القدير ربيع عبد الرحمن
ألقيت مفاتيح كثيرة للقارىء في سردك، يلتقطها أثناء سيره ومتابعة القراءة، وهذا أمرٌ يفعله كل قاص متمكن، ولأنك لست كأي قاص متمكن .. وأشهد، فقد كان لكل مفتاحٍ أكثر من باب للتأويل، وإن كانت الفكرة العامة للنص واحدة.
واسمح لي أيها القدير أن أمضي في رحلتي عبر ايحاءات ودلالات نصك كيفما أردت، وأن ألتقط مفاتيحك التي تعثرت بها عيناي، وأتوجه لأبواب التأويل التي ظهرت ملامحها عندي.
مشهد لم يكتمل
العنوان يشي برؤية القاص للمشهد من زاويته، واستخدامك لـ ( لم ) فيه دلالة عمق الرؤية المستقبلية لما هو آت (التشاؤم الذي يفرضه الواقع المعاش).
وحصر المشاهد في ( مشهد ) فيه دلالة التكرارية، في أمكنة مختلفة، والمشهد واحد.
كان في قلب السوق، حين زأرت
الشخصية والبيئة المكانية والبيئة الزمانية وبداية الحدث في بضع كلمات ..
( كان )
يتساءل القارىء عن هويته، وهويتها الضمير في ( زأرت ).
حين نقرأ كلمة السوق يخطر في بالنا تجمع من الناس/ حركة / حياة / أفعى وإن زأرت..!
( زأرت)
الزئير في قلب السوق ياقبله خوف، ورعب، وتشتت للجمع، ومرتبطٌ بالمخالب والأنياب، والدماء.
( مزقت قميصه من دبر )
هذه الجملة تأخذني للحظات إلى قصة سيدنا يوسف عليه السلام، ومغزاها
إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
( الدبر ) تعني الخيانة، مسبوقةً بالقوة والعنف ( أنيابها ) / ( زأرت ) ، وتقودني إلى المرأة / الحياة / الغواية، وتقودني أيضاً إلى صدق المغدور/ الشخصية .
( وبعض لحم من جسده النحيل )
تقودني هذه الجملة إلى حجم العنف والقوة وبالغ الأثر من جهة ، ومن جهة أخرى تقودني كلمة ( النحيل ) إلى الضعف للشخصية المغدورة من الخلف/ تضاعف حجم الألم والأثر البليغ.
( ثم دنت من أذنه هامسة برقة: " أنت بخير .. أليس كذلك ؟! )
هي قوية، وفتاكة، وغادرة، وهو نحيل، ومغدور
ثم يأتي فعل ( دنت من أذنه هامسة برقة )
دلالة واضحة على الجبروت، والخبث، والتعطش للمزيد من الفتك، رأيتها قوة لا رادع لها، وخبث دنيا / امرأة.
( طأطأ مذهولاً، وهو يتصفح وجه السوق )
أفهم كقارىء سبب طأطأته بعد كل هذا العنف، بيد أن ذهوله يتصفح وجوه السوق، قادني إلى حسرة، خيبة أمل .. ولكن لماذا ..؟
( يشهد إبحارها في لؤم نظراتها الزائغة، بين ما يحدث، وتعمد الانصراف )
هذه الجملة جاءت لتفصح عن سبب الذهول، تخيلت المشهد أخي ربيع، ( إبحارها ) ( نظراتها الزائغة )، فهي تمعن في إجرامها امام الحاضرين، و ( نظراتها الزائغة ) الحائرة / المتعطشة، والذهول من هؤلاء الذين يرون المشهد ولا يحركون ساكناً، و ( يتعمدون ) الانصراف .
وصف الانصراف بالتعمد دليل على عدم الخوف عندهم، وإنما هم شركاء في الجريمة.
هنا تغيرت نظرتي للضمير ( هي ) ..
ثم
( زأرت مرة أخرى، وأتت بكبده في قبضتها، ثم لاكته، ودنت من اذنه وهي تتفتت برقة:
" قل إنك بخير .. لا بد أنك بخير ".
المشهد عظيم، والجمع انصرف إلاّ قليلاً منهم / الخونة .
( مرةً أخرى ) / هجمة اخرى / اعتداء آخر ، فأي عضو هذه المرة ستنال منه بعد أن انصرف الجمع إلا قليلاً ..؟!
( وأتت بكبده في قبضتها، ثم لاكته )
هذه الجملة تقودني إلى قصة سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه ،وهند بن عتبة قبل إسلامها.
