التكمـلـة

... ولم يبق في تلك المدينة بنت تتحمل الوطء ، ثم أن الملك أمر الوزير بأن يأتيه ببنت على جري عادته فخرج الوزير وفتّش فلم يجد بنتاً فتوجّه إلى منزله وهو غضبان مقهور خائف على نفسه من الملك ، وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن وجمال وبهاء وقد وأعتدال ، الكبيرة أسمها شهرزاد والصغيرة أسمها دنيازاد . وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين قيل انها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء فقالت لأبيها مالي أراك متغيّراً حاملاً الهم والأحزان وقد قال بعضهم في المعنى شعراً :
قـــل لمن يحمــل همــا ..... أن همـــاً لا يــــدوم
مثل ما يفنـى الســرور ..... هكذا تفـنى الهمــوم
فلما سمع الوزير من أبنته هذا الكلام حكى لها ما جرى له من الأول إلى الآخر مع الملك فقالت له بالله يا أبتِ زوّجني هذا الملك فأما أن أعيش وأما أن أكون فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من بين يديه ، فقال لها بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبداً فقالت له لا بد من ذلك فقال أخشى عليك أن يحصل لك ما حصل للحمار والثور مع صاحب الزرع فقالت له وما الذي جرى لهما يا أبتِ ؟
حكاية الحمار والثور
مع صاحب الزرع
(قال) أعلمي يا أبنتي(14) أنه كان لبعض التجار أموال ومواشي وكان له زوجة وأولاد وكان الله تعالى أعطاه معرفة السن الحيوانات والطير(15) وكان مسكن ذلك التاجر الأرياف ، وكان عنده في داره حمار وثور فأتى يوماً الثور إلى مكان الحمار فوجده مكنوساً مرشوشاً وفي معلفه شعير مغربل وتبن مغربل وهو راقد مستريح وفي بعض الأوقات يركبه صاحبه لحاجة تعرض له ويرجع على حاله فلما كان في بعض الأيام سمع التاجر الثور وهو يقول للحمار هنيئاً لك ذلك أنا تعبان وأنت مستريح تأكل الشعير مغربلاً ويخدمونك. وفي بعض الأوقات يركبك صاحبك ويرجع وأنا دائماً للحرث والطحن فقال له الحمار اذا خرجت إلى الغيط (16) ووضعوا على رقبتك الناف(17) فأرقد ولا تقم ولو ضربوك فأن قمت فأرقد ثانياً فاذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول فلا تأكله كأنك ضعيف وأمتنع عن الأكل والشرب يوماً أو يومين أو ثلاثة فأنك ستستريح من التعب والجهد. وكان التاجر يسمع كلامهما فلما جاء السّواق إلى الثور بعلفه أكل منه شيئاً يسيراً فأصبح السواق يأخذ الثور إلى الحرث فوجده ضعيفاً فقال له التاجر خذ الحمار وحرثه مكانه اليوم كله فلما رجع آخر النهار شكره الثور على تفضلاته حيث أراحه من التعب في ذلك اليوم فلم يرد عليه الحمار جواباً وندم أشد الندامة فلما كان ثاني يوم(18) جاء الزارع وأخذ الحمار وحرثه إلى آخر النهار فلم يرجع الحمار الا مسلوخ الرقبة شديد الضعف فتأمله الثور وشكره ومجّده فقال له الحمار كنت مقيماً مستريحاً فما ضرّني الا فضولي ثم قال أعلم اني لك ناصح وقد سمعت صاحبنا يقول ان لم يقم الثور من موضعه فأعطوه للجزار ليذبحه ويعمل جلده قطعاً ، وأنا خائف عليك ونصحتك والسلام فلما سمع الثور كلام الحمار شكره وقال في غد أسرح معهم ثم ان الثور أكل علفه بتمامه حتى لحس المدود بلسانه كل ذلك وصاحبهما يسمع كلامهما فلما طلع النهار خرج التاجر وزوجته إلى دار القر وجلسا فجاء السّواق وأخذ الثور وخرج فلما رأى الثور صاحبه حرّك ذنبه وظرط وبرطع(19) فضحك التاجر حتى أستلقى على قفاه فقالت له زوجته من أي شيء تضحك فقال لها شيء رأيته وسمعته ولا أقدر أن أبوح به فأموت فقالت له لا بد أن تخبرني بذلك وما سبب ضحكك ولو كنت تموت فقال لها ما أقدر أن أبوح به خوفاً من الموت فقالت له أنت لم تضحك الا علي ثم انها لم تزل تلح في الكلام إلى ان تغلّبت عليه فتحّير وأحضر أولاده وأرسل لإحضار القاضي والشهود وأراد أن يوصي ثم يبوح لها بالسر ويموت لأن كان يحبها محبة عظيمة لأنها بنت عمه وأم أولاده وكان قد عمّر من العمر مائة وعشرين سنة ثم أنه أرسل لإحضار جميع أهلها وأهل حارته