16-03-2006, 02:43 PM
|
رقم المشاركة : 1
|
معلومات
العضو |
|
|
|
ميلوسوفيتش ذلك البطل
ميلوسوفيتش ذلك البطل
قليلون هم الذين يقولون كلمة إنصاف في حق قادة عظام من أمثال سلوبودان ميلوسوفتش ، الذي مات في سجنه مرفوع الهامة ، لم تلن قناته لسجانيه طوال سنِيِ المحاكمة المهزلة ، التي شكلتها له قوى الشر المتغطرسة ، لأسباب فبركها وروَج لها أعداء الأمة اليوغسلافية .
في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وغياب القوة السوفييتية وتفكك جمهورياتها، توجهت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية نحو الاتحاد اليوغسلافي لتفكيكه وإضعافه كخطوة أخرى على طريق القضاء على المنهج الاشتراكي في هذا العالم ، فراحت تحوك المؤامرات وتجند العملاء وتتخذ منهم طابورا خامسا ، لزعزعة الاستقرار في ذلك الاتحاد .
فقد وفرَت الولايات المتحدة دعما ماليا وإعلاميا هائلا لعملائها في كل من : كرواتيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو والجبل الأسود من جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي ، وساهمت حكومات العالم الإسلامي في ذلك الدعم بسخاء لامثيل له ، بحجة نصرة الإخوة المسلمين ، وإعانتهم على إقامة دويلات إسلامية جديدة لا تقدم ولا تؤخر وليس لها وزن في السياسة الدولية ، ولو أن هذه الحكومات قدمت دعما مماثلا لشعب فلسطين لما بقي ذلك الشعب يعاني من نير الاحتلال حتى الآن .
لقد كان للولايات المتحدة أذنابها داخل الاتحاد اليوغسلافي من أمثال علي عزت بيغوفتش وإبراهيم رجوفا وغيرهم ، وقد لعبوا الدور ذاته الذي اضطلع به ( ليخ فاليسا ) زعيم حركة (تضامن) العمالية في بولندا ، وكان من واجب الحكومة المركزية في ( بلغراد ) أن تعمل على الحفاظ على وحدة بلادها ، وتحميها من التفكك والتشرذم الذي أصاب جمهوريات الاتحاد السوفييتي على يد ميخائيل غورباتشوف . قامت حكومة بلغراد بالتعامل مع المتمردين والمنشقين بحزم ، وعندما لجأ أولئك المنشقون لأعمال العنف واستمدوا العون من الخارج ضربتهم بيد من حديد ، ولو أن الرئيس ( تيتو) كان بقيد الحياة لاستخدم معهم الأسلوب ذاته .
راحت آلة الإعلام الأمريكية ومن لفَ لفَها بشحن المنشقين تارة ، والفتِ في عضد الحكومة اليوغسلافية تارة أخرى ، وتطلق عليها لقب ( حكومة صربيا ) ، وكأن التفكك قد صار أمراً واقعاً ، ولما كان موقف الحكومة المركزية قوياً ومسيطراً على الأمور ، لجأت الولايات المتحدة ومن ورائها قوات حلف الأطلسي إلى ما ليس منه بد ، فشنت حرباً طاحنة على جمهورية صربيا ودكتها بالطائرات حتى زلزلت بنيتها التحتية وشلت قوتها العسكرية ، وأجبرتها على المهادنة والخضوع .
ثم حرضت شريحة من اليوغسلافيين الصرب المنبهرين بالانفتاح على الغرب ، ضد حكومتهم ورئيسهم ، فقاموا بالتظاهر لإسقاطه ، ثم قامت حكومة موالية للولايات المتحدة في بلغراد ، ما لبث رئيسها الجديد أن تآمر على رئيسه السابق ميلوسوفيتش ، وسهل تسليمه إلى الولايات المتحدة التي بدورها شكلت له محكمة دولية صورية ، تحت شعار محاكم جرائم الحرب .
مكث ميلوسوفيتش سنوات متنقلاً بين السجن والمحكمة والمستشفى ، وكان في كل جلسة من جلسات المحاكمة يسخر من قضاته ولا يعترف بشرعية المحكمة ، ويرفض توكيل محام عنه ، ولم تفت المحكمة في عضده ، لأنه كان يستمد صموده من أبناء شعبه الشرفاء الداعمين لوحدة البلاد .
ولما عجز القضاة والسجانون عن النيل من إرادته قرروا الخلاص منه ، فدبروا له ميتة يمكن أن تفسر على أنها انتحار ، ولكن شمس الحقيقة لا تخفى على أحد ، ولا بد للجريمة من خيوط تقود إلى تلك الحقيقة ، فقد ثبت أنه قام قبل أيام من وفاته بمخاطبة وزير الخارجية الروسي يشكو له سوء معاملته ، وأن الدواء الذي يقدم له خطأ ولا يناسب صحته ، وناشد الوزير الروسي مساندته .
