بسم الله الرحمن الرحيم
البطالة والحقوق ..؟
(رداً على سؤال للأخت / بو حامد سميرة )
أكتب هنا مباشرة حول فكرة الحقوق والبطالة ..
نستطيع أن نتحدث عن البطالة في الوطن العربي من دون مواربة ، لكنه حديث لا يتناول الآن الأرقام المتعلقة بالفقر والبطالة والجهل ، فذلك يحتاج إلى وقت ..
البطالة ، من وجهة نظري ، تعني تخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه أبنائها ..!!
فلا يمكن أن نفهم المبدأ ونظيره في آن واحد ، أو الادعاء والواقع .. فكل واحد من هذه التوصيفات له شأنه الخاص ..
كيف يمكن لدولة أن تباهي بعدد سكانها على سبيل المثال ، ونسبة الشباب فيها ، بينما يعيش هؤلاء عند حافة الفقر ، والشباب يطرقون أبواب الهجرة فراراً من غائلة الحاجة .؟
كيف يمكن أن نفهم أن تتحول الدولة إلى فريق للجباية من المواطن الذي يدفع ولا يأخذ شيئاً ..!
هنا ، لا يجوز لنا أن نعيب الدول الغربية بأي أسلوب ولأي سبب في هذا المجال ، لأنها توفر الضمان لمواطنيها على الأصعدة كافة ، حتى أن الهاربين من أوطانهم يجدون هناك الملاذ الآمن ، والسكن المجاني والمعيشة المعقولة إلى حين توفر العمل المناسب ..
ورغم أنني ضد الهجرة من حيث المبدأ ، ومنذ زمن بعيد ، لكنني انظر الآن بقناعة إلى مسببات هذه الهجرة ، التي تدفع الكثيرين من شباب العرب / الخريجين / للمجازفة والفرار بحراً ومواجهة الموت غرقاً ، من أجل لقمة العيش ..!
هنا ، ما قيمة أن تتحدث الدولة عن عدد الخريجين والخريجات ، وما قيمة الحديث عن عدد الجامعات .؟
هل تتعدى الفكرة تخريج طوابير العاطلين عن العمل ، من المثقفين الذين يشتغلون في غسل الصحون أو السيارات في الغرب أو بلاد العرب الميسورة ..
لماذا لا توفر الدولة الفرص المناسبة طالما هي تخطط لسنوات خمس مقبلة أو لعشر سنوات ..؟
ما قيمة المعنى من ( الراعي والرعية ) ولماذا تتخلص الأنظمة من أبنائها الذين يشكلون وقود الحضارة أو وقود العمل أو الثورة ، أم أن الدولة تريدهم في الإنقلابات والحروب التي ليس لهم فيها ناقة ولا كلب .!
.. ولماذا تراجع دور الجيل الحاضر وصار سلبياً يكره نفسه قبل الحكومة .. ولماذا تمارس مثل تلك الحكومات دور القامع والراشي والمرتشي ، والسجان ولا تقوم بدور الحاكم العادل الذي ينفذ القانون على الجميع ..؟
ولماذا لا تكبح الحكومة ما نطلق عليه ( الهجرة الداخلية ) حيث نرى المنتجين من المزارعين والفلاحين والرعاة قد هجروا مهنتهم الإنتاجية ، وتكدسوا عند مفارق الطرق في العواصم للعمل بنظام المياومة .. فماتت الأرض وجف الضرع .. وعاش مثل هؤلاء حياة البؤس التي لا يفكرون بتغييرها والعودة من حيث أتوا .. فالدولة مسؤولة مادياً وأخلاقياً عن تنمية ما نسميه الريف ..
هنا مكمن الخطر الذي يدفع / في غياب الوعي الشبابي / إلى حال من اليأس وعدم المبالاة ، وبالتالي حين نسأله عن الوطن يدير وجهه ، ربما حسرة أو استهزاءً ..!!
هذه الحال في أكثر من بلد عربي ..
وفي بعض البلدان ، تروج تجارة تصدير ( الإناث ) بعد تصدير الخراب الأخلاقي ..
