الدعاوى القضائية ضد الأطباء .. بين السبب و الحقيقة
لقد أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت على الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية و غير ها من الدول ( بناء على الدعاوى التي رُفعت من مرضى يشتكون على أطبائهم في القضاء الأمريكي ) أن أكثر الأطباء عرضة للإتهام ليسوا الأكثر أخطاءً و إنما هم الأطباء الذين لا يجيدون التحدث إلى مرضاهم . و تبين من هذه الدراسات أن المرضى لا يرفعون الدعاوى القضائية على الطبيب الذي يتحدث إليهم بصدق و الطبيب الذي يحبونه , حتى إن كانت ممارساته الطبية العلمية خاطئة . و بالمقابل فهم يرفعون الدعاوى على الأطباء الذين لا يتحدثون إليهم جيدا حتى لو كانوا متميزين بارعين في تخصصاتهم . فعلى سبيل المثال , قامت الباحثة ( ويندي ليفنسون ) ببحث مثير , استمعت فيه إلى مئات الأشرطة السمعية التي سُجلت في عيادات الأطباء يتحدثون فيها إلى المرضى , و بعد تحليل هذه الأشرطة و مقارنتها بعدد المرات التي قُدمت فيها شكوى من أحد المرضى على هؤلاء الأطباء , وجدت الباحثة أن الأطباء الذين كانت نسبة الدعاوى ضدهم قليلة نسبيا كانوا أفضل من غيرهم في فن التواصل مع المريض حيث كانوا يقضون وقتا مع المرضى أطول بثلاث دقائق على الأقل من الأطباء الآخرين . المهم في هذه القضية , أنه عند مقارنة القدرات العلمية مثل : عدد الشهادات , و الفروع التخصصية , و نوع التدريب الطبي , و الخبرة العملية , و عوامل مهنية أخرى كثيرة , تبين أنه ليس لأي منها علاقة ً برضى المريض .
بل أن الباحث ( ناليني أمبادي ) قد طور هذه الدراسة إلى درجة أخرى تكاد لا تصدق , حيث حصل على الأشرطة السمعية التي استعملتها الباحثة السابقة في دراستها و قام بإجراء تعديلات فنية عليها بحيث اقتطع عشر ثوان فقط من كل شريط , و حذف الأصوات ذات الذبذبات العالية من هذه الأشرطة بحيث لم يعد يفهم الكلام الذي قاله الطبيب فعليا , و إنما يمكن تمييز طبقات الصوت فقط في ارتفاعه , و انخفاضه , و تفاوت نغماته دون تمييز لمحتوى الكلام , و قام الباحث بدراسة عشر ثوان من كل جلسة طبيب و مريض من حيث دفء صوت الطبيب , تسلطه على المريض , عدوانيته , حنانه , و غير ذلك من الصفات التي يمكن أن تستنتج من الصوت بطرق علمية دون اهتمام بالألفاظ . كانت نتائج الدراسة مذهلة , و لقد كان هناك علاقة وطيدة بين نوعية الصوت الذي استخدمه الطبيب و بين رضى المريض المتمثل في عدد مرات رفع دعاوى قضائية ضد الطبيب .
هذه الدراسات و غيرها الكثير , تدل دلالة قطعية على أن هناك مهارات معينة يتفاوت فيها الأطباء هي التي تؤدي إلى نجاح العملية التطبيبية أو فشلها . بهذه المهارات يتفاوت الأطباء في الواقع و ليس بشهاداتهم العلمية أو خبرتهم العملية فحسب .
منقول