبل مخيف مجهول، يجلس الفقر على مفاصل الأيام يتفشى بك، ويمزق أحشائك وكأن أيام الحياة طعام مسمم، ماذا تعني الحياة وأنت تشاهد أخواتك الصغار يرتدين في العيد ثيابا بالية، تشاهد عظامهم تئن من برد الشتاء، وبطونهم تكاد تصرخ اشتياقا للحم، ويودون كسر أطباق العدس الذي ملته بطونهم. مضت خمس سنوات، ونحن لم نتقدم ولم نصبح تقدميين، والجبهة لم تعد محصورة في الجنوب، صارت تمتد إلى بيروت، في ذلك اليوم المشئوم قتل شبان مسيحيون ركاب حافلة فلسطينية، ورد الفلسطينيون عليهم،بعملية أخرى وكأننا بحاجة إلى خصام. بكت جوزفين وقالت: اسمع يا عربي لقد تعودت أن أدافع عن نفسي، ولكن لم أعتد أن أقاتل أبناء جنسي، سوف نغادر إلى الجنوب لن أقاتل سوى اليهود. خفت أنا أيضا أن يأتي يوما أقاتل فيه جوزفين وتقاتلني هي أيضا من أحد الزقاق، فالحرب الأهلية أصبحت أمرا واقعا، ومن جهة البحر كنت أشاهد أرواحا بيضاء تغادر البحر، وتأتي أرواح سوداء، والبحر الأزرق لونه يصبح بيروت جميلة لا تستحق سوى التقبيل، إنها فتاة حسناء، كيف ستتحمل أصوات الرصاص ورؤية الدماء. حاولنا الهرب وخططنا له ولكننا لم نعد نخاف رصاص اليهود وحسب مثلما يحدث في الجنوب، فبيروت لم تعد تمطر ماءا بل رصاصا لا أعرف هل نحن الذين لم نحترم أرض بيروت أم هي التي لم تستسيغنا. جوزفين قررت جديا الذهاب للجنوب، قالت سيأتي اليهود قريبا ولن أغسل قلادتي التي تحمل صورة جيفارا إلا من دماء الأعداء. بعد عامين قتل زعيم الحزب، وبعده بعام صدقت نبوءة جوزفين هاجم اليهود الجنوب اللبناني، قاتل الجميع، وجلست جوزفين في خندق يجمعنا مع البعض، كانت الدبابات تأتي بكثافة الطيور المهاجرة، وجوز فين تحولت إلى نسر يطير في السماء، وعندما شاهدت الجنود المعادين، لم تخف بل فرحت وقالت لي: بعد الآن لن أعود لبيروت؛ أما منتصرة أو لن أعود. أما أنا فلقد تخيل لي أن البحر الذي في عكا قد وصلت أمواجه الى هنا والخندق الذي أنا فيه يقع على أسوار عكا، كانت جوزفين تقاتل بضراوة وكأن والدها جريح على بعد أمتار، وتريد إنقاذه. استشهدت جوزفين أمام عيني بشظية مزقت أحشائها وبترت ساقيها وتركت فيها رمق محدود الحياة لبعض ألثوان التي أحبت الحياة أن تقدمها لها عوضا عن أيام حياتها السابقة . كانت وهي تموت الشظية تبكي في جسدها! تقول يا ثائر )تعمدت اللفظ بالسم الحقيقي) : الشظية عربية أم يهودية. - أنها رصاصة يهودية يا جوز فين (كذبت عليها لأول مرة في حياتي فلقد كانت الشظية قادمة من مدفع هاون عربي ولكني لم أرد أن أعذبها وهي تحتضر)). - ثائر، ضع على يدك، كمية من دمي واصبغ بها الأرض أريد أن أرى لونا أحمر؛ يرسم الحرية على هذه الأرض، وأريد أن تدفنني في هذا الخندق، وألا تضع شاهدا على قبري وضع الكلشنكوف، واجعل فوهته إلى الأعلى، تبا للموت لقد قتلني قبل أن أمزقه إربالم أستطع أن أقهر اليهود، ولا أن أنتقم من الذين أذلوا أمي وأسحبهم مكبلين بسلاسل نحو قبرها لأعدمهم هناك. كانت جوفين أخر معاقل الطهارة، لقد حققت لها ما تريد، عمدت جثتها بدموعي، لقد كان موت جوزفين أقسى من كل ما عايشته، أصعب من مغادرة عكا أذل من طابور الوكالة أشد ضيقا من المخيم، أبرد من سقف بيوت المخيم، دفنتها في نفس الخندق ووضعت في جانبها الكلشنكوف لم أخرج فوهته كما طلبت، خوفا أن يحمله مقاتل دنس. لم أخن فلسطين، فلقد ضاع الوطن وضاعت الحبيبة، وقضيت سنوات عمري التالية في سجون عملاء إسرائيل، الذين