منتديات مجلة أقلام - الحاكم والمستشار ..
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى الحوار الفكري العام (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=9)
-   -   الحاكم والمستشار .. (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=4491)

محمد جاد الزغبي 24-05-2006 04:04 AM

الحاكم والمستشار ..
 
قديما يحدثنا التاريخ القديم .. والحديث أيضا عن مدى التأثير الخرافي لمستشار الحاكم وكيف أن بعض المستشارين كانوا سببا فى تثبيت أركان حكوماتهم .. وأيضا يحدثنا التاريخ عن أولئك الذين هدموا عروشا .. وقوضوا دولا من مستشاري السوء ..
فبنظرة الى التاريخ الاسلامى القديم .. خاصة فى فترة الملك العضوض الذى بدأ بخلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .. وهو بلا شك صحابي جليل وأحد كتاب الوحى الا أن هذا لا يمنعه أن دولته كانت أولى دول الملك العضوض فى الاسلام .
وتلك الدولة التى بدأت بمعاوية تختلف عن الفترة الزاهرة للحكم الاسلامى الديمقراطى الغير قابلة للتكرار على وجه الاطلاق .. فدولة الراشدين كانت نسيج وحدها فى التفرد بأسلوب حكم الشعب ورياسة الامامة ومسئولية الحاكم أمام محكوميه بشكل لم يسبقه نظير ولا تلاه مثيل أيضا ..
فتلك فترة عاشتها الجماهيرالاسلامية كحلم بليلة صيف ومر سريعا .. والحديث عن تكرارها ضرب من ضروب المحال .. ووجه من وجوه الخيال ..
وبالتالى .. فحديث الاصلاح والتمنى لابد له من الاقتصار على محاولة ادراك الحقوق فى ظل اعتراف كامل بشريعة الملكية التى عرفها الاسلبام ودولته بحكم معاوية حتى وقتنا الحاضر ..
وبنظرة الى تاريخنا المعاصر بكل ما فيه .. سنجد الدول العربية والوريثة الطبيعية للحضارة الاسلامية ما زالت رهن قيود الحدود التى رسمها الاحتلال الأوربي ممثلا فى ضابط المخابرات البريطانى المسئول أنذاك عن الأراضي العربية " لورانس " الذى اشتهر باسم لورانس العرب .. والذى جلس الى رؤوس العائلات الحاكمة ورسم الحدود بين دولهم واضعا حدا نهائيا لاختلافهم فيما بينهم .. والغريب أنهم قبلوا الحدود التى قضي بها لورانس على الفور ..
ومرت السنون وجاءت تركة خمسينيات القرن العشرين حاملة معها أجواء التغيير السياسي بالمنطقة العربية وازدادت حركات التحرر الوطنى والتى لم تلاق صعوبات من الامبراطوريات الأوربية المحتلة التى خرجت منهكة القوى من الحرب العالمية الثانية فتوجهت أغلب حركات التحرر فى البلاد العربية ضد أنظمة الحكم الملكية فى بلادها كما حدث فى مصر والعراق وليبيا وتونس والجزائر واليمن وسوريا ..
وظلت الحدود التى رسمها الاحتلال البريطانى والفرنسي والايطالى قائمة كما هى بين الدول العربية .. أما فيما عدا ذلك من البلاد العربية التى عرفت الملكية ولم تعرف الاحتلال فقد بقيت بها النظم الملكية كما هى .. غير أن نداء التوحد بين أقطار العروبة لم يجد الصدى من الحكام الجدد لأكثر من سبب لم يكونوا هم أوله أو آخره بطبيعة الحال .. انما كان الظرف الدولى المتحكم فى العالم فيما يسمى بالنظام العالمى الجديد فى ذلك الوقت القائم على التحالفات العسكرية بين الشرق وممثله الاتحاد السوفياتى وبين الغرب وتمثله الولايات المتحدة الأمريكية ..
