مساء الخير
و تحية الى القائمين على مجلة أقلام و منتدياتها المتميزة
منذ فترة أنجزت مجموعة قصصية أعتزم نشرها قريبا ، و حرصا مني على الاطلاع على أكبر عدد
من التعليقات و الانتقادات أرجو أن لا أثقل عليكم بوضع قصتين قصيرتين مما تضمنته المجموعة
- و عدد قصصها تسعة - أملا منكم المشاركة بما فيه النفع و الفائدة .
تمويه تندرج تحته القصص :
أنا لا أعتقد أن الخريف فصل من فصول السنة فحسب !
بل أعتقد أن الخريف رمز لما نعاني من ألم
و حزن و ظلم و قهر ..
خريف أصفر مجموعة قصص أبطالها يخوضون مواجهة مباشرة مع
الخريف يجمع بين قصصهم زمن واحد هو خريف أصفر طويل ..
تعابير حركية
خطا الأستاذ " عثمان " داخلا باحة المدرسة متجاهلا تحيات الطلاب الوقحة . كان الصف قد انفلت في
فوضى جنونية و أخذ يهوج و يموج متناغما مع كلمات الأغنية التي يرددها الطلاب دون كلل .
تنحنح بخشونة فسكنت الأصوات ثم تقدم ووضع حقيبته على الطاولة و عندما ران الصمت قال :
- انها السنة الخامسة التي تتلقون فيها دروسا في الموسيقا . و لا شك أن كل فرد منكم أصبح يقدر أهميةالموسيقا و دورها في إغناء الحياة .صمت قليلا مراقبا ردود أفعال الطلاب فاطمأن و أكمل :
أما الآن فأطلب من كل منكم أن يتكلم بما لا يتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين عن الموسيقا مبينا دورها وأهميتها .. هه من يخرج أولا ؟!صدرت همهمات غير مفهومة من الطلاب ، بعضهم أطلق ضحكته مفرقعة و البعض الأخر لاذ بالصمت .لكزت زميلة زميلتها و هي تخرج الى السّبورة و عندما وصلت قالت :
المو .. الموسيقا هي غذاء الروح و .. و .. و لون الحياة و بريقها .تمايلت قليلا تعلن انتهاءها فأذن لها الأستاذ بالعودة ثم قام طالب طويل من زاوية الصف و ملئ صوتهالقاعة صدى و هو يتلعثم :
الموسيقا .. مم .. أهم ما في الحياة حتى انها أهم من .. الأكل و الشرب !!!!!!!و انطلقت الحناجر تهتف و تضحك .
عندما خرج الأستاذ " عثمان " من مدرسته وقف في أول الشارع منتظرا حافلة معهد الصم و البكم لتقله
الى هناك . مد رأسه من النافذة متأملا المبنى الذي كان يبدو شاهقا ضخما رخاميا أخرس ، كان كل شيء يبدو هادئا مقدسا و شعر لوهلة ان هذا المكان منعزلا عن عالمه ، يبدو كبقعة جاءت من كوكب بعيد ينبض بالصمت ..
فتح له البواب فحياه بكلام أشبه الى الهمس .
في قاعة الصف ، كان الطلاب مشغولين أحدهم يقرأ كتابا أحضره خصيصا لتمضية أوقات الفراغ و أخر
بدا و كأنه يكتب خواطره على ورق مبعثر .
عندما وقف الطلاب شعر بالذنب لوقوفهم له . و توجه إليهم شارحا ما يريده مستخدما لغة الإشارات .
بعد فترة نهض شاب و وقف ليوضح رأيه بالموسيقا و ليبين دورها و أهميتها كما طلب الأستاذ مستعينا بحركات يديه ووجه .
و انسابت عقارب الساعة .. دقيقة و دقيقتين .. و في النهاية سمع الجميع صوتا .. وش .. وش .. لم يكن
صوت الشاب بل كان صوت الهواء الذي تلطشه اليدين الناطقتين بانفعال .
و خيّل الى" عثمان " أنه الصوت الوحيد الذي سمعه هناك ، في " معهد الصم و البكم " ..
* * *
سقوط الورقة الصفراء
ما زلت مصدوما و أنا أمسك الصحيفة التي زفت اليّ أنباء القبض على " سمير بك " أحد أبرز أصحاب
السلطة و النفوذ و المسؤولين في البلد .
حدث ذلك منذ يومين عندما دخل الى عيادتي – عيادة الطبيب النفسي – بقامته الفارعة و وجهه المكتنز .
و استلقى على الفراش و هو يخلع قبعته الصوفية و يقول بصوت مخنوق :هذه أول مرة أجد فيها السماء صفراء اللون !انه الخريف يا " سمير بك " ، الخريف .حدق في وجهي و قال عابسا :و أنا مثل ورقة الخريف يا صاحبي . و أطلق آهة صريحة و تابع :حياتي كانت كلها عبارة عن سلسلة من الأخطاء و الجرائم التي اقترفتها بيديّ .جلست على طرف الكرسي مصغيا لحديثه المستمر :- كل يوم أصحى لأجد السقف واطئا و الجدران متقاربة تضغط عليّ . أخرج الى الشرفة أجد الشوارع ضيقة و السيارات صغيرة .. أحاول أن أستنشق الهواء .. هه و لكن لا أجد هواء !! ألقيت نظرة على الشارع الذي غطته وريقات الشجر بينما تابع كلامه مغمض العينين :لقد سرقت .التفتت إليه فوجدته يحدق بورقة صفراء ذابلة متعلقة بغصن شجرة ضخمة في مواجهة النافذة .استطرد و هو لا يحول نظره عن تلك الوريقة :و نهبت . لقد فعلت كل ما يخطر على بال مجرم أو لص أن يفعل ، بل هو أفظع و أقسى ما فعلته .لقد دمرت حياتي و حياة الآخرين و حياة كل من حولي .و الآن أشعر أن هذا الخريف و هذه السماء الصفراء تحاصرني و تطبق على صدري و أنفاسي و ..ثم صمت و زفر طويلا و عاد الى ورقته الصفراء التي كانت تتأرجح بفعل هبات النسيم وقال :و الآن أشعر أنني أسقط مثل هذه الأوراق الذابلة في الخارج . لم أجد ما أقوله فقد عقد كلامه لساني .نهض و استدار يرتدي قبعته الصوفية قائلا :شكرا ، لأنك أصغيت الى حديثي ، لم أكن لأجد من يصغي اليّ غيرك و خرج دون أن يضيف شيئا و لم أستطع النطق أنا أيضا .و الآن بعد يومين نشرت الصحف أخبار القبض عليه .نظرت مباشرة الى النافذة . لقد سقطت تلك الورقة . ورقة الخريف الأصفر ......