منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الدار اللي هناك ـ1ـ
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-10-2011, 06:44 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي الدار اللي هناك ـ1ـ


الدار اللي هناك

"الدار اللي هـناك" أغنـية شغـف بها جـدي كثيـرا وصارت مفضـلة عند أبي الـذي يردد مرارا أنها تذكره ببيت طالما تمنى الإقامة فيه مثلما حلم باقتـنائه العديـد من سكـان القريـة لجماله ورحابـته . ولكـم تمنـيت معرفة سـبب بقـاء ذلك البـيت مهجـورا حتـى تآكلت حيطانه وتساقط قرميده . لكنه ظـل شامخا محتفظا بكرمته المتفرعة في جميع الاتجاهات لتغطي السور العالي المحيط به وتطـل من بوابتـه التي صارت لا تكاد تبـين للقـادم نحـو القريـة من الجهـة السفلى . وكنـا نسمي هـذه الجهـة بالشط ، وهو عبارة عن جـرف سحيق يصير شلالا حين يمتلئ النهر المحاذي للقرية . وكان منزلـنا بالجهـة العلـيا حيـث الـدور الخاصـة بالجنـود . وكثـيرا ما سمعت أمي وهي تثني على القرية ، ليس لخيراتها الوفيرة فقط ، بل لأنها المكان الوحيد الذي نعمت فيه بالاستقرار بعد حل وترحال ونزوح من عدة مناطق بحكم عمل أبي كجندي بالقوات المساعدة .
كانت تحيط بقريتنا جبال شاهقة تكسوها الثلوج في فصل الشتاء بحيث تنعزل عن العالم الخارجي ويصير الخروج منـها أو ولوجها مستحيلا لرداءة حالة الطريق المتفرعة عن الطريق الرئيسية المؤدية إلى الريف شرقا وإلى تطوان غربا . وكانت الأشجار و المزارع تكتنفها من كل جانب ، فصارت مرتعا أليفا لنا . إذ كنت أنطلق منذ الصباح مع زمرة من أبناء الموظفـين وثلة من القرويـين، لا رادع يردعنا ولا من يكبح جماح شقاوتنا . نذرع الروابي ونتسلق الجبال وننحدر إلى الوادي حيث الغدران ، فنسبح ونصطاد كـل ما يقع تحت أيدينا من يمام وعصافير قبل أن نعود منهوكي القوى . وفي طريق عودتنا نجني ما طاب لنا من كرز ومشمش وتين مما يزيد في بطء خطواتنا وعيائنا . ولكن ذلك لم يكن يمنعنا من متابعة اللعب حين يحل الظلام . فنتقمص أدوار الشرطة واللصوص ويـلذ لنا الاختباء فوق أغصان الأشجار أو خلف الأسوار ليفاجئ بعضنا البعض بتصويـب المسدسات الخشبـية أو البلاستيكيـة . وكثــيرا ما كنا نختبئ قرب حديقة المنزل المهجور فيعتريني شعور بالرهبة ولذة المغامرة ، وأقضي لحظات في تأمله ، خاصة الجهة التي تظللها شجرة تين عظيمة .
ولا زلت أحتفظ ببعض الحكايات التي كان يرويها لي جدي قبل أن برحل عن هذه الدنيا ، وهي حكايات لم تزدني إلا فضولا ولهفة للاطلاع على أسرار الدار وخباياها... قال لي مرة ونحن جالسين على ضفة النهر القريب من منزلنا :
- هذا المنزل محصن ، ولن ينفذ إليه أحد مهما بلغت شجاعته .
- ألم يحاول أحد ذلك ؟
- بلى ... حاول أحد المتشردين تسلق السور للمبيت وراءه كما يبدو ، لكن...
قلت وقلبي يدق بعنف :
- لكن ماذا ؟
- لم يشعر المسكين إلا وهو يرمى بعيدا ، ليقضي أياما يئن من رضوض بجسمه لازما الفراش وهو يشير إلى ناحية السور.
