بداية موضوع أكثر من رائع و جزاك الله كل خير عليه
و يشرفني أن تكون أول مشاركة لي في المنتدي في دورتك الهادفة
و اسمحلي أعرض علي حضرتك الواجب بتاعي :d
" علاقة عبر الحائط "
كان يوما مملا كباقي أيام الدراسة .. عدت إلي المنزل في الرابعة .. تناولت الغداء ... لم أجد شيئا أشاهده في التلفاز فدخلت إلي غرفتي لأغفو قليلا.. لكنني رغم الإجهاد لم أنم .. أخذت أفكر في أي شيء حتى أنام و لكن بلا جدوى .. فأخذت أدندن ببعض الكلمات .. اندمجت في الغناء فبدأت أنغم الكلمات علي الحائط المجاور لسريري بدقات أصابعي .. كانت نغمات بسيطة و لكنها بددت شيئا من الملل الذي كان يملأني.
توقفت يداي لا إراديا عندما شعرت أن الأصوات التي اسمعها لا تتناسب مع دقات أصابعي .. و صدق إحساسي .. فقد صارت هناك أصوات أخرى غير دقات أصابعي .. و لكنها أيضا دقات ... انتفضت من مكاني و ابتعدت عن السرير و وقفت أتسمع هذه الأصوات .. توقفت الدقات بعد قليل .. فتشجعت و اقتربت من الجدار ثانية .. نقرت عليه مرتين .. عادت الدقات من الجانب الآخر ثم توقفت ثانية .. بدأت أنقر نقرات مختلفة و في كل مرة كانت الدقات تعود و كأنها ردود علي دقاتي .. أعجبتني اللعبة .. أمضيت ساعة تقريبا في هذا الحوار البدائي الذي أعادني إلي عصور ما قبل الكلام.
استهوتني اللعبة كثيرا .. أصبحت أقضي ما لا يقل عن ساعة يوميا في هذا الحوار الفريد من نوعه الذي لم يكن له معني أو مجال أو حدود .. كنت أنغم أي كلمة تأتي علي خاطري .. و أتخيل أن الدقات التي تأتيني هي تعليق علي كلماتي .. بعد مضي شهر اكتشفت شيئا خطيرا ... أنا لا أعرف من هو الطرف الآخر في هذه العلاقة الغريبة .. هل هو ولد أم بنت؟؟ .. صغير أم كبير؟؟ .. طويل أم قصير؟؟ .. يدرس أم أنهي دراسته؟؟ كيف لا أعرف من أقضي بجواره الليل و النهار؟؟؟ كيف لا أعرف صديقي الوحيد تقريبا؟؟
فكرت في أي طريقة أتعرف بها علي صديقي الجديد فوجدت أن أفضل بداية هي أن أعرف من يعيش في هذه الشقة .. اتجهت في اليوم التالي إلي البواب و اصطنعت معه حوارا حول وصلة النت التي أنوي الاشتراك فيها و إن كان الجيران في الشقة المجاورة لنا قد يشتركون معي فيها .. فحصلت منه علي معلومة لا تقدر بثمن .. الشقة تسكنها أرملة جاءت منذ ثلاثة شهور و معها ابنتها التي تبلغ الخامسة عشر تقريبا .. لا يزورهم أحد ولا يخرجون من المنزل إلا إلي المدرسة أو لشراء بعض الحاجات من السوق ... لم يعد هناك احتمالات أخري .. لا يعقل أنها الأم ... لابد أنها البنت.
