وإعجاز القرآن أظهر ما يظهر في فصاحته وبلاغته وارتفاعه إلى درجة مدهشة. ويتجلى ذلك في أسلوب القرآن المعجِز، فإن ما في أسلوبه من الوضوح والقوة والجمال ما يعجز البشر عن أن يصلوا إليه.
والأسلوب هو معانٍ مرتبة في ألفاظ منسقة، أو هو كيفية التعبير لتصوير المعاني بالعبارات اللغوية. ووضوح الأسلوب يكون ببروز المعاني المراد أداؤها في التعبير الذي أديت به (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تَغلبون). وقوة الأسلوب تكون باختيار الألفاظ التي تؤدي المعنى بما يتلاءم مع المعنى. فالمعنى الرقيق يؤدى باللفظ الرقيق، والمعنى الجزل يؤدى باللفظ الجزل، والمعنى المستنكر يؤدى باللفظ المستنكر.. وهكذا، (ويُسقَوْن فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً عيناً فيها تسمى سلسبيلاً)، (إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآباً لابثين فيها أحقاباً)، (تلك إذن قِسمة ضيزى)، (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير). أمّا جمال الأسلوب فيكون باختيار أصفى العبارات وأليقها بالمعنى الذي أدته، وبالألفاظ والمعاني التي معها في الجملة والجمل (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلهِهم الأمل فسوف يعلمون).
والمتتبع للقرآن يجد الارتفاع الشامخ الذي يتصف به أسلوبه وضوحاً وقوة وجمالاً. اسمع هذا الوضوح والقوة والجمال (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثانيَ عِطفه ليُضِل عن سبيل الله)، (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قُطّعت لهم ثياب من نار يُصَب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود. ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غَمّ أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق)، (يا أيها الذين الناس ضُرب مَثلٌ فاستمعوا له إن الذين تَدْعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضَعُف الطالب والمطلوب).
والقرآن طراز خاص من التعبير، ونظْمه ليس على منهاج الشعر الموزون المقفّى، ولا هو على منهاج النثر المرسل، ولا هو منهاج النثر المزدوج أو النثر المسجوع، وإنما هو منهاج قائم بذاته لم يكن للعرب عهد به ولا معرفة من قبل.
وكان العرب لفرط تأثرهم بالقرآن لا يدرون من أي ناحية وصل إلى هذا الإعجاز. فصاروا يقولون: (إنّ هذا لسحر مبين)، ويقولون إنه قول شاعر وإنه قول كاهن. ولذلك رد عليهم الله فقال: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكّرون).
وكون القرآن طرازاً خاصاً ونسيجاً منفرداً، واضح فيه كل الوضوح. فبينما تجده يقول: (ويُخزِهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين)، ويقول: (لن تنالوا البرّ حتى تُنفقوا مما تحبّون)، مما هو نثر قريب من الشعر، إذ لو نُظمَت الآيتان لكانتا بيتين من الشعر هكذا:
ويخزهم وينصركم عليهم............. ويشفِ صدور قوم مؤمنين
لن تنالوا البر حتى............ تنفقوا مما تحبّون
ولكنهما ليستا شعراً وإنما هو نوع من النثر فريد. وفي الوقت الذي تجد القرآن يقول هذا النوع من النثر، تجده يقول: (والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إنْ كلّ نفس لمّا عليها حافظ فلينظُر الإنسان ممَّ خُلق خُلق من ماء دافق يخرج من بين الصُلب والترائب) مما هو نثر بعيد عن الشعر كل البعد. وبينما تجده يقول: (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله)، (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ ويسلّموا تسليماً) فيطيل الفقرة والنَفَس في النثر، تجده يقول: (والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاّها واليل إذا يغشاها) فيقصر الفقرة والنَفَس في النثر، مع أن كلاً منهما نثر في فقرات فقرات. وبينما تجده يبدع في النثر المرسَل فيرسِل في القول فيقول: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومِن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرّفون الكَلِم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تُأتوه فاحذروا ومن يُرِد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، أولئك الذين لم يُرِد الله أن يطهّر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)، تجده يُبدع في النثر المسجع ويسجع فيقول: (يا أيها المدّثّرقم فإنذِر وربك فكبِّر وثيابك فطهِّر والرُجزَ فاهجُر ولا تَمنُن تستكثِر ولربك فاصبِر)، وتجده يتسامى في الازدواج ويزدوج فيقول: (ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لتروُنّ الجحيم)، وتجده يطيل الازدواج فيقول: (قُتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه، من نطقة خلقه فقدَّره، ثم السبيل يسّره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره، كلاّ لمّا يقضي ما أمره. فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صباً، ثم شققنا الأرض شقاً، فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضباً، وزيتوناً ونخلاً، وحدائق غُلباً، وفاكهة وأبّاً)، وبينما يسير في سجعة معينة إذا هو يعدل عنها إلى سجعة أخرى، فبينما يكون سائراً بالسجع هكذا (فإذا نُقِرَ في الناقور، فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين غير يسير) إذا هو يعدِل في الآية التي بعدها مباشرة فيقول: (ذرني ومن خلقتُ وحيداً، وجعلت له مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً، ثم يطمع أن أزيد، كلا إنه كان لآياتنا عنيداً، سأرهقه صعوداً) ثم يعدل عن هذه السجعة إلى غيرها في الآية التي بعدها مباشرة فيقول: (إنه فكر وقدّر، فقُتل كيف قدّر، ثم قُتل كيف قدّر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر)، وهكذا، تتبَّعْ جميع القرآن لا تجده ملتزماً شيئاً مما في أسلوب العرب من شعر أو نثر على مختلف أنواعهما ولا يشبه أي قول من أقوال العرب، ولا يشبهه أي قول من أقوال البشر.