وبالطبع لسنا بحاجة الى التذكير بأن الجامعة العربية التى أنشأت فى عام 1945 م وتولى أمانتها الأولى السياسي المصري عبد الرحمن عزام باشا .. لسنا بحاجة الى التذكير بأن تلك الجامعة كانت ولازالت أشبه ما تكون بمقهى سياسي أو نادى اجتماعى للوجاهة وفقط .. ولم تكن لها بأى مرحلة من مراحلها عبر تلك السنوات الطويلة أدنى صيحة مسموعة فى المجتمع الدولى كتنظيم عربي يقرر مصير أعضائه ..
وهكذا أصبحت الدول العربية مستقلة فى قراراتها عن بعضها البعض فى كل شأن يخصها واختلفت القيادات السياسية فى توجاهاتها الخارجية حتى فيما يخص القضايا المشتركة وجاءت الخلافات العربية العربية تزيد من ذلك الاستقلال ..
وعليه أصبحت الدول العربية أجنبية فيما بينها .. لا سيما اليوم فى ظل نظام القطب الواحد الذى يهيمن على العالم وتمثله الامبراطورية الأمريكية .. ومن المفارقات أن العالم منذ تاريخه الأول لم يعرف أبدا فى أى عصر من عصوره نظام القطب الواحد والقوة الواحدة الا مرتين ..
كانت المرة الأولى فى الدولة الاسلامية الأولى التى قهرت الامبراطوريتين الرومانية والفارسية وأصبحت القوة العظمى الوحيدة بالعالم ..
والمرة الثانية مع العصر الحالى الموصوف بأنه العصر الأمريكى ..
والمشكلة الرئيسية فى العالم العربي ليست أبدا فى انفراد كل قطر بنفسه .. بل فى النظام القمعى للحكم الذى يضرب أساس المجتمعات العربية بلا رحمة منذ حصولها على الاستقلال ..
ولذا فمن العبث أن يسعى المناضلون والداعون الى وحدة عربية متصورين أنهم سيصلون الى شيئ قبل اصلاح بنية كل دولة ومعالجتها من فساد نظم الحكم ..
ان حالة العالم العربي الآن كمريض يحتاج الى عملية جراحية عاجلة .. ودعنا عزيزى القارئ نتصور أن العملية الجراحية هى التى ستؤدى بنا الى دولة عربية متوحدة .. لكن ادخال المريض قبل اجراء الفحوصات الطبية من ضبط ضغط الدم والسيولة للمريض قبل دخوله غرفة العمليات أمر لا غنى عنه لنجاح العملية ..
وتتفق أنظمة الحكم العربية جميعا على داء واحد .. هو توليتها الوجهة تجاه السلطة مع اهمال الشعوب اهمالا تاما ..
ومن المحزن أن الذنب هنا مشترك بين الشعب وحكامه ..
فاما أن الشعب صامت وراض بما هو فيه تحت تأثير القمع ..
واما أن النضال ضد الديكتاتورية أخذ الطريق الخطأ فى اللجوء الى المقاومة المسلحة .. وهو ما عرفته عدة دول عربية وكان من نتائجه الفادحة زيادة جرعة القمع عما كانت عليه .. وخسارة عشرات المناضلين تحت دعاوى مغرضة فى أغلب الأحيان ..
والسبب الرئيسى للفشل هنا هو قضية الحاكم والمستشار ..
فمستشار الحاكم لا شك أنه أشار عليه بعصا المعز لمقاومة نداء الاصلاح بالقوة ..
ومستشار الساعين الى الديمقراطية غرقوا فى أحلام المطالبة بحكم الراشدين والا فلا ..
فتعالوا معى نحلم معا بطريق مختلف للوصول الى الاصلاح السياسي على الطريقة البريطانية فى القرن الثامن عشر .. عندما قاد النبلاء الانجليز حملة سلمية للوصول الى حكم ديمقراطى يسود فيه الشعب ولا يساد ..