- مسكين... ماذا رأى ؟
تنهد جدي وقال ساهما :
- هذا ما لا يعلمه إلا الله... وليس هذا فحسب .
وحين لزمت الصمت استطرد قائلا :.
- هذه المرة ، كان تلميذا . تغـيب في حصـة الصباح ليستكشف ما بداخـل البـيت . لكـنه لم يـكد يقتعد السور وينـظر إلى ما خلـفه حتــى أسرع بالنزول وهو يصيح طالبا النجدة... ماذا رأى ؟ الله أعلم . إنما الذي يعرفه الجميع هو أن ذلك الغـلام صار يذرع الطرقـات ملوحا تارة ومقهقها تارة أخرى و باكيا أحيانا دون أدنى سبب . وحين يصل قبالة البيت المهجور يصيح صيحة كالعواء ثم يهرول بعيدا. وسكت جدي ، ولم أعقب أنا برد ولو بسؤال ، فالتفت إلي مبتسما وقال : - هل أخفتك ؟ أريدك شجاعا ، ثم... ادن مني ، سأسر إليك بخبر سيفرحك حتما... سيكون من حقك وحدك ولوج هذه الدار . لا تقل هذا لأحد ولا تسألني عن السبب . و عاد الصمت من جديد . ولم أعد أسمع سوى حفيف الشجر وأوراقه المتساقطة . وعند أقدامنا كان النهر ينساب هادئا... كم كان الخريف جميلا . لكنه حزين . إذ ما لبث جدي أن رحل عنا وبقيت وحيدا أسترجع ذكراه وما كان يرويه لي من حكايات غريبة لا أمل سماعها . وصارت الأفكار تتقاذفني ، ويعج رأسي بتلك الحكايات التي يضاهي بعضها البعض فظاعة وغرابة . ولكن ، هل فت ذلك مــن عضدي وأخمد نار الفضول في نفسي ؟... حقا ، في بعض الأحيان كنت أشعر بدبيب الخوف يسري في أوصالي وأنا أطلق العنان لخيالي ليزيد الحكايات غموضا وهيبة ، فلا أجد بدا من الالتجاء إلى أبي لتنهال عليه أسئلتي التي غالبا ما كانت تحرجه .
ففي الوقت الذي حرص فيه على ألا أستسلم للخرافات والأساطير وألا أقع فريسة للـخوف من الجان والأشباح ، عمل جاهـدا على أن أتجنب ، كسائر أقراني ، محاولة ولوج البيت الغريب أو حتى الاقتراب منه ... سألته مرة :
- لماذا ؟ هل هو مسحور ؟
تردد قليلا ثم قال :
- كلا... لكن سقطة في حفرة أو انزلاق ... أو لدغة أفعى قد تكون خطيرة . ثم ، أنت تعلم قدم البيت وتآكل حيطانه . وهذا أيضا خطير.
- أو ضربة جني ؟
- أوه كلا... كن مسلحا بالوضوء وأكثر من تلاوة القرآن ، وهذا يكفي .
كان هذا رأي أمي التي كثيرا ما كانت تتوقف عن أي عمل لتشارك أبي توجيهاته وتكون له خير معين لإقناعي ، فتعقب قائلة: - لا تنس أن الشجاعة شيء والتهور شيء آخر..." ثم تصمت مدركة فهمي لتلميحها .
ويبدأ الموسم الدراسي ، فألتقي بزملائي و يتجدد التنافس على أشده خصوصا بيني وبين لطيفة بنت القائد . لكني في يوم الدخول المدرسي كنت شارد الذهن ، مشتت الأفكار. فلم أنتبه لكلمات الفتاة التي غالبا ما كانت تستفزني فأرد عليها بقسوة تجعلها تبكي وتهـرع لتشكوني لأمها أو لأمي ، لكن لا أحد يعير اهتماما لخصوماتنا الصبيانية ، اللهم بعض العتاب من زوجة القائد حين نكون جميعا في نزهة فتقول ضاحكة :" لقد اشتكتك عروسك... وعليك بمصالحتها " ، فيحمر خداي وتلوي هي برأسها امتعاضا .






 
رد مع اقتباس