انعتاق النص ، مقاربة البنية العليا للنص الشعري " ج2 " د . يوسف إسماعيل
●الـبـوح
من جماليات البوح أنه خطاب خفي يحس ويقرأ تأويليا، ويناقض المباشر إذ يرفضه ؛ لأنه لا يتماثل معه توصيليا . ولذلك هو خطاب شعري بامتياز ، وإن استغله النثر وامتطى آلياته التعبيرية .
وفي البوح نقرأ العلامات التي قرأناها بنيويا لنراها دلالات حية بلغتها المنزاحة عن سقوطنا اليومي في اللغة الاستعارية الميتة أو غير الاستعارية ، وفي اللغة المترهلة من فداحة الاجترا ر وثقل الواطئ للحظوي على كاهلها .
وفي البوح أخيرا نراهن على جمالية الاكتشاف ومتعة التلقي ، وعلى انتاج النص الموازي ، حيث يتألق النص الأول والنص الجديد . ولكن ليس من خلال انفصالهما نصين مستقلين ، وإنما من خلال تشكيلهما للنص الثالث المتلقى . إذ لايستطيع أن يدعي النص الأول انتهاء البوح إلا عند مؤلفه ، كما لايستطيع النص الثاني أن يدعي أنه قرأ ، تفاعليا ، بوح الأول بتألق . فبهما معا يتقدم النص الثالث للقارئ الثالث ثم الرابع وهكذا إلى ما لانهائية القراءة التفاعلية .
1 ـ بداية الهتك :
لابد ،بدءا ، أن نعيد التأكيد على أ ن النصوص ، متفرقة ، تشكل نصا كليّ الدلالة ، ســـــــميناه " الوحدة الكبرى " ، وأن ما جمع العناوين المتفرقة في رابط بنيوي واحد هو ذاك التشكيل الكلي . و كان لابد أن نقرأه داخليا على مستوى البنية الإشارية للضمائر ، فكان التشكيل السابق . ولذلك استخدمنا مصطلحات الخطاب النقدي للسرديات ( الراوي . صوت الراوي . المروي عنه . الحكي ) . إلا أن ذلك لم يكن سوى وسيلة لربط مفاصل النص واكتشاف العلاقة الخفية ين المتناقضات لقول البوح المخفي وراء موهمـــــات تبرز بداية في عناوين النصــوص ( الورق ـ الطريق ـ الحائط ـ الدم ..) وفي تفاصيل البوح كما نراها .
وبداية البوح كانت في بداية الهتك حيث النص الأول " الورق " يمارس سطوة الكتابة المخاتلة ، ولكن ليس من خلال ما ألفناه من استعارات غامضة او معنى مورّى أو تركيب بعيد أو تناص متخف في عباءة نص آخر ، وإنما من خلال وجود ه الكلــــــــــي في المفرد والمجموع وآ لياته الخاصة في التشكيل والبوح . وفي إطار ذلك نلتقط من النص ثلاث إشارات : الأولى " الورق " والثانية اللازمة " ظلوا يقولون " والثالثة " بوح الأنا "البديل الإنساني وتمثلاته عبر المسمى " الورق " . وما بين العناصر الثلاثة تتضح طبيعة الهتك وقسوته وفداحة إيلامه .
في القول " ظلوا يقولون " وفي" الورق " عنصرضعف واحد . في اللازمة غياب القا ئلين وقولهم يأتي اجترارا ، ويرتبط بالادعاء والقاء القول على عواهنه ؛ لأنه غير مباشر ، وبالتالي ، فهو قابل للزيادة والنقصان ، أي أنه غير مؤكد ، وغير مسند ، وغير كامل أ ومطابق تماما . إذاً ، ضعفه كامن فيه بنيويا . وفي " الورق " نلمس موازيه بالترادف ، فعلى الورق قد تكتب الأقوال لتنقل كتابيا بالنيابة ،كما تنقل شفويا عبر الرواية " ظلوا يقولون " والكتابة تحمل التصحيف والتشويه ووجهة النظر ، وبالتالي فإن الورق يؤسس ، أيضا ، لمفردات الشك أو الضعف ، ويبني هتكا وتجنيا وقبحا .