ونجح النبلاء دون سلاح فى اجبار الجالس على العرش البريطانى وقتها على توقيع العهد الأعظم " الماجنا ـ كارتا " وهى الوثيقة الديمقراطية الأولى فى العصر الحديث وبموجبها تقررت الديمقراطية البريطانية القاضية بقاعدة " أن الملك يملك ولا يحكم " وهى السياسة التى تحكم بها الجزر البريطانية حتى وقتنا هذا ..
وكمثال .. فلنتخذ التجربة المصرية فى تلك الأيام دليلا للوصول .. كالتالى ..

التجربة المصرية
بعد خمسة وعشرين عاما من حكم الرئيس المصري حسنى مبارك أعلن عن تعديل دستورى محدود يشمل المادة 76 .. والتى كانت لا تسمح بالتعددية فى الانتخابات الرياسية .. ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة مدى جدوى التعديل المفرغ من مضمونه بشروط تعجيزية تجعل المنافسة شبه مستحيلة لأى مرشح أمام مرشح الحزب الحاكم ..
ولا حتى بصدد معرفة الهدف من النزوع للتعديل فى ذلك الوقت تحديدا وهل هو بضغوط خارجية أم من قبيل الاصلاح الذاتى ..
لكن ما يهمنا حقا .. هو التغير الدافق الكاسح الذى سري فى شرايين المشاركة الشعبية المصرية فى النقاش السياسي بعد أكثر من نصف قرن من الحكم الثورى منذ قيام حركة يوليو 1953م ..
ففى فترة حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر والذى أسس للحكم القابض بيد من حديد على مقاليد البلاد .. لم يكن هناك مشاركة فعلية للشعب فى الحكم أو التعبير الحر عن الرأى وتلك حقيقة واقعة لا تقبل الجدل ..
وعلى نفس النهج تقريبا سلك الرئيس السابق أنور السادات نهج سلفه مع بعض الاختلافات الطفيفة المتمثلة فى ظهور النقد الظاهر لشخص رئيس الجمهورية وهو ما لم يكن متحققا بأى حال فى فترة عبد الناصر حيث كانت شخصية رئيس الجمهورية ذاتا لا تمس ..
ورحل السادات فى ظرف شديد الصعوبة ليتولى الرئيس الحالى منصبه فى اثر عملية اغتيال كان لها أبلغ الأثر على الحياة المصرية بشتى جوانبها ..
وتمكن الرئيس مبارك من اعادة الهيبة السلطوية لشخص رئيس الجمهورية لكن مع اختلاف جذرى تمثل فى ارتفاع سقف النقد ومناخه عن مناخ النقد السابق عليه فى فترتى عبد الناصر والسادات .. وعلى مدى السنوات السابقة رأينا الصحافة والمعارضة تهلك المسئولين نقدا واتهاما حتى درجة رئيس الوزراء وعلى أعلى سقف ممكن للنقد وذلك كله فيما عدا تعدى الحدود الى شخص الرئيس مبارك ..
وذلك مع عدم اغفال القبضة الحديدية المستخدمة بمنتهى القوة ضد الجماعات الاسلامية والتى تمكن النظام المصري من تقويضها وانهاء جذوتها تماما .. وكذلك الاخوان المسلمين صاحبة الشعبية الساحقة بين أفراد الشعب المصري .. وهى الجماعة التى ورث عداءها مبارك من سلفه السادات وذلك بعد فترة هدنه قصيرة للغاية بين الجماعة وبين النظام الثورى ممثلا فى السادات .. وانتهت الهدنه بطبيعة الحال مع حادث الاغتيال الدرامى للرئيس الراحل أنور السادات .
ولم يحاول مبارك بأى حال من الأحوال الخلاص من عداءات سلفه .. وبالذات مع جماعة الاخوان المسلمين مكتفيا بالسماح لها نسبيا بالحركة فى ظل قهر وكتم بالغ لنشاطها على الرغم من أنها تختلف اختلافا جذريا كجماعة اصلاح سياسي عن الجماعات الاسلامية ..
