منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - إعادة صياغة
الموضوع: إعادة صياغة
عرض مشاركة واحدة
قديم 09-06-2010, 08:07 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
خالد الطيبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية خالد الطيبي
 

 

 
إحصائية العضو







خالد الطيبي غير متصل


افتراضي رد: إعادة صياغة

.
عند السادسة صباحا , نهض أبو سامي من فراشه , متوجها كعادته إلى غُرفة سامي : هيّا بُني , استيقظ . لكنّ سامي لم يردّ عليه . فدخل الغُرفة , ليجد فراش سامي مُرتّب , وهو غير موجود . أين ذهب هذا الولد ؟ فتوجّه إلى الحمّام , لم يجده أيضا , ثُمّ بحث في المطبخ وهو يُنادي : سامي أين أنت يا ولد ؟ ما من أحد . التفت إلى طاولة السفرة , فوجد سامي قد ترك ورقة عليها , مكتوب فيها : صباح الخير أبي , لقد خرجت باكرا اليوم , عندي حصّة نشاط قبل دوام المدرسة , أراك مساء .
أما أحمد , فكان يُخطط لينتقم من سامي , إذ طلب من صديقيه حُسام وفؤاد انتظاره أمام المدرسة ليقطعوا الطريق أمام سامي . فاستيقظ أبكر من عادته , وخرج مسرعا من الخان , ليجد سامي يقف أمامه مُباشرة , مُبتسما , وكأن شيئا لم يحدث بينهما . نظر إليه أحمد نظرة حاقدة , وقال بحدّة : ألا تُريد أن تُعيد إليّ نُقودي ؟ ردّ عليه سامي بهدوء , وبرود شديدين : بلى , ولكن بشرط . ما شرطك ؟ سأله أحمد . قال : أن تقف أمام الطلاب جميعا وتعتذر عن اتهامك لي بالسرقة . فرفض أحمد بشدّة هذا الاقتراح . فقال له سامي : طاوعني ولا تكن عنيدا . عموما دعنا نتحدّث بطريقة متحضّرة , وأنا سأعطيك نقودك في النّهاية , ولكن يجب عليك أن تساعدني أنت أيضا , حتى لا يُشاع بين الطلاب أنّني لص . فكّر أحمد قليلا , ورأى أن يُسايره . فمشى الاثنان إلى المدرسة , وهُما يتناقشان بهدوء , وسامي يلف ذراعه حول عُنق أحمد بود , حتى وصلا . دخل سامي ساحة المدرسة بأمان , وكُلّ الطلاب مستغربون من هذا الوضع , وظنوا أنهما تصالحا . استأذن سامي من أحمد بكل أدب واحترام على مسمع زملائهما ليصعد إلى غرفة المُدير , علّه يصل معه إلى حلٍّ يُرضي الطرفين . بدى سامي ودودا جدا , وبريئا جدا , ومطواعا إلى أقصى درجة . فِعلا , سامي ولد خلوق ومُهذّب , هكذا رآه زملاؤه , ومن المؤكّد أيضا , أنّهم أخذوا فكرة سيئة عن أحمد . المناخ العام للمدرسة , يسير لصالح سامي حتى الآن . فماذا يُخطط يا ترى ؟
