ـ أتدريان طبيعة الضريبة التي تحمل لوثر تكاليفها دما؟.. لقد هلك فداء لجذوع أدمية منبتة في حواشي الجزيرة، وظلت تحمل على ظهورها بيوتا كالحلازين لتحفظ ما يفي حاجياتها الحيوية، وتسرح، لكن داخل حدود سوتها البشرات البيضاء والقلوب السوداء... وحين صعد من رماد تربتهم المهجورة مارد وديع يترنم بصوت الحق ويشهر سلاحه الوديع، غلوا جناحيه وكمموا فمه. ولما أصر على أن يغني نشيد الحرية غرزوا الرصاص في حنجرته، وقطعوها إربا إربا... لقد اغتالوا في الواقع كلمة صدحت بالحق جهارا، وأسكتوا صوتا صاح "لا للدماء تسفك جورا في فيتنام، لا للسود تستباح حقوقهم بغيا"
لقد غمرتها السعادة يوما حين كانت تستمع لخطاب لوثر. كانت في أوج مسرتها لوجودها وقتئذ بين لفيف من أقرانها السود. وارتحلت بها الذاكرة إلى الوراء لتستخلص بأنها لم تعرف جارا ولا صديقا أسود في صفوف المدرسة، إلا ما كان من الخدم في بيت أهلها أو مقاولة أبيها. عاودتها الحيرة وهي تستعيد طلعة الوديع الأسود يشهر أسلحته الوديعة بعدما عرى عن واقع بني جلدته الأليم. ثم جثم أمام مخيلتها حادث البستانية التي زلزلت خذها صفعة عنيفة ضمختها برودة دم أ بيض، ولكنها سرعان ما ابتلعت الموقف الجارح، وواصلت حديثها لتقر في النهاية بضرورة البحت عن مخرج لهذه الأزمة التي لا يجني من ورائها مفتعلوها سوى أشواكا تحدث في جسم الأمة نزيفا لا ينقطع. في هذه اللحظة دخل ألفريد الكهربائي، وخيم عليهن الصمت ترقبا لما يمكن أن يتمخض عن هذه الزيارة المفاجئة للقاعة الزجاجية. لكن الدهشة زالت حين أنبأ الرجل بمقدم زميلين، وسلم غزال طردا بريديا فانصرف.. لم يلف الزائران غضاضة في الاندماج في فورة الحديث المعهود كلما سنحت لهما الفرصة لزيارة زميلاتهما. توطدت وشائج الصداقة بين أعضاء هذه الجماعة، وازدادت الألفة متانة وتماسكا. ولا غرابة إذا كان كل عضو من هؤلاء يستهين أحيانا بأعز الأمور لديه حفاظا على هذا الميثاق الذي وحد الرؤية وألهب المشاعر، فازدادت مع كر الزمان نفورا من بشاعة وضع مزر غدا أشد تعقيدا، وينذر بزلزلة الأرض تحت أقدام كل من يسرح في أصقاع الجزيرة. وفي هذا الإطار أدلت ديمي برأيها، فحدثت في ثقة ورزانة :
ـ الواقع بئيس ومرير، ولا محالة من التنقيب عن وسيلة للضغط والردع..
اقترحت غزال أن تكون أولى وسائل الردع، البث في مشروع هال ولويزا شمعون، فقالت وسمات الاهتمام والعزم تشع من طلعتها الفضية الرائقة:
ـ ليس أمامنا سوى التفكير في أنجع الصيغ لتفعيله...( وأضافت هال ).. وسوف يمكننا من ترجمة رؤانا بالضغط على المسؤولين، وشعارنا في ذلك: ألا حياة بدون انصهار وتعايش بين سائر الأقليات الإثنية..
قال جيمي متأسيا بعد وجوم :
ـ نحن نستهجن كل إقصاء ممنهج في حق طلبة ومدرسين، ذنبهم في ذلك أنهم ذوو سحنات معتمة...
قالت ديمي في لهجة متأسية :
ـ الوضع مخجل، يدعونا إلى الشروع في طرق جميع الأبواب...
وتساءل فرانكلين وقد لاحت على وجهه علامات التذمر والاندهاش:
ـ وماذا لو سدت في الوجوه جميع الأبواب؟
أجابته هال في ثقة:
ـ سوف نكون مضطرين للتصعيد ( وقاطعها فرانكلين متسائلا في اهتمام )..بأية صيغة يا آنسة؟
ـ ندخل في إضراب عن الطعام!
