كانت تحيط بقريتنا جبال شاهقة تكسوها الثلوج في فصل الشتاء بحيث تنعزل عن العالم الخارجي ويصير الخروج منـها أو ولوجها مستحيلا لرداءة حالة الطريق المتفرعة عن الطريق الرئيسية المؤدية إلى الريف شرقا وإلى تطوان غربا . وكانت الأشجار و المزارع تكتنفها من كل جانب ، فصارت مرتعا أليفا لنا . إذ كنت أنطلق منذ الصباح مع زمرة من أبناء الموظفـين وثلة من القرويـين، لا رادع يردعنا ولا من يكبح جماح شقاوتنا . نذرع الروابي ونتسلق الجبال وننحدر إلى الوادي حيث الغدران ، فنسبح ونصطاد كـل ما يقع تحت أيدينا من يمام وعصافير قبل أن نعود منهوكي القوى . وفي طريق عودتنا نجني ما طاب لنا من كرز ومشمش وتين مما يزيد في بطء خطواتنا وعيائنا . ولكن ذلك لم يكن يمنعنا من متابعة اللعب حين يحل الظلام . فنتقمص أدوار الشرطة واللصوص ويـلذ لنا الاختباء فوق أغصان الأشجار أو خلف الأسوار ليفاجئ بعضنا البعض بتصويـب المسدسات الخشبـية أو البلاستيكيـة . وكثــيرا ما كنا نختبئ قرب حديقة المنزل المهجور فيعتريني شعور بالرهبة ولذة المغامرة ، وأقضي لحظات في تأمله ، خاصة الجهة التي تظللها شجرة تين عظيمة .
ولا زلت أحتفظ ببعض الحكايات التي كان يرويها لي جدي قبل أن برحل عن هذه الدنيا ، وهي حكايات لم تزدني إلا فضولا ولهفة للاطلاع على أسرار الدار وخباياها... قال لي مرة ونحن جالسين على ضفة النهر القريب من منزلنا :
- هذا المنزل محصن ، ولن ينفذ إليه أحد مهما بلغت شجاعته .
- ألم يحاول أحد ذلك ؟
- بلى ... حاول أحد المتشردين تسلق السور للمبيت وراءه كما يبدو ، لكن...
قلت وقلبي يدق بعنف :
- لكن ماذا ؟
- لم يشعر المسكين إلا وهو يرمى بعيدا ، ليقضي أياما يئن من رضوض بجسمه لازما الفراش وهو يشير إلى ناحية السور.
- مسكين... ماذا رأى ؟
تنهد جدي وقال ساهما :
- هذا ما لا يعلمه إلا الله... وليس هذا فحسب .
وحين لزمت الصمت استطرد قائلا :.
- هذه المرة ، كان تلميذا . تغـيب في حصـة الصباح ليستكشف ما بداخـل البـيت . لكـنه لم يـكد يقتعد السور وينـظر إلى ما خلـفه حتــى أسرع بالنزول وهو يصيح طالبا النجدة... ماذا رأى ؟ الله أعلم . إنما الذي يعرفه الجميع هو أن ذلك الغـلام صار يذرع الطرقـات ملوحا تارة ومقهقها تارة أخرى و باكيا أحيانا دون أدنى سبب . وحين يصل قبالة البيت المهجور يصيح صيحة كالعواء ثم يهرول بعيدا. وسكت جدي ، ولم أعقب أنا برد ولو بسؤال ، فالتفت إلي مبتسما وقال : - هل أخفتك ؟ أريدك شجاعا ، ثم... ادن مني ، سأسر إليك بخبر سيفرحك حتما... سيكون من حقك وحدك ولوج هذه الدار . لا تقل هذا لأحد ولا تسألني عن السبب . و عاد الصمت من جديد . ولم أعد أسمع سوى حفيف الشجر وأوراقه المتساقطة . وعند أقدامنا كان النهر ينساب هادئا... كم كان الخريف جميلا . لكنه حزين . إذ ما لبث جدي أن رحل عنا وبقيت وحيدا أسترجع ذكراه وما كان يرويه لي من حكايات غريبة لا أمل سماعها . وصارت الأفكار تتقاذفني ، ويعج رأسي بتلك الحكايات التي يضاهي بعضها البعض فظاعة وغرابة . ولكن ، هل فت ذلك مــن عضدي وأخمد نار الفضول في نفسي ؟... حقا ، في بعض الأحيان كنت أشعر بدبيب الخوف يسري في أوصالي وأنا أطلق العنان لخيالي ليزيد الحكايات غموضا وهيبة ، فلا أجد بدا من الالتجاء إلى أبي لتنهال عليه أسئلتي التي غالبا ما كانت تحرجه .
ففي الوقت الذي حرص فيه على ألا أستسلم للخرافات والأساطير وألا أقع فريسة للـخوف من الجان والأشباح ، عمل جاهـدا على أن أتجنب ، كسائر أقراني ، محاولة ولوج البيت الغريب أو حتى الاقتراب منه ... سألته مرة :
- لماذا ؟ هل هو مسحور ؟
تردد قليلا ثم قال :
- كلا... لكن سقطة في حفرة أو انزلاق ... أو لدغة أفعى قد تكون خطيرة . ثم ، أنت تعلم قدم البيت وتآكل حيطانه . وهذا أيضا خطير.
- أو ضربة جني ؟
- أوه كلا... كن مسلحا بالوضوء وأكثر من تلاوة القرآن ، وهذا يكفي .