اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خليف محفوظ
و رأينا أنفسنا في الشاشة نوجه نداءنا بالأسود و الأبيض و المدير يمسد بطنه.
كم كانت عيناي مخطوفتين! و كم كان وجهي يتمزق، و الكلمات تخرج مني متأتأة متقطعة، و ذلكم العرق الذي نزت به جبهتي، كأنما ألقي علي القبض متلبسا بخطيئة ما.
لم أحتمل توزع عيني الحائرتين، انفتح بداخلي أخدود، كأنما الزلزال شق كياني، دارت الأشياء دورة، و سمعت صوت الكراسي تسقط، و شيئا من الهرج و الرؤوس المنحنية عليّ، ثم في العيادة ممددا وسط البياض، و ممرض متضخم يقضم شاربه و يدس عينيه في كتاب بين يديه.
حين دخلت نوارة أشرقت شمس شديدة الوهج، انساح وجهها ببسمة عذبة. كانت ترتدي فستانا أحمر أبرز قوامها الممتلئ، انحنت علي فانسدلت خصلة فاتنة على عينيها و انهمر عطرها يغمرني أمواجا ترشني بالحنين و الحنان، لمست جبيني فأحسست كفها رطبة باردة فوددت لو أبقتها عليّ قليلا، أخرجت من حقيبة يدها وردة حمراء ملفوفة في السيلوفان:
ـ لا بأس عليك، و هذه هدية لك لنتائجك الرائعة في المدرسة.
تهدج صوتي و لم أعرف كيف أشكرها، لا أعرف كيف أسمي تلك المشاعر التي خالجتني ساعتها فقد خيل إلي أن الملائكة تبتسم لي من خلال وجهها الصافي.
كبرت نوارة في عيني و قلبي، لم أعد أطيق فراقها، أحن إليها في كل لحظة غياب. و كان هذا يورثني خجلا مرا من نفسي.
في المدرسة أستعجل الساعات أن تنقضي فنلقاها عند البوابة مع الحارس و قد قدم لها كرسيا، أراها من بعيد في جلستها الهادئة المتزنة تحادث الحارس، فأعرف أنها تحادثه بضبط دقيق لكلماتها و بصورة رائعة في الإصغاء إليه. تسبقني قدماي إليها، ثم أنتبه و أضبط قدمي و أسير إليها وسط رفاقي.
كانت حريصة على أن لا تميز بيننا، تشعرنا أنها شيء مشترك لنا، هو ما نفتقده جميعا.
و كنت في أعماق نفسي أغار عليها من أصحابي، أريدها لي وحدي، و قد يكون كل واحد منا يريدها له وحده، إذ كنا نتسابق في كسب مودتها، في لفت نظرها، و يصل بنا الأمر أحيانا إلى العراك ثم الإسراع إليها يشكوا بعضنا بعضا.
كانت تتقبل نزاعنا بحلم و سعة صبر، ترشدنا إلى أننا إخوة لا ينبغي أن يكون بنا حقد أو كره، على قلوبنا ألاّ تخفق إلاّ بالحب و تتلو علينا قوله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة." و قول الرسول(ص): " مثل المؤمنين في تواددهم و تراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى."
تجمعنا في حلقة و تقرأ لنا قصة من قصص كليلة و دمنة، ثم تسألنا واحدا واحدا عن مغزاها، عما يقابل تلك الحيوانات في دنيا البشر. و يجتهد كلنا في أن يعبر و يفصح أحسن من الآخر، و تصغي إلينا.
أجيبها أنا، أتلعثم قليلا، أحدق في وجهها إذا ما كان التلعثم يزعجها، أو يفقدها الصبر على الإصغاء إليّ لا أرى شيئا من ذلك، عينان عميقتان سوداوان صامتتان شبه مبتسمتين، يتلعثم لساني كثيرا، أسكت، أطلب إليها أن تأذن لي في الإجابة كتابة، فكانت تأذن لي أياما أقرأ عليها ما أكتب فتتسع عيناها إعجابا، كنت أشعر إذ أكتب أن لي قوة عجيبة في التعبير و صياغة الأفكار.
و كانت تعلق:
ـ هذا رائع، لكن لا ينبغي الاعتماد على القلم وحده، نحن في حاجة أيضا إلى اللسان، اطلق سراح لسانك.
و تضحك، و يبكي قلبي، فقد صار لساني حبيسا أمامها، أريد أن أبوح لها بأشياء لست أحددها، أشياء مبهمة تتزاحم في نفسي، كلمات لو أخرجتها صارت بلا معنى، كأن أقول لها... سيدتي نوارة أريد أن أغطي وجهي قليلا بفستانك، أن أشبك أصابعي في شعرك، احمليني على ظهرك و امشي بي في الشارع الضيق إلى المدرسة، سيدتي نوارة اكشفي لي عن صدرك أنظر فيه، أريد أن أكون عقدك في عنقك فالشمس إذ تنعكس عليه يتلألأ عجيبا يخطف البصر، أو انتعليني حذاء، إنك إذ تمشين على الرصيف تحدثين إيقاعا رائعا، أريد أن أكون المشط الذي تسرحين به شعرك، أو محفظتك الجلدية الناعمة ، أو خصلة شعرك الهفهافة التي تنسدل على عينيك حين تراقبين كراساتنا ثم تسوينها فتنسدل فتسوينها فتنسدل فتسوينها... سيدتي أريد أن أضع قبلة على خدك موضع الحفرة حين تبتسمين...
و كان حديثي إليها في نفسي عواء و أنينا، أنين "سحاب" إذ تكور على نفسه و أدخل رأسه في بطنه حين قوضه الألم ساعة كان يموت في ليلة باردة، كان يموء، يقطع الصوت، يريد أن ينطق، أن يفصح فيشكو لي ما به. و ما كنت أقدر على إسعافه إلاّ أن أدثره بمعطفي المهلهل.
|
الأستاذ العزيز خليف .
نص سردي جميل يحكي واقع الطفل سعد الذي يتشكل وسط جو من الحنان والدفء .
دمت مبدعاً .