ثم إنك تجد أسلوبه واضحاً قوياً جميلاً يؤدي المعاني بكيفية من التعبير تصوّر المعاني أدق تصوير. فتجده حين يكون المعنى رقيقاً يقول: (إن للمتقين مفازاً، حدائق وأعناباً، وكواعب أتراباً، وكأساً دهاقاً) من الألفاظ الرقيقة والجمل السلسلة. وحين يكون المعنى جزلاً يقول: (إن جهنم كانت مرصاداً، للطاغين مآباً، لابثين فيها أحقاباً، لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، إلاّ حميماً وغسّاقاً، جزاءً وِفاقاً) من الألفاظ الفخمة والجمل الجزلة. وحين يكون المعنى محبَّباً يأتي باللفظ المحبَّب فيقول: (ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سُجّداً)، وحين يكون المعنى مستنكراً يأتي باللفظ المناسب لهذا المعنى فيقول: (ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذن قسمة ضيزى)، ويقول: (واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير). وقد صاحَب تأدية المعاني بهذه الكيفية من التعابير التي تصوّر المعاني مراعاة للألفاظ ذات الجرس الذي يحرك النَفَس عند تصورها لهذه المعاني وإدراكها لها. ولذلك كانت تبعث في السامع المدرِك لعمق هذه المعاني وبلاغة التعبير خشوعاً عظيماً حتى كاد بعض المفكرين العرب من البلغاء أن يسجدوا لها مع كفرهم وعنادهم.
ثم إن المدقق في ألفاظ القرآن وجمله يجد أنه يراعي عند وضع الحروف مع بعضها، الأصوات التي تحدث منها عند خروجها من مخارجها، فيجعل الحروف المتقاربة المخارج متقاربة الوضع في الكلمة أو الجملة. وإذا حصل تباعد بين مخارجها، فَصَل بينها بحرف يزيل وحشة الانتقال. وفي نفس الوقت يجعل حرفاً محبَّباً من مخرج خفيف على الأذن يتكرر كاللازمة في الموسيقى، فلا يقول "كالباعق المتدفق" وإنما يقول: (كصيّب)، ولا يقول: "الهُعْخع" وإنما يقول (سُندُس خُضر)، وإذا لزم أن يستعمل الحروف المتباعدة/ وَضَعها في المعنى الذي يليق بها ولا يؤدي المعنى غيرها مثل كلمة (ضيزى)، فإنه لا ينفع مكانها كلمة ظالمة ولا جائزة مع أن المعنى واحد. ومع هذه الدقة في الاستعمال، فإن الحرف الذي يجعله لازمة، يرِد في الآيات واضحاً في التردد، فآية الكرسي مثلاً ترددت اللام فيها ثلاثاً وعشرين مرة بشكل محبَّب يؤثر على الأذن حتى ترهف للسماع وللاستزادة من هذا السماع.
وهكذا تجد القرآن طرازاً خاصاً، وتجده ينزل كل معنى من المعاني في اللفظ الذي يليق به، والألفاظ التي حوله، والمعاني التي معه، ولا تجد ذلك يتخلف في أية آية من آياته. فكان إعجازه واضحاً في أسلوبه من حيث كونه طرازاً خاصاً من القول لا يشبه كلام البشر ولا يشبهه كلام البشر. ومن حيث إنزال المعاني في الألفاظ والجمل اللائقة بها، ومن حيث وقع ألفاظه على أسماع من يدرك بلاغتها ويتعمق في معانيها فيخشَع حتى يكاد يسجد لها, وعلى أسماع من لا يدرك ذلك فيأسره جرس هذه الألفاظ في نسق معجِز يخشع له السامع قسراً ولو لم يدرك معانيه. ولذلك كان معجزة وسيظل معجزة حتى قيام الساعة.