وصلت مكتبي صباحاً و دهشت لرؤية أبي محمد ينتظر , أما مبعث الدهشة فهو أنه لم يكن قد مر سوى ساعات على نهاية سهرة جمعتنا في بيت صديق مشترك . صافحني ودخل أو بالأحرى دخل شبيه له , لأن شيئاً ما كان ينقص فيه ..أو يزيد .. كان يبدو مرهقاً متوتراً ..
أراد الكلام لكن العينين سبقتا اللسان , دمعتان كانتا هناك ترقرقان , حاول جاهداً إبقاءهما مقيدتين , لكن هيهات.. فالدمعة عندما تقرر الانعتاق من أسر المقلة .. تفعل , ولو شيد في طريقها سد من الخرسانة .. تدحرجت دمعتان جميلتان على الخد النضر بسرعة متقاربة , تتقدم إحداهما الأخرى كأنهما في سباق بعد أن تحررتا من عبودية العين و أسر المشاعر . بدأ الحديث بصوت لم أعرفه !! , قال :
عدت و كان العم أبو ابراهيم كعادته في الصالون يحتل مكانه على الأريكة , تجاذبنا أطراف الحديث قليلاً .. بعدها تركته إلى فراشي ..
صمت أبو محمد .. تذكرت حينها حديثه المتكرر عن عمه المقيم منذ شبابه ً في لبنان و المكنى بأبي ابراهيم رغم أنه لم يتزوج قط , كان قد أخبرني كيف وصله اتصال هاتفي يعلمه أن العم الذي يشكو المرض , و الخوف من الموت وحيداً , يطلب المساعدة , لم يتردد دعاه للحضور, و عندما رفعت أم محمد حاجبيها ببعض الدهشة والكثير من الاعتراض مشيرة إليه , أين ينام العم ؟! فالبيت يحتوي غرفتي نوم فقط , واحدة للبنات و واحدة لهما .. وأن بيوت أقرباء أخرين أرحب مكاناً , حينها هون عليها الأمر مستعينا بكلامه تعالى و الحسنات التي ستكتب لهما , مقترحاً أن تكون أريكة الصالون هي سريراً , وافقته على مضض , فبعد كل شيء هي إنسانة مؤمنة, طيبة , لذا أبدت للعم الترحيب المناسب , و أكرمته كما زوجها , و أصبحت مائدة الإفطار التي تقتصر غالباً على الزيتون و الصعتر , تستضيف يومياً أصنافاً ما كانت تحط عليها إلا مرة كلما هل هلال ..
أحاطه بعناية فائقة , جال به على أفضل الأطباء و المخابر .. حتى انه أخذه إلى مطعم فاخر كان قد دخله مدعواً !! منذ سنين . بعد اسابيع كان العم بأحسن حال , يسبق ابن أخيه حينما بقصدان مكاناً ما , سر به أبو محمد , كيف لا ..و هو الآتي من الماضي الجميل حاملاً العبق المعتق , و دغدغت مشاعره فكرة , أن جزءاً من أبيه .. بلحمه و دمه .. يقيم معه ..
تابع أبو محمد قائلاً : أفقت قبيل الفجر عطشاً , عبرت الممر الفاصل بين جناح النوم و الصالون , قاصداً المطبخ , أسير على أطراف الأصابع خوفاً من إيقاظ العجوز , عندما اقتربت سمعت أنيناً مكتوماً . بجزع .. نظرت إلى يميني لتبين الأمر , مستعيناً بضوء مصباح المطبخ الساقط على الأريكة ....
.. صمت أبو محمد لبرهة , و بدأ خيالي بالعمل .. مسكين .. لا بد أن العجوز أصابه خطب ما , يا لصبره .. يتألم بصمت كي لا يزعج أحد .. الآن فهمت سر حزن أبو محمد , فقد تذكرت قوله أنه ينتشي فرحاً لفكرة أن المرحوم هناك في السماء .. يبتسم , مقدراً له إكرام شقيقه . و أن وجود العم, يعيد له ذكريات الطفولة , يوم رضخ العم لرغبة شقيقه , بترك لبنان , قام المرحوم بمساعدته , فافتتح له مشغلاً يرتزق منه .. وكان أبو محمد .. الطفل .. يحضر له الغداء يومياً , يتلقى المنحة .. عشرة قروش كاملة , و يركض إلى أقرب بائع حلوى , إلا أن سعادته لم تدم , لأن العم لم يطب له العيش في مدينة صغيرة , فغادر مثلما أتى .. فجأة .. كحلم ..
كنت قد جالست العم أكثر من مرة , وفعلاً كان رغم سنه مرحاً .. شيق الحديث.. و قد حسدته على ذاكرته المذهلة وحضوره..
تابع أبو محمد واصفاً ما رآه .... ببطء .. كمشهد سينمائي ..
و يا للهول .. يا لفجيعته.. عندما وقعت عيناه عليه , عارياً إلا من قميص داخلي قصير .. عارياً من وقاره .. من كرامته .. من كل قيمة أخلاقية .. كان هناك يتلوى و يفح كثعبان .. يلهو مع ثعبان.. كانا ثعبانين مقرفين !!!..
هناك بسنيه كلها , ينتهك حرمة البيت الذي منعه عن الشارع .. ينتهك قرابة الدم واللحم وحتى العظم .
الجسد الذي كان يراه أثناء العناية به أيام المرض , أبيضاً ناعماً وردي اللون , اضحىمغطى بحراشف كما سمكة حفش نسيها صياد يوماً على صخرة قرب الشاطئ تحت شمس حارقة ..
تقيأ أبو محمد .. تقيأ ما في جوفه و تقيأ العم , و كل ما بقي من ذكريات و حنين ... تقيأ طيبة قلبه ...
رفع يده عالياً مكوراً القبضة و أسقطها بقوة .. قوة الرغبة في تحطيم رأس الثعبان .. كمطرقة هوت نحو الرأس , لكن اليد الممدودة .. في أخر لحظة , تمردت على أمر جملته العصبية.. فسقطت في باطن يده الأخرى .. فهو لم يكن عنيفاً في يوم من الأيام .. لم تتعود يده على اللكم و التحطيم .. بل على التربيت على الظهر ومسح الرؤوس.
بهدوء مجنون !! أمره بالمغادرة ...
أنهى قصته .. نهض بصعوبة , ودعني و مشى , عند الباب .. استدار .. نظر في عيني . قائلاً :
تخيل .. لو أن إحدى الصغيرات هي التي أصابها العطش ؟!!!.
أكرم حسن ( منصورة )
جبلة في 24 / 4 / 2008