قرع جرس المدرسة , ليصطف الطُلاب في طابور الصباح , القصير في الأمام , والطويل في الخلف , أحمد يبحث عن سامي في الطابور , لكنه لم يجده . لعب الطُلاب التمارين السُويدية , ثُمّ نشيد العلم , والراية تصعد ببُطء للأعلى . أحمد قلق , وسامي لم يظهر بعد . صافرة من البوق تُعلن بدء التحرّك , كُل طابور يتوجه إلى صفّه بانتظام . دخل أحمد الصف , ليجد سامي قد سبق الجميع , وجلس في مقعده . ركض إليه أحمد ليستعلم منه الأخبار : ها , ماذا فعلت مع المُدير ؟ التفت إليه سامي بوجه سمح وقال : لقد توصلنا إلى حلٍ مُناسب , ستعرفه في الفُسحة , اطمئن , وضعْ قدميك في ماء بارد , كل شيء سيكون على أحسن ما يُرام . ما كادت الحصّة الأولى تبدأ , حتى وقف في الباب نائبُ المُدير , يستأذن المُدرّس . - قيام . قام الطُلاب احتراما للنائب . - جلوس . جلسوا جميعا . نادى النائب على الطالب حُسام , موجود ؟ - نعم أستاذ . - تعال معي . - الطالب فؤاد موجود ؟ - نعم موجود . - تعال أنت أيضا . ثُمّ توجّه معهما إلى غرفة المُدير . وأحمد لا يعرف ماذا يحصل , فحسام وفؤاد من أعز أصدقائه . لم تمض ربع ساعة , حتى عاد الاثنان , سار كل واحد منهم إلى مقعده بعد استئذان المُدرّس , وجلسا بهدوء , دون أن يظهر عليهما أي توتر , أو إشارة غير اعتيادية . كانا مُبتسمين كالعادة .
بعدَ انتهاء الحصّة الأولى , تعوّد الطلاب على تحضير كتاب الحصّة الثانية , والكشكول مع دفتر الواجب , أو كل ما يتعلّق بالحصّة التالية , بهدوء , وبِدون همس . فمن أراد أن يتكلّم , عليه أن يطلب الاذن من العريف , وهو أحد الزملاء المعروفين بحسن السيرة والسلوك , يختاره مربي الصف , ليقف أمام الطلاب يُراقبهم خمسة دقائق , التي تفصل بين حصّة وأخرى , وكلّ من يُحدث شغبا , ما عليه إلا أن يُسجل اسمه على اللوح . تفاجأ الطُلاب بفؤاد , يتقدم نحو اللوح , مُعلنا عن نفسه العريف لهذا اليوم . ومن المعروف أن فؤاد , وصديقه حسام , مُشاغبان من الدرجة الأولى . أراد أحمد أن يتكلّم , فمنعه فؤاد فورا , وطلب منه الصمت . استغرب أحمد من تصرف صديقه , ما الذي يحدث ؟ قال في نفسه , ولكنه لاذ بالصمت وأذعن . تابع أحمد الحصص الثلاث الأولى وهو شارد الذهن , يُفكّر في الأحداث الغريبة التي مرت به منذ الصباح الباكر , لحظة خروجه من الخان , ولغاية الفُسحة الأولى , ما إن قرع الجرس مُعلنا انتهاء الحصّة الثالثة , والخروج إلى الفُسحة , حتى توجّه فورا إلى سامي , ليجد صديقيه فؤاد وحُسام يقفان فوق رأسه , ويطلبان منه عدم الحديث إلى سامي مُطلقا , واقتاداه إلى الخارج , ومِن ثَمّ أدخلاه إلى غُرفة الباحثة الاجتماعية . لم يكن هُناك أحد , وكأنّ الأمر مُدبّرٌ له . نظر أحمد في ريبة إلى صديقيه , لكنّ فؤاد بادر بالحديث قائلا : اسمع يا أحمد , نحن أصدقاء منذ فترة طويلة , أكلنا وشربنا مع بعضنا البعض , قمنا بعمل أشياء قبيحة , وذهبنا إلى أماكن مشبوهة من وراء أهلنا , تصرفنا كأولاد الشوارع , واتهمنا أبرياء بأعمالنا القذرة , مثل تنفيس دواليب السيارات , وكسر بلور المدرسة , وتحطيم زجاج سيارة الأستاذ عُمر مُربي الصف . المُدير على علم بكل هذه الأمور , كيف عرف , لا تسألني , لكنه واجهني أنا وحُسام بكُلّ هذه الأعمال , وسامحنا بشرط واحد , أن نُقنعك بالتنازل عن نصف المبلغ لسامي , وإلا .... وإلا ماذا يا فؤاد ؟ سأل أحمد . – وإلا سنتركك وحدك , ولن نعود أصدقاء بعد اليوم . عاد أحمد ليؤكد لأصحابه أن النقود كلها له , وليس من حق سامي شيء منها . فجاء حُسام , ووضع كفه على كتف أحمد , وتحدّث معه بأسلوب لطيف : اسمعني جيدا يا صديقي , وافهم , سامي ولدٌ مدعوم من الهيئتين , الادارية والتدريسية , وهو محبوب من قبل كل الطلاب , ومعروف عنه الصدق والنزاهة , نحن لا نستطيع أن نقف في وجه هؤلاء جميعا . لكنّ أحمد كان عنيدا جدا , وأصرّ على موقفه الرافض للتنازل , ولو عن فلس واحد من نقوده . فأجابه رفيقاه : أنت وشأنك , لقد نصحناك , فرفضت النصيحة . نحن قُمنا بواجبنا وزيادة , ثُمّ تركاه وذهبا في حال سبيلهما . فانطلق أحمد غاضبا يبحث عن سامي , فتقدّم إليه ليضربه , لكنه فوجيء بمجموعة كبيرة من الطُلاب يُحيطون به , ومن ضمنهم فؤاد وحُسام , وهددوه إن لمس شعرة من سامي فلا يلومَنّ إلا نفسه . فأصبح أحمد منبوذا من الجميع , لا أحد يُكلّمه , لا أحد يُشاركه طعامه , لا أحد يقترب منه , الجميع ينظر إليه باحتقار وازدراء , حتى المُدرسين , عاملوه بقسوة طوال الوقت . مضى على هذا الحال أسبوع , حتى كاد أحمد أن يُفارق المدرسة . ولكن ماذا سيقول لوالده ؟ وماذا سيفعل لو ترك المدرسة ؟ من المؤكد أن أبوه سيحرمه من المصروف , وسيُرغمه على العمل في مزرعته كعامل سخرة . فقرّر أن يتفاوض مع سامي , على الأقل , لو استرجع نصف ماله أفضل من ضياعه كله , ناهيك عن المقاطعة التي فرضها عليه زملاؤه ومدرسوه . فجاء أصدقاءَه القُدماء فؤاد وحُسام , وطلب منهم التوسط عند سامي للقبول باقتراحه . ففرح الصديقان بهذا القرار , وتوجها فورا إلى سامي , وعرضا عليه المشروع . فوافق بشرط : أن يتنازل سامي فقط عن ثلث المبلغ , وأن يأتي أحمد في اليوم التالي , ويقف أمام الطُلاب والمعلمين والمُدير , حتى المراسل والفراش , في طابور الصباح , وأن يعتذر أحمد أمام الجميع , ويُعلن أن سامي ليس لصا , وأنّ نصيبه من المبلغ سبعة دنانير .
لم يعد أمام أحمد من خيار , سوى الامتثال لمطالب سامي , فوقف أمام الجميع في اليوم التالي , واعتذر لسامي على رؤوس الأشهاد , واعترف له بثُلُثي المبلغ .
عندها , انتفش ريش سامي , وتهللت أسارير وجهه , ووقف أمام الجميع مُعلنا : أنا سامحت أخي وزميلي أحمد من كل قلبي , رغم أنه كذب على الجميع , اتهمني بالسرقة , وادعى أن النقود له طوال أسبوع , ها هو يعترف أمامكم جميعا بأنّها لي . أريد أن أحكمكم , وأحكم ضمائركم , فأنا أثق بكم , وسأنفذ قراركم مهما كان . هل يحق لأحمد أن يُطالب بالثلاثة دنانير , وقد كان يدعي كذبا طوال الفترة السابقة بأن الدنانير العشرة كلها له ؟ هل أنا مُجبر لإعطائه نُقودي ؟
.
.

؟

انتهى

تحياتي







 
رد مع اقتباس