منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - أتصمت العصافير ؟ - 11 -
عرض مشاركة واحدة
قديم 21-04-2008, 10:00 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي أتصمت العصافير ؟ - 11 -

الفصل الثالث .


مات " سحاب" ، مات أقرب كائن إلي ، مات ميتة عنيفة ، عنق ممدود ، أنياب بارزة . مات مكشرا من الألم .
حفرت له قبرا في طرف البستان ، و كتبت على حجر مصفح اتخذته شاهدا : " هنا يرقد سحاب كلب سعد "
لم يعترض جدي ، بل الشيخ مسعود ، على دفن كلب في بستانه ، اكتفى بأن علق متهكما :
- أتراك غدا تحرص على دفني كحرصك على دفن هذا الكلب ، أم أنك سترميني للكلاب ؟
و غطى رأسه تحت الفراش ، بينما وضعت المازية خدها على يدها مستغربة ذلك السلوك مني و منه ، فقد صار غريب الأطوار ، يسب و يلعن لأتفه الأسباب . قد تزعجه ذبابة فيقوم إلى البندقية معلقة في الجدار متوعدا ، وأحيانا يطلق النار في الهواء تنفيسا عن غضبه ، وإذا وضعت أصبعي في أذني أطلق طلقة أخرى ، وقال في هدوء :
- لا ، السلاح هو الذي يحقق للرجل وجوده ، لكي تصير رجلا يجب أن تتسلح .
ثم يقبل البندقية و يقهقه في غلاظة ، وتتداخل قهقهته بالسعال فيبدو كحصان يصهل . و يعطيني البندقية كي أجربها ، فأرفض ، فلا يلح ، يتمتم و يعود إلى عبوسه .
ولاحظت أنه صار يعاملني باحترام منذ صارحني ، و مع ذلك كان كرهي له قد استقر في قلبي مكينا . لم أكن لأطيقه بعد تلك الليلة اللعينة ، فقد كشف لي حقيقة فظيعة ، انفصالي المرعب في هذا الوجود : مضغة من اللحم ملفوفة في قماش امرأة لا يعرف لها أب و لا أم . بقدر ما كان كرهي لتلك الحقيقة كان كرهي له . أما كان له أن يخلي بين الضابط و بيني ؟؟؟
قالت المازية إنها صارت تخشى نزواته ، و إن إسراعه الأهوج إلى البندقية لا ينتهي على خير ، فهو يهب إليها لأتفه الأسباب ، وسامح الله السعيد القهواجي الذي غرر بها يوم قصدته في بيته ليستخدمها فأرشدها إلى هذا الشيخ المتعجرف .
ولم تخف عني نيتها في مغادرة هذا البيت . فرجوتها ألا تفعل ، فإني لا أطيق الحياة معه وجها لوجه ، فشخصه صار شبحا كابسا رغم عجزه و ارتعاشة أطرافه و سعاله .
و اقترحت علي المازية أن أذهب معها كحفيد نجوب القرى و المدن حتى يفرجها الله بقدرته ، فرفضت .
كان شيء ما يشدني إلى البيت الذي نشأت فيه ، رغم علمي الآن أني كنت فيه حفيدا كاذبا إلا أن البستان و الجدول و الزريبة و الشمس الناهضة خلف الجبل و أشياء أخرى لا تحديد لها كانت تذوب في دمي و تشيع في الحنين حد البكاء حين يخطر في بالي أني سأغادر هذا البيت ، كنت مغروسا في كل شبر ، في كل ذرة من تراب وقطرة من ماء .
إذا كان اليوم عطلة مسحت المكان طولا و عرضا في هيام ووجد ، أدخل الزريبة أملأ رئتي برائحة الغنم ، أجول في البستان ، أقف على قبر سحاب ، أقرأ شاهده ، أقتلع ما نبت من عشب فوقه ، أجوس خلال الغابة ، أقصد عين الماء ، أنتظر قليلا المرأة قد تأتي ، لا تأتي ، أقوم هنا و هناك ، تقودني خطاي إلى سفح الجبل ، إلى البيت .
لا يسألني أين كنت . البندقية تنام إلى جواره فوق السرير ، يسعل ، يبصق في إناء أعدته له المازية ، يسألني إذا كنت تناولت غذائي ؟ يؤكد لي أن الجسم بحاجة إلى الغذاء الجيد لأن الرجل بحاجة إلى حسم جيد ، فالمرء يصافح صاحبه يشد على يده يهزه بينما هو في الحقيقة يسبر مدى قوته .
وتقودني رجلاي إلى المقبرة ثانية ، أدخلها من البوابة الخلفية و الشمس مالت إلى الغروب . الصمت و العشب و الحصى ، الإهمال و التبعثر و الظلال القاتمة .
أقصد القبر المفتوح فأجده انغلق و انتفخ ترابا ، أقرأ الشاهد :" لا إله إلا الله ، هنا يرقد حمودة بن سعيد " ثم تاريخ الميلاد و الوفاة ، تسعون سنة ، وبالقرب منه قبر جديد ينفتح في حفرتين مستطيلتين إحداهما تحوي الأخرى . لقد صدق تنبؤ الحارس فقد هلك الشيخ حمودة ، فعلى من تكون النوبة القادمة ؟
ووجدت نفسي منتصبا على قبرها ، جدتي فطوم ! محا المطر ما كنت كتبته على شاهدها ، إلا حروفا ما تكاد تبين من فطوم ، من غير إيضاح ، لم تكوني يوما جدتي ، هكذا ، ف ، طاء متآكلة ، هذا كل ما تبقى ، واحدة من آلاف النساء و العجائز ، واحدة من آلاف النعاج ...
وقفزت فوق السور ، فقد كان حارس المقبرة مقبلا من أقصاها يحث الخطى نحوي






 
رد مع اقتباس