استعاروا بعض السنوات من جهنم وقدموها لي في معتقلات الأسر. خرجت بعدها بأربع سنوات عندما هاجمت إسرائيل لبنان، واجتاحت بيروت، ولم استعد عافيتي، حتى غادر المناضلين فلسطين بعدما أحبو أن يسقوا أرض لبنان من دمائهم، بدل دماء الأعداء. ودع ببيروت ، وتنفست أخر شيق من هواء قادم من فلسطين، فلقد ظننا أننا سوف نحارب اليهود فقط، ولكننا كما قالت يوما جوز فين نحارب العالم اجمع ، ولم أزر قبرجوزفين، كم هي سعيدة لأنها لم ترنا نعود خائبين إلى البحر، دون أن نسحق يهوديا أو برجوازيا. لقد ماتت جوزفين كموت جيفارا دون أن تدنسها رصاصات الدم المشترك، فلقد انتقمت بيروت من كل الذين أفسدوا عرسها مع البحر، وشربت من دمائهم ،وجعلت شارع الحمراء دينصورا يلتهم كل المقاتلين في الشوارع. بنيت قبرا صغيرا وضعت فيه الهوية الثورية لعربي، وبعدها ذهبت إلى تونس، وهناك غادرت إلى فرنسا، ومن ذلك اليوم وأنا أشعر أني كريستيان ولست ثائر، وأن برج إيفل مزروع بخاصرتي.أشعر أني طوال تلك السنوات لم أفهم معنى الوطن. ها أنا أعيش في مرسليا حرا أمشي في كل شوارعها، وأنظر الى عماراتها مستمتعا دون أن أراقب قناص يخرج فوهة بندقيته ليرسل لي تحية الموت. في مرسيليا يعيش كل إنسان بمفرده، لا يتكلم مع أحد، ولا ينتظر حاجة أحد أو مساعدة أحد، لأنك لا تحتاج أحدا، في مخيم خان يونس كان الجميع يحبون بعضهم بعضا ويتناولون الجوع مع بعضهم. لقد حققت الاستقلال، لأولادي ،العلم ،الحرية ،الأمان، يأكلون أشهى أنواع الطعام، أضحك دوما كلما اصطحبتهم الى مطاعم "سان ميشيل" ليتناولون الوجبات السريعة أتذكر أمي عندما شكوت لها طعام السردين، تقول لي:هذه لقمة شريف لا يوجد أشهى منها. أتذكر دكانة أبو محمد التي لا تحتوي سوى على شاي وسكر وبعض أنواع السكاكر، كيف كنت أشعر بفرح لا يوصف عندما تعطيني أمي "تعريفة "لاشتري منه. في باريس يدخل أولادي لأسواق "مون مارت" الشهيرة ويجدون كل ما في هذا العالم من منتجات... لا ينقصهم إلا قطعة أرض تدعى الوطن!!!!. لقد فشلت أن أكون يساريا تقدميا لشعبي، ولكني حققت التقدم لنفسي ولأولادي. هل ترى لو عاشت معي جوز فين، أكانت سوف تغادر بيروت مثلي، وتصبح ليبرالية مثلي، أم راهبة كنيسة تربي الأيتام. وهل سينهار جدار برلين، وكأنه جدار بيت دجاج ويتمزق العلم الأحمر بشظايا الإتحاد السوفيتي، وتذهب أحلام انتقامها سدى في أوسلو، هل كانت ستأتي معي إلى باريس أم ستعتبرني خائنا أو رجعيا أو مرتدا. لقد ماتت جوزفين وحلت لعنة موتها على العرب انتهت النصف ساعة حان موعد القطار. ملاحظة: في ذالك اليوم توفي ثائر نضال في القطار الذي كان يستقله عائدا الى بيته من باريس. بجلطة دماغية، أوقفت دماغه الذي نجا من ألاف الرصاصات. وكتبت الصحف أنهم وجدوا في جيبه، صورة لجيفارا وعلما أحمرا في وسطه صورة لفتاة شرقية الملامح، وقد أثار الخبر استغراب، القراء لأنهم يعرفون أن الرجل كاتب في الصحف اليومية ومعروف بكتاباته الليبرالية العلمانية المعادية لكل معاني الثورة وخاصة اليسارية والدينية ولم تنجح السفارة الفلسطينية بنقل جثته الى أي ارض فلسطينية لتدفن هناك كما وجد مكتوب في وصيته . تمت في ليلة 2005-2-4 قصة:عمر تيسير شاهين Omar_shaheen78@yahoo.com |
ا
قد تكون هذه القصة لم تعد تهم أحد ولكنها ستظل دوما نزيف لجلاح لا يندمل
|
| الساعة الآن 10:47 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط