منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - شرفة
الموضوع: شرفة
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-05-2015, 11:15 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالرحيم التدلاوي
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم التدلاوي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالرحيم التدلاوي غير متصل


افتراضي شرفة


في الوقت الذي كنت فيه منشغلا بسؤال محير: هل سكني في هاته الشقة المطلة على هذا الشارع الرحب بفعل لقاءاتي الفاشلة أم أن لقاءاتي الفاشلة كانت لأني أقطن هاته الشقة الملعونة؟ ظهر في بداية الشارع المرح بصمته شاب في الثلاثينيات من عمره يعتمر قبعة سوداء، و يضع معطفا داكنا يمتد إلى ما تحت ركبتيه، و يرتدي "سريدة" صوفية غامقة تطل من أعلاها ياقة قميصه الأزرق السماوي، و ينتعل حذاء أسود طويل الساق، اعترتني غرابة اللباس: أفي مثل هذا الفصل القائظ؟ فبرودة الصباح لا تبرره إطلاقا. و كأن الشاب علم ما يجول في ذهني فأشار لي أن الفصل خريف و متقلب و بعد لحظات ستهب ريح قوية ستعبث بأوراقي المنبسطة على طاولتي بإغراء، و ستضيع مني إن لم أحملها إلى الداخل! ضحكت ساخرا في سري من هذا المتنبئ الجديد، هذا القادم من الوهم و الخرافة، كيف له أن يغرس الشك في ذهني؟، لن أسمح له مطلقا بخداعي. كثير من المآسي نتيجة وهم مصنوع و خداع مدروس. لكن حين داهمتني الريح لم يعد لدي شك في أني قد خرجت من فصل الصيف إلى لعنة الخريف، رايت أوراقي البيضاء تحلق متبعثرة في الفضاء. و في ما يشبه الحلم شاهدت الشاب ينتفض ؛ ثم يصير طائرا ضخما بجناحين عظيمين، طار كالبرق يلتقط الأوراق بمنقاره العجيب، و يعيدها إلى. تسلمتها منه و أنا بين الانبهار و الشكر. قفلت عائدا إلى غرفتي، ارتميت على مقعد مكتبي فاردا الأوراق عساني أجد ما أدونه. نظرت إلى المرآة المنتصبة أمامي بشموخ فهالني شحوب وجهي و كأني خارج توا من لحد قديم. ما زاد من دهشتي أني رايت نفسي فوق الفراش ممددا ، غارقا في نوم عميق. ثم رأيتني أتقلب يمينا و شمالا و كأن بي مسًّا، فقد حلمت أني أجلس على كرسي مكتبي فاردا أوراقي البيضاء باحثا عما أدونه، و قد استبد بي الفزع لما طالعني وجهي الشاحب على المرآة المنتصبة أمامي بعجرفة. ثم استيقظت جالسا على حافة السرير بقلب خافق و جسم متعرق.
و في غمرة حيرتي، و تساؤلي: من يحلم منا بالآخر؟ قرع سمعي صراخ قادم من الخارج، نهضت بفضول إلى شرفتي لأستطلع الأمر، مددت بجذعي لأتبين أكثر، مددته أكثر و إذا بي أتهاوى في هذا الفراغ المديد، بمنامتي الزرقاء . لا أعرف من أين حصلت عليها، ولا من أين جاءتني ؟ فكرت أني سأكون مادة دسمة تلوكها أفواه الناس الذين سيحضرون سقوطي المدوي، و انفجار رأسي، و تناثر أشلائي، و خاصة أؤلئك القصاصين الذين سيجدون مادة طرية لكتاباتهم حيث سأصير شخصيتهم المفضلة في نصوصهم الكارثية. تصورت حالتي و بكيت، و بدل أن اصطدم بالأسفلت، وجدتني أسقط فوق سرير ناعم كخد فاتنة أسيل، و لأجد أمامي حسناء ضالعة في الجمال، ترتدي لباسا مزركشا بهي الألوان بوجه صارم ترميني بنظرات شزراء، قالت: كنت أريد موتك انتقاما للعذارى اللواتي تمكنت منهن في غرفتك المشؤومة ، غير أني فضلت إبقاءك حيا لتعيش عذاب الضمير ..و انصرفت تاركة كلماتي معلقة في شفاهي المتيبسة. كنت في حالة من الذهول جعلتني لا أدري ما حل بي، هي الدوخة الكبرى تتلاعب بنفسي و تلبسني الحيرة السافلة.
و حين رمت النهوض أدركت أني لم أغادر فراشي الناعم، كان قلبي شديد الخفقان، و جسمي متعرقا بشدة، كل ما في الأمر أني نهضت ، و ما زلت أفكر في نهاية مناسبة لقصتي المتأبية، فقد أورثتني هما و غما، و تركتني الليل كله قائما.






التوقيع

حسن_العلوي سابقا

 
رد مع اقتباس