من إيلام كل ذلك الهتك تصرخ الـ " أنا " المتهمة والمبتغاة من الهتك ، إن كان شفويا أو كتابيا ، ولذلك تصرخ ، إحساسا عاليا بالألم ، من فداحة اجترار القول الهاتك : ( 2 : الحائط 12 )
حتى بالأيدي ذاتها
وأمام نظرات ما انكسفت
أ و حتى غصـّـت قليلا من تشفيها
صرت ُ الفظ سطوري الأخيرة
كما صفحة ٌ تطوى على حتفها
كأنما كنت قرطاسا من ملح ٍ
وذاب
ولكن ما هو القول الهاتك ؟ هنا يتلاشى البوح والحد الفاصل في اللغة بين قراء تين متناقضتين : هشاشة الورق ، الموازي للقول وضعفه ،وجمالية الموازي له إنسانيا ، المسقط على أحاسيسنا عتابا حنونا ولغة موازية ، تفضحنا وتمارس الهتك فينا إن لم نلامس روحها الوارفة
ظلوا يقولون :
ضاقت أنفاسُــه بالشجر
ملَّ ثيابه الخشناتِ ، والبني الدائم فيها
فعاف ناسغ أيامه في عروق الخشب
واحتملت أوصاله الغصة
هذا الحد الطامع في المنشار
حتى يجرب شهوة الناصع ، مصقولا تحت
عيون البشر
فبداية الهتك وضعتنا ، من النص الأول ، على حافة الانحياز ، متلقين ، للأنا الكبرى الجامعة لنا " نحن " التي سنلتقيها داخل النص المفرد وفي نهاية البوح في " النحن " وليس ذلك اعتباطا ونزقا وإنما بناء وبوحا ، فالقول :
" رقَّ
ورقَّ
ورقَّ " على الرغم من أن مبتغاه الهتك في المروي عنه إلا أنه من جماليات الـ " نحن " المجموع لأن الرقة ليست موتا ، كما ظلوا يقولون " وإنما جوهر إنساني نقرأه في لغة الكتابة الشفافة على الورق البارع النضر الذي رق حتى يجرب " شهوة الناصع "
2 ـ الخروج على الهتك :
بعد النص الأول " الورق " ، حيث بداية الهتك ، لانلتقي بمثيل له، وظيفة بنيوية في تصدير المجموعة ، لأن الوارف المتهم بالرقة ضاقت أنفاسه ، ولكن ليس بالشـــــــجر أو ثيابه الخشنات و البني الدائم فيها . وإنما ضاقت أنفاسه بالجحود والإنكار والإهما ل والتهميش ؛ ولذلك خرج على الهتك معلنا جماليات الأنا الوارفة بدءا من النص الثاني " الطريق " وعبر مسميات تماثله في أهميتها ، وظيفة وسمات جوهرية ، على الرغم من أننا لاننتبه إليها ، كما هي عادتنا لاننتبه للوارف فينا والواسع والنضر والمتألق والواهب والطارح .
ولأننا كذلك كان لابد له من الخروج على الهتك والنسيان ليبدأ القول ، ولكن ليس غيابيا ، كما "هم " وإنما مواجهة وإعلانا وتحديا . ولأن النسيان هو تيه بدأ بقوله في النص الثاني ـ الطريق ـ بلازمة مهمة في بداية بوحه :
انظروا إليه :
كم هو لدن ورشيق ؟
يدور على الدنيا بكاملها
فلا يدوخ ولايستريح
انظروا إليه
كيف يعبر كل الفصول
عاريا
إلا من تلابيب المسافة ؟
انظروا إليه
كم هو مرهف؟
وأهميتها الأولية في التشكيل الكلي للمجموعة هي في وظيفتها البنيوية من حيث الموقع لضرورة لفت الانتباه لما في النسيان من فداحة بحقه ومن إجحاف من قبلهم ، فهي ذات طابع حجاجي ولها قوة حجاجية بارزة تسعى من خلالها إلى التأ ثير على المتلقي ، وإلى دفعه إلى تبني رأي ما ، أ و الاســــتجابة لطلب معين . فلفعل الأمر قوة إنجازية (6: اللغة والحجاج 123 ) . تتمثل في محاولة دفع المخاطب للقيام بفعل معين . كما أن اللازمة تؤسس ، بلفت النظر ، للقول القادم ، للوارف بصوره المتعددة وسماته المتداعية في نصوص المتن . ولكن ليس بالتسلسل التعاقبي و إنما بالإدراك التجاوري الآني بالنسبة إلى العمل ككل ؛ فالصور الواردة في النصوص لا تشكل تعاقبا وتتابعا ؛ بمعنى أن الصورة الكلية لاتنبع من تعاقب الصور الجزئية ؛ لأن النص ( وحدة كبرى ) لاتنفصل عراه إذا غيرنا التعاقب ، أو إذا نسلنا من المجموع صورة من الصور ؛ لأنه ليس سردا وليس نصا يحكي وقائع حدثت ، وإنما هو نص شعري يقدم احتجاجا عبر صور متراكبة ومتجاورة . والصورة الكلية لذاك الحجاج تتأتى من مجموع الصور الجزئية ، أو من تجاورها . وبالتالي فإن كل صورة تغني الصورة السابقة عليها والتالية لها . ولذلك فإن التتابع لن يكون مهما إلا لرصد تصاعد "الأنا " المعبرة عن خطاب الوارف ، سمات افتخارية ومواقف احتجاجية وغضبا ثم هدوء ا فاحتجاجا آخر ، وهكذا ، وصولا إلى " النحن " . والتتابع هنا ليس في آلية تقديم الصور الجزئية وإنما في قوة الدفق الشعري المعبر عن تصاعد الاحتجاج في نفس الوارف ، وذلك مايؤسس لفهم كلية العمل الفني بوصفه وحدة كبرى تبنى من صور جزئية متراكبة ، ولكنها ترصد في الوقت نفسه روح العمل بكليته .