الانتقام الشرس، بعد الغدر ( من دبر ).
والكبد هو رمز آخر، ( فلذة الكبد ) ( حشاشة الكبد ) وجسد الأمة ، وفلسطين كبدها.
ثم فعل الأمر ( قل أنك بخير ) ما زال للحقد بقية / الإسلام
( لا بد أنك بخير ) / الطمع / عدم وجود الرادع / الغدر.
الفاصل الذي وضعته أ . ربيع
.........
كأنه فاصل زمني، أو هكذا رأيته / حقبة أخرى / امتداد آخر لمأساة هذا الجسد ..
( حين كان على وشك السقوط، حالت أذرع السوق دون انهياره؛ رغم أنها من أفسحت لها الطريق ، أرشدتها إليه، وتدري ما ستفعل؛ من وقت مر الليلة الماضية المخبر الأكثر شهرة بالحارة، واختفى بها في زاويةٍ خربة! )
سقطت فلسطين/ كبد الأمة، وتداعى الجسد ( كالجسد الواحد )
( حين كان على وشك السقوط ) / ظرفية الزمان والحالة التي وصل إليها الجسد بعد ما مر به
( حالت أذرع السوق دون انهياره )
محاولات يائسة / شبه مستحيلة / لعدم الوصول للانهيار التام .
مِنْ مَن ..؟
( رغم أنها من أفسحت لها الطريق ) الخونة من العرب، ثم تضاعف الخيانة هنا ( أرشدتها إليه )، فهل كان عن جهل منها ..؟ ( وتدري ما ستفعل )
الدراية ، و ( ســ ) تفعل / دلالة على قصر الزمن لحدوث الانهيار/ خيانة مضاعفة .
منذ متى ..؟
( من وقت مر الليلة الماضية ) / الحقبة الزمنية، والليلة الماضية تعبيراً عن تسارع الأحداث كما يراها السارد.
( المخبر الأكثر شهرة بالحارة ) / دولة بني صهيون، والشاهد ( بالحارة ) / قرب المسافة .
( واختفى بها في زاوية خربة). المؤامرة، والخربة دلالة على نجاسة هذه المؤامرة.
الفاصل الذي وضعته أ . ربيع
.........
كأنه فاصل زمني آخر، أو هكذا رأيته / حقبة أخرى / امتداد آخر لمأساة هذا الجسد ..
( بينما الدماء ترسم خطوطاً على وجهها وثيابها. كانت تعود قاصدةً آخر ما يحمل، لكنها لم تجده حيث كان، فزأرت وهي تسدد نظرات نارية، تجاه رجل شرطة يتعمد الانشغال، بضرب أحد الصبية بحزام غليظ )
أما وقد سفكت ما سفكت من الدماء الطاهرة، وقد فُضح أمرها ولم يعد ستراً، وبان خبثها ( أنت بخير )..
أما وقد لاكت كبد هذا الجسد، وسقطت فلسطين صريعةً ..
ما فعلت ..؟!
كانت تعود قاصدةً آخر ما يحمل / الاسلام والمخلصين من الأمة / ما تبقى من ثروات هذه الأمة / الجسد .
ولأنها تشتهي تمزيق ما تبقى، زأرت وهي تسدد نظرات نارية، نحو من ..؟
نحو أذنابها ( رجل شرطة ) وفي النكرة استثناء من الكل.
فوجدته يتعمد الانشغال بضرب أحد الصبية بحزام غليظ / أعلان الولاء والخنوع والطاعة لها في جبروت على أحد الصبية، ( الصبية ) / ضعف الحال، بحزام غليظ .. الامعان في الولاء ..
( تهمس فيما ظنته أذناً : لا تظن أني احقد عليك .. لا تظن أنــ .. فأنا ... )
هل حقاً هي لا تحقد عليك / علينا .. ؟!
هل هي تريد مصلحتنا، وحمايتنا .. حقاً .؟!
يبقى السؤال الأخير ..
من هي ..؟
وللقارىء حرية الاستنباط من النص ..
ورأيي بأنها امريكا وأعوانها في كل مكان .
عاجزٌ أنا على صياغة انبهاري بهذا النص أيها المبدع والقاص الاستثنائي أ. ربيع
أنت مدرسة قائمة بحد ذاتها، وأنا طالب علمٍ أمام عبقرية نصك هذا ..
اعذر أخاك عدي إن جانب الصواب، وحسبي اني اجتهدت.
أرفع لك القبعة، وانحني احتراماً لك.
المخلص عدي بلال