وذلك على ما يبدو بسبب الشعبية الجارفة لها فى أرضية الشارع السياسي وهى الشعبية التى يفتقدها النظام نفسه .. بالاضافة الى صعوبة السيطرة على الطموح السياسي الرهيب للجماعة مما جعلها حليفا غير مأمون بالنسبة للنظام اذا حاول مد يد التحالف بينه وبينها ..
واستمر الحال على هذا المنوال حتى عامين مضيا فقط ..
فجأة .. اكتسحت رياح التغيير خريطة الشرق الأوسط .. وكانت مصر من أوائل محطات تلك الرياح .. مع اقتراب الانتخابات الرياسية والبرلمانية .. ومع تكاثر دعاوى الاصلاح من الخارج بالضغوط الأمريكية بعد أحداث سبتمبر 2001 م ..
وهنا نعود لنظرية الحاكم والمستشار مرة أخرى ..
فالولايات المتحدة الأمريكية وهى كبري دول المؤسسات فى العالم .. استجابت لتقارير مستشاريها التى توصلت الى أن الارهاب النابع من الشرق الأوسط مصدره حياة القهر وحكم الفرد التى تسيطر على حكومات الدول الشرق أوسطية عامة والعربية خاصة .. وأعطت الحل من وجهة نظرها لانهاء جيوب الارهاب بضرورة الاصلاح السياسي السريع فى تلك الدول حتى يجد الشباب المقهور متنفسا من الحرية يكفل له حرية الحركة فى مناخ ديمقراطى يوفر له السبيل القويم للعمل الشريف وتحقيق الطموح مما يسحبه من بؤرة الارهاب التى تأخذ آمال الشباب اليائس ..
واقتنعت الادارة الأمريكية بنظرية مستشاريها .. لها وجهة نظر تحترم على كل الأحوال .. وبدأت الضغوط الأمريكية بين شد وجذب ..لا سيما مع النظام المصري الذى يعد واحدا من أكثر النظم التى تعتمد عليها السياسات الأمريكية بالمنطقة .. وبات من الواضح أن مكانة النظام المصري لدى الولايات المتحدة لن تمثل له حماية كافية فى مواجهة الضغوط بعد أن بلغ الارهاب قلب أمريكا ..
وعليه اضطر النظام لمسايرة الزوابع .. لا سيما بعد ظهور نجم جمال مبارك نجل الرئيس ذى الطموح فى بلوغ مقعد العزيز ..
وبدأت أسقف النقد فى العلو تدريجيا .. وشهدت مصر عاملين مؤثرين للغاية فى تلك الصحوة السياسية .. وهم العاملان الأساسيان خلف جرأة الأحزاب وصحافتها والاخوان المسامين لرفع سقف النقد .. هذان العاملان هما ..
× الحركة المصرية من أجل التغيير " كفاية "
× جريدة " الدستور " المستقلة ..
فحركة كفاية قامت على يد مجموعة من المثقفين والسياسيين المتميزين واكتسحت جميع التيارات السياسية بشعبية ساحقة فى فترة قياسية معتمدة على أن لسان حالها هو لسان حال الشعب المصري كله .. ونجحت الحركة فيما فشلت فيه الأحزاب الهامشية والمسيسة من النظام .. حيث عبرت عن نبض الشارع بقوة .. واندفعت مظاهراتها رافعة شعارها المقتضب " كفاية " وهو شعار موفق للغاية من حيث سرعة الوصول للهدف حيث أجملت مطالب الاصلاح بكلمة واحدة يفهمها رجل الشارع العادى ويهتز لها النظام بحق

أما جريدة الدستور .. فتلك أسطورة من أساطير النضال بلا شك .. فالقائم عليها واحدا من أنبغ الصحفيين المصريين على الاطلاق .. وهو " ابراهيم عيسي " وهو كاتب ذو خلفية ثقافية اسلامية .. ومثقف مؤهل للغاية ويمتلك أدواته فى الكتابة على نحو واضح .. وجرأة بلا حدود .. والأهم أنه يعد من طليعة السياسيين المستقلين بحق ..