إذا استثنينا النص الأول لأن وظيفته كانت تمهيدية لتعبير الوارف فإننا سنكون أمام عشر نصوص هي ما يمثل الخروج على الهتك ، حيث نرى فيها تصاعد صوت الوارف تدريجيا ، فكلما تراكمت صورة جديدة ازدادت حدة خطاب الـ "أنا " في النص . ونمثل لذلك بالخط البياني التالي :
* النحن
*الخريف
* الحائط
* البحر
* الدم
* البنفسج
الطريق / الشجر / القمر / الرصيف
تقع النصوص الأربعة الأولى " على خط واحد في مستوى التصعيد ، لأن البوح هنا يؤسس لنفسه بصوت الغير ، فـ" الأنا " حاضرة بالصفات وصيغة المروي عنه ، ولكنها غائبة من حيث ضمير المتكلم . وهذا يعزز القوة الحجاجية في النص من زاويتين : الأولى تقديم الصورة الكلية للوارف باعتبارها نقيضا لما ورد في النص الأول " الورق " . والثانية ا لتأسيس لروي " الأنا " المباشر، إضافة وتعزيزا للصفات التي مهدت وردت وجاء ت على لسان الغير . ولذلك نلاحظ فيهاصوتا مترويا إذ يتناول الصفة و شرحها : ( 2 : الحائط 32 )
المتسامق ، يحاول حلما ، أن يصل ربّـه
الحامل على ظهره الأخضر طوال الفاكهة ،
غير آبه لصرعة الحفيف ، ولا لعناد النحل ،
ولا لمجاهيل الفضاء الجهم
ومن نص " البحر " نقتبس المقطع التالي : (2 : الحائط 67 )
شاحباً ،
ووحيد زرقته ، بلا هيبة ، وبغير عرائس ،
يتنازل عن ملحه لسـَبـْخات ٍ مشاكساتٍ ، وعن
خشب المراكب المحطمة ِ ونشيج ِ بحّـارة
غرقوا
وعبر ذلك التركيب وصور المجاورة التي يستدعيها تتكاثف صفات الوارف لتبلغ أوجها في النصوص الأربعة المذكورة ، حيث تلم بمجمل حالاته وصوره المتراكبة ، ونرصدها بين قوسين :
( لدن ـ رشيق ـ عاريا إلا من تلابيب المسافة ـ مرهف ـ نافذ في البصيرة ـ كم هو بلا نهاية ـ صلد وجسور ـ رقيق ـ كيف على مهل يعد الجهات ـ كم لا يتراجع ـ كيف لابد أن يلتقي بسواه ـ كم هو واضح ـ منداسا ومهانا تحت زا فت الحظ ـ يفوح بالمطر ـ كم يتحمل ـ كم مـــرت عليه قوا فل من سفر ـ المتسامق ـ ظل الظل ـ الماسك ـ الكريم ـ المغضن ـ نسّاج قميص الغابات ـ الطارح ـ الوارف ـ الواهب ـ الوحيد يدور تاريخه فيه ـ الوحيد الواقف فينا ـ الوحيد يتنازل عن لحائه دون خرف )
في " البنفسج " و " الدم " تتصاعد حدة الخطاب ، ويقفز صوت " الأنا " إلى الواجهة ، وكأن الوارف مل الحديث عنه بالنيابة ، سلبا أو إ يجابا ، يضاف إلى ذلك أنه في خطابه المباشر يخرج من هيمنة الصفات ، وهي لابد أن تكون سردية على لسان الغير ، إلى هيمنة الفعل الإنجازي مما يستدعي بروز ضمير المتكلم ، ضرورة بنائية لبروز ا لتصـــــــــــعيد في تبلور " الأنا " وضرورة دلالية لرصد حدة الخطاب وانتقاله من رصد الصفات وتراكمها إلى التهديد والافتخار . ولذلك يبدأ التصعيد بحدة ، وينطلق بالتهـــــديد مباشــرة وفي لازمة نص البنفسج ( 2 : الحائط 53 ) يقول :
