وجود حالة للطبيعة مقابل حالة المجتمع
أما القول بوجود حالة للطبيعة في مقابل حالة المجتمع فيرى هؤلاء الفلاسفة و المفكرون أن الانسان قد مر بحالتين : حالة كان عليها قبل أن يدخل المجتمع , فكان يعيش في الطبيعة بموجب قوانين هذه الأخيرة و حدها , وحالة ثانية لاحقة أصبح عليها بعد ان انتقل الى العيش داخل المجتمع , ويسلك وفقا لأوامره و ضوابطه ,.والحالتان متناقضتان كليا , وهذا ما يتفق عليه هؤلاء الفلاسفة و المفكرون على اختلاف اعتقاداتهم ولكنهم يختلفون حول طبيعة تلك الحالة ذاتها :
حيث يرى بعض أولئك أن حالة الطبيعة هذه كلها حالة شقاء و بؤس , فهي حالة الحرب المطلقة المتصلة , وهي حالة يكون فيها الانسان " ذئبا مقابل الانسان الآخر " , فالانسان يعيش في هذه الحالة بموجب قانون واحد هو قانون " الحق الطبيعي " , وهذا القانون الأخير يعطي كل انسان " كامل الحق في ممارسة قدرته الشخصية من أجل حفظ طبيعته الخاصة , أو بتعبير آخر من أجل حفظ حياته الخاصة ".
فلا ضوابط ولا موانع تقوم في وجه هذا الحق سوى ضوابط القوة , وهذه لا حدود لها ما دامت متفاوتة و مختلفة من أجل الحصول على الشيء الواحد , فلا بد أن يؤول الامر بهما الى العداوة متى لم يكن بامكانهما أن يستتمتعا بذلك الشيء بكيفية مشتركة , ولذلك أنه " إذا زرع الانسان ما زرعا أو ابتنى بنيانا من آخرين , من بني جلدته , يقبلون عليه و قد وحدوا قواهم و تأهبوا لكي ينتزعوا منه ما يملكه " .
كما يرى هؤلاء أن هناك في الطبيعة قوانين " وقانون الطبيعة مبدأ , أو قاعدة عامة اكتشفها العقل , و بموجبها يحرم على البشر أن يفعلوا كل ما شأنه أن يؤدي الى تدمير حياتهم " أي أن قانون الطبيعة هذا يعني من وجهة نظرهم ذك القانون الذي يقضي بأن علي أن أعامل الناس على النحو الذي أحب أن يعاملوني به , و لذلك فإن " العدالة و المساواة و الاعتدال و الرحمة " مفاهيم تندرج كلها في قوانين الطبيعة , في مقابل ذلك يكون " الانحياز و الانتقام و الخيلاء وما إلى ذلك " من مضادات تلك القوانين , لأنها منفرة , لذلك لا يوجد من سبيل آخر من أجل منع ظلم البعض من الناس سوى سلطان القوة , ولا سبيل لرفع هذا الحيف إلا في البحث عن صيغة جديدة من العيش و الوجود , فلا بد من القول بوجوب الانتهاء الى " إقرار تعاقد إجتماعي " بين الموجودين داخل المجتمع الواحد .
هذه خلاصة فكرة حالة الطبيعة التي تمخض منها ما يسمى " المجتمع المدني " , وعند التدقيق في واقع هذه المقولة ومدلولها يتبين أنهم انطلقوا في نظريتهم هذه من نظرتهم الخاطئة للمجتمع حيث يرى جمهور المفكرين الغربيين أن المجتمع يدخل فيه المكان كالمدينة مثلا , والمدينة هي البلدة الكبيرة المسورة , وهذا الواقع مأخوذ من نظرة الفلاسفة القدماء كأرسطو و أفلاطون إلى الدولة و المجتمع حيث لم يتصوروا الدولة بدون المدينة , ولا المدينة بدون دولة , ولذلك تشكل المدينة الدولة كما تشكل المجتمع , ولا يمكن تصور المجتمع لإو الدولة بمعزل عن المدينة , وبالتالي كل من يعيش خارج هذه المدينة فهو يعيش خارج المجتمع , ويقولون أن الانسان قبل أن يكتشف الزراعة لم يكن يعيش داخل حدود معينة لمدينة محدةة , و إنما كان يعيش على الأرض بشكل عشوائي , في حالة أقرب الى المشاعية , إلى أن اهتدى الى الزراعة و أقام المحميات و توطن الناس و نشأت المدن و بالتالي نشأ المجتمع .
و إذا درسنا حال الانسان و واقع المجتمع يتبين بوضوح تام خطأ هذه النظرة للإنسان و المجتمع , فالانسان كائن اجتماعي لا يمكنه العيش بمعزل عن غيره من بني البشر لذلك خُلق الانسان و فيه غريزة حب البقاء , والتي من مظاهرها التكتل و التجمع , لذلك كان اجتماع الناس طبيعيا و حتميا .
غير أن هذا الاجتماع لا يجعل منهم مجتمعا , و انما يجعل منهم جماعة , أما إذا نشأت بينهم علاقات لجلب المصالح و دفع المفاسد , و توحدت نظرتهم الى هذه العلاقات بتوحيد أفكارهم , و بتوحيد رضاهم وسخطهم , و توحدت معالجتهم لهذه العلاقات بوجود سلطة تنفذ تلك المعالجات تحول التجمع من جماعة الى مجتمع , ولذلك كان لا بد من النظر الى الافكار و المشاعر و الأنظمة عند دراستنا للمجتمع , لانها هي التي تجعله مجتمعا معينا , لذلك تكون نظرة الفلاسفة و المفكرين الغربيين الى المجتمع من إدخال المكان و الارض " الطبيعة " مخالفة لواقع المجتمع , فهي خطأ محض .
هذا من جهة , ومن جهة أخرى فإن غريزة البقاء تدفع الانسان للتجمع و العيش جماعات ليتمكن من الانتفاع بغيره كما ينتفع الغير منه , وهذا التجمع يأخذ أنماطا مختلفة و أشكالا متعددة سواء كان ذلك على شكل قبائل مرتحلة , أو على شكل قوى متباعدة , أو مدنا كبرى تسور بأسوار . فإذا توحدت بينهم العلاقات التي تنظم مصالحهم كانوا مجتمعا بغض النظر عن مكان سكنهم . أما حالة الطبيعة التي يقول بها الفلاسفة فإنها بحث في غير واقع , وحالات الضلال التي مر بها الانسان و انحط فيها عن قيمته الانسانية الى المستوى الحيواني , لا يمكن بأي شكل من الاشكال أن تكون أساسا للابحاث الانسانية .
وعلى ذلك لا توجد تلك الحالة الموصوفة عند فقهاء الحق الطبيعيي للغربيين من أن الانسان قد مر بحالتين , حالة قبل ان يدخل المجتمع وحالة لاحقة أصبح عليها بعد ان انتقل الى داخل المجتمع , ويسلك فيها وفقا لأوامره و ضوابطه .اذ ان الانسان منذ وجوده على هذه الارض اسس المجتمع الانساني بقيادة آدم عليه السلام , و بالرغم مما تلا ذلك من انحرافات إلا أن الانسان بقي يعيش في مجتمع بغض النظر عن العلاقات السائدة فيه سواء كانت راقية او منحطة , مهتدية أو ضالة .
........... يتبع