وهم تلك الزمرة المثقفة التى شقت طريق الاصلاح دونما انتماء لتيار سياسي معين تدافع عنه وتنحصر جهودها فى الترويج لأفكاره كالناصرية والساداتية أ حتى الاخوان المسلمين .. أى أنه كاتب بلا غرض .. يسعى لهدفه دونما نقطة ضعف واحدة وقع غيره فيها ...
ويصحبه فريق عمل من شباب الصحفيين والكتاب كل واحد منهم بألف .. شباب واعد طموح ومبدع .. صغار السن بلغوا درجة من الوعى والحس السياسي يفتقد اليها أركان النظام ومثقفيه الذين توقفت حدود معرفتهم عند حد الولاء للنظام والدفاع عنه
ويعود نجاح الدستور الى عده عوامل أهمها على الاطلاق مدى براعة القائمين عليها والشجاعة فى طرح الأفكار .. فالصحيفة عبارة عن كتاب ملئ بذخائر المقالات وفى مجال واحد لا غير .. السياسة ومع ذلك فشعبيتها وتوزيعها تفتقر اليه أى صحيفة عربية مماثلة ..
وتعد الدستور هى فاتحة جهنم على النظام بحق .. فقد كانت أول جريدة تخرج الى الجماهير بكل ما هو غير متصور من أوجه النقد ضد النظام الحاكم .. وكل رموز النظام بلا استثناء .. لا سيما شخص رئيس الجمهورية .. والأهم أن نقدها نقدا ذى فكر .. وغير قابل للرد على الاطلاق
وفى اثر الدستور تبعتها الصحف الحزبية والمستقلة محاولة ايجاد أرضية لها على الشارع الصحفي الذى احتلته الدستور الأسبوعية بنبوغها الفائق ..
ولجأ النظام الى مستشاريه لمواجهة العواصف ..
وفشل المستشارون فشلا ذريعا فى مواجهة الداخل والخارج ..
ففى الخارج عجز النظام عن مواجهة سيل النقد العاصف الموجه اليه من الحكومة الأمريكية مع فضائحه المدوية مثل حادث الاعتداء على الصحفيين يوم الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور فيما أطلقت عليه الصحافة المستقلة الأربعاء الأسود ..
كما يبدو أنه عجز عن اقناع الحكومة الأمريكية بصدق النوايا فى الاصلاح أو كسب التأييد لتصعيد جمال مبارك للرياسة ..
وفى الداخل عجز النظام تماما عن مواجهة السيول الجارفة اعلاميا وفشل فى مداراة التبعية للغرب الأمريكى .. وكل هذا بسبب جمود المستشارين المحنطين فى عصور سابقة ..
وهنا لابد أن نلقي نظرة على المشهد القائم من أعلى ونرى ..
كيف يمكن التوفيق بين الاتجاهين المتضاربين بين الاصلاح الغير قابل للتدريج الذى تدعو اليه قوى المعارضة وبين النظام الذى يفتقد الرؤية الصحيحة لادراك الحادث على أرضية الواقع ..
وعلى الرغم من التأييد الكامل والعدالة لكل مطالب الاصلاح .. الا أن أسلوب المطالبة به يفتقد الى الواقعية نوعا ما ..
فمع نظام بوليسي كالنظام المصري .. ومع رئيس يحكم قبضته على البلاد لا يمكن اللجوء الى تضييق حلقة القبول بما يمكن أن نناله من النظام .. بمعنى أن المطالب الاصلاحية وعلى الرغم من عدالتها الا أنها تمثل للنظام أمرا يستحيل القبول به .. فمطالبوا الاصلاح لا يرتضون بديلا عن تغيير النظام بأكمله .. ومن الخيال أن نعتقد أن تلك الجهود من الممكن أن تقود الى نتيجة مع السلبية الرهيبة التى تتميز بها الجماهير وتحتاج يقظتها الى ما هو أقوى من نداء الاصلاح لتمثل ضغطا سلميا يطيح بالحكم
فمهما قال المنادون بالاصلاح لن يكتسبوا الجماهير على النحو الذى يكسب المطالبين بالاصلاح القوة اللازمة لمواجهة أدوات النظام ..
