ليلة الأدباء الخالدين
في الليلة الثانية من رحلته البرزخية، أحسّ العابر أن الأرض من تحته قد غدت ورقة بيضاء، وأن السماء فوقه حبرٌ من نجوم.
كان الهواء نفسه قصيدة، وكل نسمة تحمل إليه رائحة كتابٍ أو صدى بيتٍ من الشعر.
مضى بخطواتٍ مترددة، حتى سمع همسًا يشبه ارتعاشة الأقلام على الورق، وصوتًا يذكّره بأن للكلمة حياةً بعد موت قائلها.
هناك، في مجلسٍ مشعّ بنورٍ غير مألوف، اجتمع الأدباء الذين عبروا من دنيا الفناء إلى خلود الكلمة. جلسوا على مقاعد من ضوء، ووجوههم مكلّلة بضياء الحكمة، يتبادلون الشعر كما يتبادل العاشقون الأنفاس.
اقترب العابر، فأدرك أنه دخل إلى سراديب الخلود… إلى ليلة لا تشبه الليالي… ليلة الأدباء الخالدين.
أبو القاسم الشابي اقترب أولًا وهمس بصوتٍ يزلزل الصمت:
"إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر."
فقال له العابر: "ما رسالتك للأمم المقهورة؟"
أجاب الشابي: "الإرادة هي الشرارة الأولى، فإذا اشتعلت فلا سلطان للظلم عليها."
ثم تقدّم إلى حافظ إبراهيم، شاعر النيل، فأنشد:
"أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنٌ
فهل ساءلوا الغوّاص عن صدفاتي؟"
فسأله العابر: "لماذا كل هذا الاعتزاز بالعربية؟"
قال حافظ: "هي روح الأمة ولسانها، بها يحيا مجدها، وبها تصان حضارتها."
وفي زاوية يلفّها الحنين، كان إبراهيم طوقان يردّد:
"موطني، موطني،
الجلالُ والجمالُ والسَّناءُ والبهاءُ في رُباك."
اقترب منه العابر وسأله: "ما الوطن في شعرك؟"
فأجاب طوقان: "الوطن ليس ترابًا فقط، بل دم يجري في العروق، وأمل يورث للأجيال."
ثم لمح غسان كنفاني، وقد حمل في عينيه غبار المنافي، فقال:
"إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين."
سأله العابر: "وكيف ترى الحرية؟"
قال كنفاني: "هي أن نعيش بكرامة، حتى لو كان الثمن حياتنا."
وعند شجرة نورانية جلس إيليا أبو ماضي يردد من شعره:
"كن جميلاً ترَ الوجودَ جميلا."
فقال له العابر: "ما سرّ دعوتك إلى التفاؤل؟"
أجاب أبو ماضي: "الحياة مرآة قلوبنا، إن أظلمت قلوبنا اسودّ الكون، وإن أشرقت أنار كل شيء."
وعند ممرٍّ آخر، وقف جورجي زيدان وقال بثبات:
"غاية التاريخ أن يمكّن الأمة من أن تعرف نفسها."
فقال له العابر: "وأنت ماذا أردت من تاريخك ورواياتك؟"
أجاب زيدان: "أردت أن أذكّر الناس بأن الأمة التي تنسى تاريخها تفقد هويتها."
وفي ركنٍ ساخر، ظهر زكريا تامر بابتسامته الماكرة يحمل كتاب صهيل الجواد الأبيض يضمه إلى صدره، وقال:
"الحرية لا تحتاج إلى أن تُترجم، إنها تُمارَس فقط."
سأله العابر: "وما دور السخرية في كتاباتك وما هي الحرية التي تنادي بها في كل ادبك؟"
قال تامر: "هي مطرقة تطرق على رأس الطغيان، وتجعل القارئ يبتسم وهو يدرك حجم المأساة."ثم تابع "الحرية ليست مجرد كلمة، بل فعل يومي يجب أن يعيشه الإنسان في جميع تصرفاته"
ثم تجلى عباس محمود العقاد، وقال بعزيمة: "العقل كالجسم، كلما أجهدته زاد قوته."
فقال له العابر: "ما غايتك من الاجتهاد المستمر؟"
أجاب العقاد: "أن يعيش الإنسان مفكرًا حرًا خير من أن يعيش تابعًا ذليلًا."
وأخيرًا، أقبل طه حسين، عميد الأدب العربي، وهو يقول: "العقل نور، والبحث عن الحقيقة هو الطريق إلى الحرية."
فسأله العابر: "وكيف ترى المعرفة؟"
قال طه حسين: "المعرفة هي أن تتحرر من الجهل، وأن تنظر إلى الإنسان كقيمة قبل كل شيء."
وهكذا غادر العابر المجلس، والليل يطوي صفحاته كما يطوي القارئ كتابًا أحبّه.
تمتم وهو يخطو في دروب البرزخ: "لقد أدركت أن الأدباء لا يموتون، إنما يتحولون إلى نجوم تهدي التائهين، وأن الكلمات التي خرجت من قلوبهم صارت جسورًا بين الماضي والمستقبل.
إنها الليلة التي علّمتني أن الفكر أخلد من الجسد، وأن الشعر أصدق من التاريخ، وأن الأمة التي تحفظ أدباءها تحفظ نفسها من الفناء."
ثم مضى، كأن صوته امتزج بأصداء من سبقوه، مرددًا في سرّه:
"هنا، في البرزخ، لا يموت مَن كتب للخلود."