لكن ماذا يحدث بعد إجبار الشباب على الهجرة .؟
في قراءة قديمة ، ربما في بداية الثمانينات ، اطلعت على رأي لأحد علماء النفس الذين يتحدثون عن الهجرة ، فيقول ما معناه : إن علاقة المهاجر بوطنه تكون قوية في السنة الأولى والثانية وحتى الخامسة لكن بشكل أقل .. وفي السنوات الخمس التالية يكون قد غرق في بيئته الجديدة ، فتكون صلته بالوطن مجرد تلبية حاجة ذويه والاطمئنان عليهم ، وفي الخمس سنوات الثالثة ، تنفصل عُرى الروابط تماماً ، فحين يعود المرء ( الذي أصبح في الأربعينات وما فوق ) إلى وطنه ، فإنه يكون غريباً تماماً مثلما هو في غربته عن الوطن .. لقد تفرقت بهم أيدي سبأ ..!
أيضاً ، حتى لا ننكر الدولة وحقوقها ، نقول أيضاً أن على الدولة مسؤوليات ، ضمن خططها ، هذه المسؤوليات لا يدركها عامة الناس ، بل يريدون من الدولة أن تصنع لهم فرص العمل ( الآن ، وفق ما يريدون ) وهذا بحد ذاته صعب التنفيذ ، لأنه يخضع لعلاج جمعي وليس فردياً ..
فالمواطن الحقيقي يفهم ظروف بلده ، وعليه أن يفرق بشكل جاد وواضح علاقته مع هذه الدولة ، وماذا يقدم لها وماذا يأخذ ، ومدى حرصه على ما نسميه ( المال العام ) .. والأمثلة كثيرة على التخريب الذي تشهده منشآت الدولة من قبل الكبار والصغار ..!!
ما الحل ..؟
علينا قياس الظروف المحيطة بنا / الآن / وليس ما كان بالأمس أو ما سيأتي ..
على مستوى الفرد ، ما هي مؤهلاته وما حاجته اليومية وما علاقته بالآخرين .. سواء على مستوى الثقافة العامة أو ثقافة الاستهلاك أو الشراكة المجتمعية ، مثلاً : إذا ارتفع سعر سلعة معينة نسمع الصراخ والشكوى ، ونشتريها ..!! بينما لو قاطعت من يرفع ثمن السلعة ليوم واحد / كما يحدث في الغرب / لأجبرت التاجر على إعادة التفكير في الثمن .. وأيضاً ، حين يدعو البعض لمقاطعة أحد المطاعم ، لسياسة معينة ، تجدنا ( عملياً ) نهرع إلى ذاك المطعم وكأنك ذكرتنا به ، لأننا نسيناه قليلاً ..!؟
ما الحل ، أمام ثقافة / ليست جديدة / تعم الشارع وهي ثقافة الغش ، من المزارع وحتى التاجر والموزع ، لنرى : حاول تفحص ما تشتري من خضار وفواكه ، ستجد الواجهة جيدة وما اسفلها على درجة كبيرة من الفساد ..
الجميع شركاء في الغش : البائع والمشتري ، لأن البائع يريد الربح والمشتري مجبر وبالتالي لا يهتم بالغش ..!!
ألم يقل الرسول الكريم ( من غشنا ليس منا ..) هل أصبحت هذه القاعدة كلاماً فحسب ..؟
إذن ، ما يحدث لنا ، هو أقل مما نستحق ..
وحتى لا اذهب بعيداً عن موضوع البطالة والحق ، أقول :
البطالة هي نقيض الحق ، وهي نتيجة السياسات المتبعة وسوء التخطيط ، وهي نتيجة حتمية لضعف الاستثمار الداخلي بسبب تهريب الأموال العامة إلى خارج الوطن ..
علينا معاينة الظروف الآن ، وفهمها وتأثيرها ، وعلينا الصبر ، وفهم حاجتنا الشخصية بالضبط وتقنين عمليات الشراء ، لنوفر قرش اليوم الاغبر إلى الغد الأكثر سواداً ، حتى يأتي الله بالفرج ، وهو على كل شيء قدير ..
الصبر ، والتشبث بالوطن ، لأنه هو الباقي ، أما الذين يحكمون بغير حق فهم الذاهبون ، وهم الذين يسلط عليهم ربك سوط عذاب .. لأنه من الجريمة أن تكون زعيماً على ارقام ، أو على شعب عضه الفقر والحرمان وتطلب منه أن يبتسم ..!!
قال رب العزة ( .. وبشر الصابرين ..)
أسأل الله العفو والعافية ..