كان كل همي في الفترة التالية هو أن أراها .. كنت أتلكأ و أنا أرتدي الحذاء أمام الباب ... أدعي العمى و أنا أضع المفتاح .. كنت آمل أن تفتح الباب مصادفة في أحد المرات .. لم يحالفني الحظ حتى ذلك اليوم عندما كنت عائدا من الكلية فوقعت عيناي عليها و هي تقف في شرفة غرفتها .. الغرفة التي تقع بجوار غرفتي .. كانت فتاة جميلة متوسطة الطول .. لم ألمح كثيرا من ملامحها فقد كان تركيزي منصبا علي يديها لأري تلك الأصابع التي تحاورني كل يوم .. شعرت برغبة عارمة في الصراخ و لفت انتباهها لتعلم أنني صديقها الذي تقضي معه ساعات .. عبر الحائط .. و لكنني تمالكت نفسي و اتجهت بسرعة إلي السلم فصعدته قفزا و جريت إلي غرفتي و أخذت أتحدث علي الجدار و لكنها لم ترد .. جن جنوني فبدأت أنقر علي الجدار بهستيرية و لكن بلا فائدة.
زاد فضولي عشرات المرات بعد أن رأيتها .. كنت أراها في أحلامي كل يوم .. تعلقت بها بشكل غريب .. أصبحت معظم نقراتي علي الجدار مقتطفات من أجمل الأشعار الرومانسية .. فكرت في أي طريقة لأتعرف عليها أكثر .. أقنعت والدتي أن تزورهم فهم جيراننا و يجب أن نزورهم و نودهم كما أمرنا الإسلام .. وافقني أبي فلم تبدي أمي أي معارضة
مرت تلك الساعة التي قضتها أمي عندهم و كأنها عدة قرون ... عادت أمي فدخلتُ إلي المطبخ و أعددتُ ثلاثة أكواب من الشاي و جئتُ بهم متظاهرا بعدم الاهتمام و أنا أسألها عما فعلته هناك .. فتنهدت ثم قالت (( اسكت يا محمد .. متفكرنيش ... دا اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته .. دي صعبت عليه قوي .. المسكينة جوزها مات من سنة و سابلها بنت في ثانوية و ولد عنده تخلف عقلي ... صِعب عليه و الله ... بسم الله ما شاء الله واد زي الفل في سن إعدادية .. بس عنده حاجة كده اسمها غريب .. وحدة .. وحدانية .. حاجة زى كده .. ده قاعد في الأوضة اللي لازقة في أوضتك))
سقط كوب الشاي من يدي و أنا أتلقي هذه المفاجأة .. انزعجت والدتي علي الكوب المكسور و قامت لتحضر شيئا تنظف به المكان .. بينما جررت أنا أقدامي إلي غرفتي و أنا في حالة ذهول .. يا نهار أبيض ... ايه النحس ده !!!!! دا طلع ولد !!!!! و متخلف عقليا كمان .. قليل البخت يلاقي العضم في الكرشة ... و يلاقي المجانين ورا الحيطان.
مر أسبوعان بعد تلك المفاجأة .. قررت خلالهما أن أنهي هذه العلاقة الغبية ... لم أقترب من الجدار نهائيا .. و كنت أقضي معظم الوقت خارج الغرفة .. و لكنني كنت أسمع الدقات في كل مكان ... كنت أشعر أن هناك من يحادثني بلغتي .. و يحاسبني علي ما فعلته .. أيها الخائن .. لقد بعت صديقك الوحيد ... لا..لا تقل صديقي..أنه مجنون ... أذن أنت أيضا مجنون..لقد تواصلت معه و فهمته و فهمك ... لا..أنا لست مجنونا..لقد كنت أتسلي فقط ... و ما أدراك أنه لم يكن يتسلي أيضا ؟؟؟ ما أدراك أنه لم يكن يشعر بالملل مثلك بعد قرار الإعدام الذي فرضه عليه أمثالك؟؟؟
اقتنعت باتهاماتي .. فقاومت أنانيتي و اقتربت من الحائط و نقرت نقرات هادئة تحمل اعتذارا عن خيانتي ... سمعت صوت ارتطام يبدو أنه كان قفزة ثم جاءني سيل من النقرات .. بحثت عن ترجمتها في قاموسنا الخاص فوجدتها تقول في عتاب (( أنت كنت فين يا عم ؟؟؟ حرام عليك و الله ... دا أنا بقالي أسبوعين بايت جنب الجدار ))