هذه هي السياسة الأمريكية التي تكيل بمكاييل عديدة ، وهذه هي عدالتها المزعومة ، تساند الشعوب ( المقهورة ) في جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي ، وتدعمها وتحارب من أجلها ، ثم تقبض على ميلوسوفيتش بحجة أنه مجرم حرب وتنبغي محاكمته ، ولو كانت العدالة في هذا العالم قابلة للتطبيق بحيادية ، ولو كانت قادرة على جر جميع مجرمي الحروب إلى قاعات المحاكم ، لما وسعت محاكم العالم قاطبة كل أولئك المجرمين .
ترى أين كانت الولايات المتحدة الأمريكية عندما كانت إسرائيل تُنكل بالشعب العربي الفلسطيني ، وتسومه سوء العذاب ، وتذيقه من الجرائم على يد سفاحيها أضعاف ما فعله ميلوسوفيتش ، لم يهتز الضمير الأمريكي مرة واحدة أمام مذابح صبرا وشاتيلا و قانا وجنين ونابلس وغزة وغيرها ، ولم تطلب تقديم آرييل شارون أو شاؤول موفاز لمحكمة جرائم الحرب .
ولم تترقرق الدموع سخينة من عيون حكومات العالم الإسلامي إشفاقاً على الأشقاء المذبوحين في فلسطين ، ولم تدعمهم بمثل ما دعمت به البوسنة والهرسك وكوسوفو ، بل فوق ذلك وجهت قنواتها الفضائية تبث سمومها وبرامجها الفاسدة الماجنة بعد كل نشرة أخبار لصرف انتباه الجماهير المسلمة عما يجري في فلسطين .
وعندما قامت إسرائيل بمحاصرة الرئيس الفلسطيني البطل ياسر عرفات في مكتبه ثلاث سنوات ، لم ينتبه الأشقاء المسلمون لمحنته ، بل تناسوه ولم يكلف أحد منهم نفسه عناء الاتصال به أو التضامن معه ، أو دعوته إلى زيارة مثلما فعلوا مع علي عزت بيجوفيتش وإبراهيم روجوفا ، إلى أن مات مسموماً على يد أعدائه وأعداء شعبه .
وعندما عجزت الولايات المتحدة عن زعزعة استقرار العراق إبان عهد الرئيس صدام حسين بسبب متانة وضعه الداخلي لجأت أيضاً إلى ما ليس منه بد ، حاصرت العراق سنوات طويلة ، وشنت عليه حرباً طاحنة وظالمة انتهت باحتلال العراق واحتلال عاصمته واعتقال رئيسه .
ها هو الرئيس صدام حسين يقبع في سجنه ، ويمثل بين الحين والآخر أمام محكمة صورية شكلتها له قوة الاحتلال الأمريكية ، وها هو في كل جلسة يقف شامخاً أبياً لا تلين له قناة ، مظهراً إيمانه بربه ووطنه وبقضيته العادلة ، وهو في كل جلسة يلقي في سجانيه محاضرة رفيعة المستوى في السياسة والقانون والأخلاق ، وهو بذلك يستمد صموده من أبناء أمته الشرفاء في العراق والوطن العربي .
ربما تكون ملامح النهاية قد باتت واضحة المعالم ، فالأبطال الشجعان وقادة الأمم العظام مصيرهم واحد ، ألا وهو الموت بشرف ، وخلود ذكرهم بعد الموت ، لقد مات ياسر عرفات بطلاً مرفوع الهامة ، ومات ميلوسوفيتش السجين العنيد بالطريقة ذاتها ، وسيظل بطلاً قومياً في عيون الشرفاء من أبناء شعبه ، وفي نظر الملايين من خصوم الولايات المتحدة الأمريكية .
ولا أظن أن الرئيس صدام حسين – أمد الله في عمره – يجزع من نهاية مماثلة ، فلسان حاله دائماً يقول :
لعمرك إني أرى مصرعي وإني أغذّ إليه الخطى ، وما العيش لا عشت إن لم أكن مهيب الجناب حرام الحمى ، ونفس الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيل المنى ، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا .
وعند ذلك سوف ينصفه التاريخ العادل ، ويخلد ذكره كما خلد غيره من القادة العظام ، أما الجبناء والعملاء فسوف تدوسهم عجلات التاريخ وتطويهم الأيام ويضيعون في غياهب النسيان .
د. محمد الجاغوب
|
|
|
|