فأزمة سلبية الجماهير لها تاريخ طويل .. وقد تشربت فى أعماقهم فرأوا الحاكم كمبعوث الهى غير قابل للنقد .. واذا تأملنا كم تبلغ نسبة المتعاطفين والمستعدين للتضحية فى سبيل الاصلاح الكامل والاطاحة بالحكم القائم .. سنجد النسبة فاضحة دون شك ..
والحل لا يمكن أن يتم بهذا الأسلوب .. لكن من الممكن أن يتم على نحو تدريجى عبر النظام نفسه ..
أعلم تماما أن اليأس استبد بالمصلحين من النظام .. لكن هذه الأيام تختلف عن سابقتها .. فلا يمكن القول بأن تغييرا ما قد حدث .. فخلال فترة بالغة القصر تمكن سقف النقد من الارتفاع بمعدل لم يبلغه من قبل .. وشيئا فشيئا بدأت الهيبة المطلقة المسبغى على رؤوس الحكم تقع ..
ومع شيئ من التأنى والاعتدال .. من الممكن أن ينال الشعب حريته كاملة فى ظل النظام نفسه .. ودون أن يدرك هذا الأخير ..
وهو تصور سأطرحه كما يلى ..
البحث عن حل
النظام يسعى للتوريث .. والاصلاحيون ينادون باستحالة هذا ..
كما أن الاصلاحيون وفى مقدمتهم رجال الدستور وشبابها .. أبطلوا كل السيناريوهات الممكنة وغير الممكنة لاتمام التوريث عبر توقعاتهم التى لم تترك ثقب ابرة ينفذ منها جمال مبارك للحكم عبر تصور ديمقراطى ..
ولكن ..
أليس من حقنا أن نتساءل عن الهدف الرئيسي للاصلاح ..
هل يرغب الاصلاحيون فى دولة ديمقراطية ذات مؤسسات مسئولة .. أم يرغبون فى الاطاحة بأحلام النظام فى التوريث .
يقول قائل أن الهدفان متفقان .. لكنهما غير متفقان فى الواقع ..
فنحن نرغب فى دولة ديمقراطية بجمال أو غيره .. فما المانع أن يأتى هذا الأخير .. وينال الشعب هدفه الأساسي ..
ومن الممكن أن يتحقق هذا بشيئ من التدبير البسيط ..
فأولا يجب أن يدرك الاصلاحيون أن جمال مبارك لو أتى للحكم لن يكون نسخة لوالده ولن يستطيع بأى حال من الأحوال أن يمسك بقبضة الحكم الحديدية كيفما فعل والده لعدة أسباب ..
أولها رجال الرئيس الأب .. مهما أبدوا من التعاطف لجمال مبارك فلن يكونوا سندا له لا سيما اذا غاب الرئيس .. فما بالنا والصراع على أشده بين جمال والحرس القديم
ثانى الأسباب أن الحرس الجديد لا يدرك أبعاد اللعبة القديمة فى الامساك بزمام الحكم ولن يتمكن المستشارون المحيطون بجمال مبارك من افادته ومساعدته للقبض على الحكم بذات الطريقة مع ملاحظة أن جمال مبارك .. مدنى ..
الهيبة الأسطورية لنظام الحكم عبر أربعة رؤساء من محمد نجيب الى مبارك .. ستسقط عن جمال مبارك ولن يتمكن من اعادتها .. ولا يمكننا انكار ما لهذه الهيبة من دور بالغ القوة فى تحييد الجماهير
اذا جمال مبارك لن يكون ـ حتى لو أراد ـ حاكما ديكتاتوريا سلطويا
لكن هذا لن يتأتى الا اذا اكتسب الاصلاحيون جمال مبارك الى جوارهم .. وأبعدوه عن حماقة مستشاريه .. وبمجرد احساسه أنه من الممكن أن يأتى حاكما برغبة الشعب لن يقاوم هذا الاحساس وسيتخذ من المستشارين من يرسم له هذا الطريق
فقط لو تمكن الاصلاحيون من استمالته اليهم .. والاستماع الى آرائهم وكتاباتهم التى لا يراها بطبيعة الحال لمعرفته بفحواها مسبقا ..