وقال لهم حكايته وأنه متى قال لأحد على سّره مات فقال لها جميع الناس ممن حضر بالله عليك أتركي هذا الأمر لئلا يموت زوجك أبو أولادك فقالت لهم لا أرجع عنه حتى يقول لي ولو يموت فسكتوا عنها ثم أن التاجر قام من عندهم وتوجّه إلى دار الدواب ليتوضأ ثم يرجع يقول لهم ويموت وكان عنده ديك تحته خمسون دجاجة وكان عنده كلب فسمع التاجر الكلب وهو ينادي الديك ويسبّه ويقول له أنت فرحان وصاحبنا رايح يموت فقال الديك للكلب وكيف ذلك الأمر فأعاد الكلب عليه القصة فقال له الديك والله صاحبنا قليل العقل أنا لي خمسون زوجة أرضي هذه وأغضب هذه وهو ما له الا زوجة واحدة ولا يعرف صلاح أمره معها فما له يأخذ لها بعضاً من عيدان التوت ثم يدخل إلى حجرتها ويضربها حتى تموت أو تتوب ولا تعود تسأله عن شيء قال فلما سمع التاجر كلام الديك وهو يخاطب الكلب رجع إلى عقله وعزم على ضربها. ثم قال الوزير لأبنته شهرزاد ربما فعل بك الملك مثل ما فعل التاجر بزوجته فقالت له ماذا فعل ؟ قال دخل عليها الحجرة بعد ما قطّع عيدان التوت وخبأها داخل الحجرة وقال لها تعالي داخل الحجرة حتى أقول لك ولا ينظرني أحد ثم أموت فدخلت معه ثم أنه قفل باب الحجرة عليهما ونزل عليها بالضرب إلى أن أغمي عليها فقالت له تبت ثم انها قبّلت يديه ورجليه وتابت وخرجت هي وأياه وفرح الجماعة وقعدوا في أسر الأحوال إلى الممات . فلما سمعت أبنة الوزير مقالة أبيها قالت له لا بد من ذلك فجّهزها وطلع إلى الملك شهريار وكانت قد أوصت أختها الصغيرة وقالت لها اذا توجّهت إلى الملك أرسلت أطلبك فاذا جئت عندي ورأيت الملك قضى حاجته مني فقولي يا أختي حّدثينا حديثاً غريباً نقطع به السهر وأنا أحدّثك حديثاً يكون فيه الخلاص إن شاء الله ثم ان أباها الوزير طلع بها إلى الملك فلما رآه فرح وقال هل أتيت بحاجتي فقال نعم فلما أراد أن يدخل عليها بكت فقال لها مالك فقالت له أيها الملك ان لي أختاً صغيرة أريد أن أودّعها فأرسل الملك إليها فجاءت أختها وعانقتها وجلست تحت السرير فقام الملك وأخذ بكارتها ثم جلسوا يتحدثون فقالت لها أختها الصغيرة بالله عليك يا أختي حدّثينا حديثاً نقطع به سهر ليلتنا فقالت حباً وكرامة إن أذن لي هذا الملك المهذب فلمّا سمع ذلك الكلام وكان به قلق فرح بسماع الحديث ...
(حكاية التاجر مع العفريت)
التكملة في وقت لاحق بإذن الله تعالى
وليد محمد الشبيبي 8 حزيران/ يونيو 2008
الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(14) أليس طريفاً ان ينشغل الوزير بحكاية القصص لأبنته شهرزاد وهو في هذا المأزق ؟ (المُعد).
(15) السن الحيوانات والطير اي لغات وكلام الحيوانات والطيور ! (المُعد).
(16) وردت في النص الأصلي (الغيظ) وهذا خطأ فالمقصود بـ(الغيظ): هو (تغـّّير يلحق الإنسان من مكروه يصيبه) (المعجم الوسيط ، ج 2 ، ص 668) والصحيح هو (الغيط) والغَيْط ُ هو: (المطمئن الواسع من الأرض . وقد قِرُي في التنزيل الحكيم: (أو جاء أحدٌ منكم من الغيطِ). ويطلقه أهل مصر على الحقل. (جمعه) غيطان. المرجع: المعجم الوسيط ، الجزء الثاني ، قام بإخراجه الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور عبد الحليم منتصر وعطية الصوالحي ومحمد خلف الله أحمد أشرف على الطبع حسن علي عطية ، ومحمد شوقي أمين ، مجمع اللغة العربية ، استانبول: دار الدعوة ، 1989 ، ص 666 . (المُعد).
(17) النّاف: النّير في لغة فلاَحي مصر. (المعجم الوسيط ، ج 2 ، ص 964 ، يُلاحظ أستخدام بعض العبارات باللهجة المصرية الدارجة وهذا يدل على ان ناقلي هذه الحكايات (أي ألف ليلة وليلة) للغة العربية هم من الأشقاء المصريين. والله تعالى أعلم . (المعُد).
(18) لاحظ ركاكة العبارات مما يؤكد على ان هذه الحكايات لم تضف شيئاً للأدب العربي، وإن قال قائل بأن المأخذ على الناقل اذ ان لغته ركيكة فهذا لا يغيّر شيئاً من واقع الحال ! (المُعد).
(19) كلمة من اللهجة المصرية الدارجة وليست من العربية الفصيحة.