غداً سأخرج على عنق زجاجاتهم
على ذلِّي في رقابي الذابلة على حواف كؤسهم
على أصابعَ تتهادني دون أن ترفع ذراعها
حتى الشوك يكشر عن مآبره حين لاتجيد ُ
الأصابع اقتلاعه ُ
غدا ً سأخرج عن أماسيهم
تاركا ً مكاني لما صنَّــعوه من الورد
غدا ً سألملم كحلي من عيون الأغاني
غداً سوف يقولون
كان هناك بنفسج
فأنا سأكف ّ عن البهجة
ولن أقطف إلا مزقا ً من سفوح ِ جبالي
وكما يلاحظ فإن التهديد مصحوب بحدة الانفعال إنكارا من الوارف لإنكارهم روحه الوارفة عليهم ، ولذلك يأتي النص أيضا خاليا من علامات الترقيم ، إذ تتوالى الجمل دفقات غاضبة . غير أن غضب الوارف ليس جارفا أو مدمرا لأن صفاته السابقة المذكورة في الخط المستقيم من الخط البياني لاتؤسس لذلك . ولذلك يأتي غضبه ملفحا بالحزن والحب أيضا ، ولا يبتغي القهر والتدمير وإنما لفت الانتباه وصحوة الرؤية . فهو سيخرج من أماسيهم ويترك مكانه للورد المصنع وبالتالي سيكف عن البهجة . إذاً ، سينبههم إلى أهمية حضوره ، وإلى أن بهجة أماسيهم من بهجته . ولأنهم غافلون عن ذلك يتألم لهم ، كما يتضح في المقطــع الأخير من البنفسج :
فربما سقطت عني تهمة الحزن
من بشر ٍ ، هم الحزانى لا أنا
مساكين
لايعرفون رائحة اللّـون
ولأنهم مســــاكين لا يعرفون رائحة اللون هو غاضب ، يخرج من التهديد إلى تعريف ذاته فــــي " الد م" فيتكاثف حضور " أنا " المتكلم ويتحول الضمير إلى لازمة في النص للتبئير للذات وسماتها وأفعالها و إكسابها مركزية مهيمنة . وهي محاولة من الوارف لنقل المهمش إلى المركز ونقل المتمركز إلى الهامش ، احتجاجا على نسيانه وتوضيحا لأهميته وإدراكا لقدرته . يقول في بداية قصيدة " الد م " : ( 2 : الحائط 59 )
أنا ،
وقاحة ُ الجلـَّنار ،
أنا ،
راودني النعمان ُ عن بهجة ِ الحنـَّاء ِ، فلونت ُ
شقائقه ُ ،
أنا ،
ثلج ُ المسامير في جسد المسيح ِ ،
أنا ،
غارت ْ وقلـَّدتني ، منحنيات ٍ ومجدا ً ، الجبال ُ ،
وقامات ُ أحبابي
أنا ،
خطويَ النـّار ُ ، وقهقراي َ جمر ،
أنا ،
الأقمار في دورة الأنثى ،
أنا ،
المدبوغ بلون ليس لي ، لا أنافس ُ نهرا على مجراه ُ ،
ولا حليبا على نهد ٍ ،
أنا ،
...