فتخيلوا معى .. لو أن جمال مبارك وجد الى جواره من ينصحه بمد العلاقات مع التيارات الشعبية المختلفة واكتساب أصواتها واظهار نفسه بمظهر الاصلاحى المجدد خاصة مع عدائه البادى للحرس القديم
فالاخوان المسلمون مثلا .. همهم ممارسة الحياة السياسية بحرية فماذا لو عقد معهم صفقة تسمح لهم بهذا ويعطى لهم عدة مناصب أو مقاعد وزارية نظير تأييده فى انتخابات الرياسة
وباقي التيارات المعارضة ..من السهل كسبها .. لو أنه أطاح بشلة المنتفعين حوله وهم قلة لا تملك القوة فى حقيقة الأمر ولن تغنى عنه شيئا فى الواقع الا أنهم يجيدون أداء دور الأقوياء فقط .. ورأس المال جبان بطبعه ..
أما اكتساب الشعبية .. فسيعطى لجمال مبارك قوة وثقة تمكنه من الاطاحة برموز الفساد والافساد فى الدولة .. مع قطع العلاقات المشبوهة معهم بالطبع
وقد بدأ النظام فعلا فى الاطاحة بهؤلاء الكبار .. على سبيل المثال احالة عدد من أباطرة الاقتصاد والنفوذ الى المحاكمة مثل ممدوح اسماعيل وابراهيم نافع مؤخرا
فبعض من تلك العمليات .. تنسب الى جمال مبارك كفيلة برسم الشخصية السياسية له وهى الشخصية التى يفتقد الى أبسط مقوماتها
نخلص من هذا أن المشكلة الرئيسية التى تتمثل فى النظام وفى وريث النظام هى نسيان الجماهير ..والالتفات لأهل الثقة وهى مشكلة فى طريقها للحل على نحو ما .. فالصغط الجماهيري أصبح عاملا مؤثرا على نحو ما .. قد يكون على غير المطلوب تماما الا أنه أفضل ألف مرة من السابق .. ولو تمكن الاصلاحيون من فرض الاهتمام بالرأى العام على جمال مبارك .. وهو أحوج ما يكون الى ذلك ..
وعندما تأتى الرياسة اليه سيكون التصور القديم حول الحاكم الفرعون قد ولى الى غير رجعة .. والجماهير ستواتيها الجرأة فى تلك اللحظة لأن الخوف التقليدى سقط بسقوط الحكم العسكرى الذى استمر من قيام الثورة الى اليوم
هذه بعض الخواطر .. أو الأحلام .. مؤداها أن دفع اليأس الى النظام ليس فى مصلحة مطالب الاصلاح .. لأن عصا المعز هى أسلوب اليائس دون شك
كما قلت هى خواطر أو أحلام يقظة .. تنتظر الآتى ..وتأمل فى غد أفضل

ايهاب ابوالعون 24-05-2006 08:21 PM

اخي الكريم محمد , اسمح لي بأن أسرد بعض الملاحظات على مقالكم الذي اتفق معكم فيه في بعض النقاط و أخالفكم تماما في بعض النقاط أيضا , واسمح لي بالقول أن هناك أمر قد تخالف مع الشريعة الاسلامية و وعد الله ورسوله قد ورد في مقالكم , سأعود مع التفاصيل بعد فترة وجيزة .

احترامي و تقديري .

محمد جاد الزغبي 24-05-2006 09:17 PM

أهلا بك يا أخى وبما تتفق فيه أو تختلف ..
ومرحبا بالنقاط التى أنتظرها بشغف المتعلم لما عند غيره من العلم
بارك الله فيك


الساعة الآن 02:01 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط