منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - ميلوسوفيتش ذلك البطل
عرض مشاركة واحدة
قديم 19-03-2006, 02:00 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
معاذ محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو






معاذ محمد غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى معاذ محمد

افتراضي

اما عن تحليل الحدث سياسيا فهو على النحو التالي :

لقد استطاعت الولايات المتحدة للمرة الثانية ـ في أقل من عقد ـ أن تقود دول أوروبا ـ خاصة فيما يسمى بالدول الكبرى التقليدية ـ في عمل عسكري متعلق بقضية أخذت بعداً دولياً، بعد قيادتها لهم ولغيرهم في حرب الخليج الثانية، إلاّ أنها في هذه المرة قادتهم ليباركوا لها تدخلها المباشر في شؤون قارتهم للمرة الثانية، بعد نجاحها في اتفاق "دايتون للسلام" في أخطر جزء من أوروبا ألا وهو أوروبا الشرقية وجنوب شرقها، أو ما أصبح يُطلق عليه "أوروبا المركزية" ولم يكن لدول أوروبا الأعضاء في حلف شمال الأطلسي من خيار إلا السير مع الولايات المتحدة فيما تريده، خاصة بعد انهيار محادثات "رامبوييه" والتي أدارت الولايات المتحدة فصولها بإحكام، بعد أن حصرت شؤون الإشراف عليها بها، وبروسيا، ولم تحظ دول أوروبا إلاّ بمندوب يمثلها جميعها، وقد منعت الولايات المتحدة تسرّب أية معلومات عن تلك الاجتماعات مما أحرج وأضعف موقف كل من فرنسا وبريطانيا في حينه.
Ff3333

وأما الناحية العملياتيـة فالولايات المتحدة أسندت مهام التدخل في قضية يوغسلافيا "البلقان" إلى حلف شمال الأطلسي، وأغلقت الطريق على الاتحاد الأوروبي والذي يُعتبر منظمة أوروبية صرفة، خاصة بعد الفشل الذريع الذي مُنيت بـه مجموعته المسماة "مجموعة الأمن والتعاون" في إحراز أي حل لقضية كوسوفا ـ مما مهد الطريق أمام الولايات المتحدة بأن تقود الأزمة بنجاح خاصة بعد أن أعطت روسيا دوراً في "مجموعة الاتصال" التي شاركت في تشكيلها بديلاً "لمجموعة الأمن والتعاون" والتي يعتبر أعضاؤها باستثناء روسيا من منظمة حلف شمال الأطلسي، وأميركا قد فهمت التاريخ الأوروبي جيداً، وهي تدرك أن مقتل أوروبا وإضعافها إنما يأتي كحقيقة تاريخية من البلقان "أوروبا المركزية" فمنه عبرت جيوش فارس والمغول وجيوش الفتح الإسلامي إلى أوروبا، وبسببه حدثت أفظع حربين في القرن العشرين، كان من نتائجهما تغيير التوازنات الدولية في أوروبا والعالم، والبلقان عبارة عن تركيبة غير متجانسة سواء من حيث الدين أو الأعراق أو الولاءات السياسية، لذلك فإن الاتحاد اليوغسلافي لم يكن اتحاداً طبيعياً بل فُرض نتيجة للحرب العالمية الثانية، ومن المعروف أن تيتو كان رجل أميركا، وكان مشهوراً بكرهه للاتحاد السوفيتي وللشيوعية والاشتراكية السوفيتية، ويشمل البلقان إلى جانب جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي كذلك ألبانيا إلى جانب بلغاريا، ويعتبر قادة يوغسلافيا الحاليين امتداداً للوسط السياسي الذي كان قائماً أيام تيتو بل هم رفاقه، وهم فيما يقومون به من أعمال إنما يخدمون سياسات أميركا في أوروبا والعالم، ويقدمون لها المبررات لتدخلاتها ـ كما فعل ولا يزال صدام حسين في الخليج ـ فالولايات المتحدة تريد إبقاء البلقان جرحاً نازفاً مدادهُ من دماء المسلمين، حتى تستكمل تحقيق أهدافها في إخضاع أوروبا إخضاعا تاماً لإرادتها، وفيما يقوم حلف شمال الأطلسي بشن غاراته على جمهورية صربيا، يستمر سلوبودان ميلوسفتش في مهاجمة مسلمي كوسوفا وترحيلهم إلى جمهورية الجبل الأسود، وإلى مقدونيا وألبانيا، وهذا يخدم أهداف أميركا في توسيع دائرة الأزمة فهي قد باشرت التدخل فيها في منطقة البوسنة والهرسك شمالاً وأوجدت كيانات سياسية هناك، وهي تسعى الآن لنقلها جنوباً، لتوجِد واقعاً جديداً لمزيد من التقسيم وإنشـاء الكيانات، ولفتح الباب واسعاً لإشراك أطراف أخرى في الأزمة كتركيا، والتي طالما حرصت الولايات المتحدة على انضمامها للاتحــــاد الأوروبي ـ لإضعافه ـ إلى جانب كونها عضواً في منظمة حلف شمال الأطلسي، وكان زبغينيو برجنسكي قد وصف تركيا أكثر من مرة "بأنها رأس جسر الولايات المتحدة في أوروبا".

إن سياسة الأحلاف والتكتلات الأوروبية المغلقة والمقصورة حصراً على دول أوروبا الغربية هي التي مكّنت أوروبا من الاضطلاع بشؤون السياسة الدولية بشكل فاعل وقد أدركت الولايات المتحدة ذلك فعمدت إلى تحطيم هذا الانغلاق تحت مظلة حلف شمال الأطلسي وإزالة الحصر بفتح باب العضوية لدول خارج أوروبا كتركيا وايسلندا وكندا ورشّحت دولاً أخرى كأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا، وهي تسعى بكل تصميم لتطويق أوروبا وإشغالها في نفسها إلى جانب حرصها على إرضاء غرور دولها التقليدية في إشراكها بتوسيع نشاطات حلف شمال الأطلسي لتمتد إلى دول روسيا الاتحادية.

ومن جهة ثانية فإن الولايات المتحدة ومنذ السبعينات قد وضعت استراتيجية سياسية للسيطرة على مناطق ومصادر الطاقة في العالم، وقد باشرت تنفيذ هذه السياسة بأعمال وأساليب متعددة منذ أواخر السبعينات وطوال فترة الثمانينات فهي قد سيطرت على الخليج، وتسعى بشكل حثيث للسيطرة الفعلية على منطقة بحر قزوين وحوضه ومناطق الإمداد والنقل الاستراتيجي فيما يحويه من نفط وغاز ويورانيوم، والتي ستمر عبر البحر الأسود ودول "أوروبا المركزية" لذلك كان من المهم لها أن تُحكم قبضتها على البلقان وتشكله وفق مقتضيات سياستها ومصالحها، معتمدة أسلوب الإقناع والإخضاع وجرّ الآخرين، وبأسلوب الحامي لحقوق الأقليات والشعوب، فهي التي هيأت الرأي العام العالمي والأوروبي للمطالبة بتحرك فاعل تجاه ما يجري من مجازر في إقليم "كوسوفا" وهــي التي جعلت "قيم أوروبا الحضارية ومثلها" موضع اختبار وستنتقل لتجعل من قضية لاجئي كوسوفا ومهجريها قضية دولية تنصّب من نفسها حامياً لها وعامل نجاح فيما تمارسه من سياسة دولية ـ مبررة ـ في تقسيم الكيانات الكبرى وفي إعادة تشكيلها.

ومن جهة ثانية فإن الاحتجاج الشديد الذي أبدته روسيا والذي اعتمد الأقوال دون الأفعال لإدراكها مدى ضعفها وحاجتها للولايات المتحدة، ناتج عن مدى الخطر الذي تشعر به روسيا على اتحادها، جرّاء إدراكها أن أعمال أميركا في قيادة حلف شمال الأطلسي وتوسيع نشاطه سيمتد إلى أن يطالها، وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة تدرك أن روسيا ليست سوى تمثال من شمع شاهراً سيفه تفيد منه في إبقاء نوع من التوازن في إدارتها لأزمة البلقان وتستخدمه كمبرر ذرائعي أمام دول أوروبا الأطلسية وهي قد عمدت إلى إرضاء روسيا بما قدمه صندوق النقد الدولي ممثَلاً برئيسه ميشال كامديسو من قروض مما كان له الأثر الفعال على طبيعة تحركات روسيا في أزمة البلقان خاصة بعد فشلها في مجلس الأمن.

إن الولايات المتحدة قد حققت نجاحاً في رسم وتكريس النظام العالمي الجديد الذي نادت به منذ أزمة الخليج الثانية، ثم توظيفه في أزمة البلقان وإقليم كوسوفا، والتي تتخذ منه رسالة لجميع الشعوب والدول في كيفية إدارتها للقضايا الساخنة في الشرق الأوسط، وأفريقيا، ودول الاتحاد الروسي في وقت تتحكم فيه دون منافس أو مزاحم في حالة الموقف الدولي، وفيما سينجم عن هذه الأزمة من أعراف وعلاقات ترسيها وتطال بها بنية مجلس الأمن، ودور الأمم المتحدة ومهامها كمنظمة تقبض الولايات المتحدة على زمامها.







التوقيع

 
رد مع اقتباس