لقي الاقتراح ترحيبا واستجابة، وصفق من في القاعة... أجمعوا أمرهم على أن تتم دراسة المشروع بعمق، وضبط أهدافه بدقة على طاولة الصالون الأدبي المعلوم، وفي حضور العضوين الغائبين، السيدين دافيد وخوليو. غادر جيمي وفرانكلين القاعة الزجاجية، وانصرفا إلى حال سبيليهما بعد أن أبلغتهما غزال بضرورة المشاركة في مسيرة الاحتجاج التي ستنطلق بعد يومين. أحست ديني ببعض الأرق، فانصرفت إلى مخدعها، بينما آثرت غزال وهال أن تتجولا بعض الوقت بين ممران الساحة المعشوشبة..
كان الليل في هذه اللحظة ساكنا هادئا، ونسائم الخريف تتدفق أنفاسا. انتشرت في هذا الفضاء اللزج أضواء المصابيح تغمر المكان، وازداد وجه غزال من توهجها تألقا، فقالت ببراءة:
ـ هذه الأجواء الحالمة تؤجج في النفوس فورة الإلهام! لكم هي رائعة فسحتنا التطهيرية هذه يا هال!
ـ ما أبعد أحلامنا عن الواقع يا غزال!...
ـ أراك جاوزت الحد في التشاؤم يا هال...إننا قوم تأبى نفوسنا الاستسلام..
وعادت تنبس بلهجة تضمر بعضا من هموم باطنية:
ـ ولكنها الحقيقة، عزيزتي..الحقيقة التي لا مفر من طعمها المر، ويؤلمني أن يكتوي بمرارة مذاقها أغلب أبناء الجزيرة الأم ومن يعول عليهم من الأجيال اللاحقة...
أضافت غزال في صوت يشي بعمق التأثر:
ـ ويبقى انتزاع الحق في الحياة من لوثر جورا أبشع مرارة، وأفظع وصمة عار محفورة على الدوام في جبين هذا الوطن.. ورغم ذلك لا نزداد إلا احتماء برباطة الجأش، ولن نتراجع أبدا..
قالت هال:
ـ إن العزم ليفل الحديد ويفت جلاميد الصخور..(ثم أضافت في لهجة استنكار حادة ): ماذا جنينا من وراء حرب ضروس على أراضي الغير سوى الويل والثبور؟!.. وأي هاجس أوعز للأمة بأن تبادر بإشعال فتيل النار؟.. ولكن، مع كامل الأسف: لم تسلم عروش الأمة من الحرق والتكسير...
وفي نبرة يغلفها التذمر صاحت غزال، فكسرت صيحتها هدوء الليل الساكن:
ـ إننا بصمتنا وتفرجنا عن بعد، نضفي طابع التزكية والتبريك لما يجري أمام أنظارنا وما تتلقفه أسماعنا، إن لم نكن شركاء فعليين في طبخ الولائم الملغومة!...
وبصوت لا يخلو من يأس وانكسار عقبت هال:
ـ وأي البدائل ترينها أجدى وأنجع، عزيزتي؟
ـ التصدي بكل حزم وعزم للتخفيف من تداعيات السياسة العرجاء، وملاحقة كل من أهدى سواعد الأمة وحماتها قربانا لحرب جائرة يغطي نفقاتها الباهضة جزء من أقوات الأمة.. إنها حرب ظلوم يا هال، لا أرى ما يبررها سوى الشوق الأعمى إلى المغامرات التي تستعرض العضلات على صهوات الخيول المطهمة.. لا يا هال، لم يعد السلاح الذي وشحني به أبي يلائم بعد رؤيتي، بقدر ما أضحى يؤرق بالي...
توقفت برهة لتستعيد أنفاسها، ثم استطردت في صوت لا يخلو من حدة: السياسة معطوبة، وليس من بديل سوى إحالتها على المشرحة بقاعة الصالون الأدبي..
استوعبت هال ما ترمي إليه صديقتها، فأصرت على معاودة السؤال في زي استنكاري :
ـ أهي معطوبة فعلا؟
وفي لهجة ذات معنى عقبت غزال:
ـ بل سقيمة إلى حد العجز المستديم، وسوف نحسم في الأمر بدون رجعة، فضلا عن المشروع الذي اقترحته لويزا..(ثم استأنفت حديثها مستدركة).. لويزا ذات رأي يستضاء به ياهال، وددت لو تكون قريبة منا في المسيرة