وما يلاحظ في هذا التبئير للذات ، من خلال التصعيد ، عودة علامات الترقيم إلى الحضورفي النص ، لأن الافتخار بالذات هنا تطلب أمرين : حضور " الأنا " و حضورسماتها المتعددة بتعدد مواقع تكراراللازمة . وهذا يفرض ، داخل إطار حدة الخطاب ، ترويا لملامسة السمات المناسبة للسرد وتبويبها في اللوازم البانية للنص . يضاف إلى ذلك أن مسار التصعيد لايكون عموديا إلى ما لانهاية ، و إلا سيفقد قوته الحجاجية ( المنبثقة من استراتيجية الخطاب الهادف إلى الأسر والاستمالة إستنادا إلى أنماط الاستدلالات ... ، وذلك بغاية إحداث تأثير في المخاطب بالوسائل اللسانية والمقومات السياقية التي تجتمع للمتكلم أثناء القول ، من أجل توجيه خطابه والوصول إلى بعض الأهداف الحجاجية ) . ( 3 : عندما نتواصل نغير 67 ) وهذا ما يتجلى في نهاية النص التي تؤسس لخطاب حجاجي قائم على رد التهم مفصلة بدل التهديد والافتخار :
أنا ،
حين تكون الأرض ُ ، كل ُّ الأرض ِ ، نَـطعا ً ،
لست ُ الباردَ ، لست ُ فحيح النحاس يلمُّ باقاتٍ
من رؤوسٍ وبلح ، ولست ُ الفاصلَ بين عجوز ٍ
يتكئ ُ على حفيدته ، وخاتم من ترابْ ،
ولا بين طفل ٍ وثوب أمّـهِ،
وتحقيقا لذلك نلاحظ خفوت صوت " الأنا " في النص التالي " البحر " و يعود الحديث عن الوارف بالغياب ، أي إلى الصيغة المهيمنة في المستقيم الأول من الخط البياني الممثل بالنصوص " الطريق ـ الشجر ـ القمر ـ الرصيف " حيث ترد السمة وشـرحها كما بينا سابقا .
ثم في النص التالي يتصاعد الخط البياني مرة أخرى مع نص " الحائط " إلا أنه يبقى في إطار تفنيد التهم ورد الأقوال ، ويبتعد عن الافتخار وتقدير الذات ، وتظهر القوة الحجاجية بالكشف عن أفعال الوارف وأفعالهم . ولذلك تهيمن على بداية المقاطع في النص الجملة الفعلية باعتبارها لازمة تهيئ للكشف ورد القول ، حيث لامكان لـ" الأنا " المتمركزة إلا من خلال استنتاج القيمة الإجمالية للقول ، وليس من خلال الخطاب الإخباري المباشر : ( 2 : الحائط75 )
سموني ونسوا
أني أنا الحائط
كي أحيط بهم
لو كنت بقلب من حجر ٍ
فلمذا ،
عندما يرممون بالصبر أحلامهم المهمشة
كنت أمزق فسيفسائي
حزنا عليهم ،
تاركا للسنونو ،
أن يرتق بزغب أفراخه
شقوقي
ثم تتوالى اللازمة الفعلية في أول المقاطع حضاً على المقارنـــــــــة باعتبارها قوة إنجازية : " ينبطحون يميلون / وأنا أمنح الشاقول .. . يغيرون قسماتها / وأنا كلما ... يحاولون / وأنا ... ينبتون / وأنا ... دقوا / قلت ...أسندوا / قلت ...كفنوني / قلت ... جردوني / قلت ... أسدلوا / قلت ... شوهوا / قلت ... لونوني / قلت ..."
بكل ذلك الزخم في الخطاب ، وبعد التفنيد والتوضيح والغضب والافتخار تبرز " الأنا " الافتخارية لتؤكد مرة أخرى على قيمة الذات وتقديرها وتمركزها عبر الامتداد الجمعي للضمير الفردي ، حيث ينتهي الخط البياني بصيغة ضمير المتكلم الدال على الجمع " نحن " ، بل إن النص ذاته يأخذ عنوانه من ذلك التبئير فيسمى " النحــن " ولأن الفرد تماهى بالمجموع ، فهو قادر على الفعل ، وبوسعه ماليس بوسع بشر سواه ، وهي اللازمة التي ستتأكد في جميع مقاطع النص : ( 2 : الحائط 111 )
بوسعنا ، نحن الهاتكين رأس الحية ،
الكاشفين فداحة الواوي ، الهامدين في الغربة ،
الوارثين كابرا عن كابر تيجان النخوة ،
الفاتحين الجها ت ، الواضعين سر الكينونة في
الحبر ، والأسماء التي لا تعدّ في الصبر
والوحش والطير ، بوسعنا أن نعلـّـق صفوفنا
خيوطا من دمٍ على قميص الوحيد