✦ ارتعاشة البحر الأولى ✦
كان عمري حينها
يتراوح بين الأربع والخمس سنوات،
والذكرى ما زالت عالقة في ذهني
كطشاش ضوءٍ في آخر الحلم.
لم أتذكّرها تمامًا،
بل أخبرني بها أخي الكبير،
وكأنها حكاية تُروى لي عنّي.
في أحد أيام الصيف،
اتفقت أسرتي مع الجيران
على القيام برحلة إلى شاطئ البحر.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها البحر،
ذلك الامتداد الأزرق الذي لا ينتهي،
يلمع تحت الشمس كأنه يُغنّي.
وصلنا إلى الشاطئ،
وانشغل الكبار بترتيب الأغراض،
يفرشون الأبسطة ويُحضّرون الطعام،
بينما أنا، الطفل المندهش،
غافلتهم جميعًا
وركضت نحو البحر الذي أبهرني منظره.
لم أكن أعرف شيئًا عن الخطر،
ولا عن عمق الماء،
فقط أردت أن أكون جزءًا
من تلك الموجات التي تتراقص أمامي.
ألقيتُ بنفسي في الماء،
كما يروي أخي،
دون أن ينتبه أحد.
وبعد لحظات من الغياب،
افتقدوني.
انتبه رب أسرة جيراننا إليّ وأنا أغرق،
فهرع نحوي،
يركض بكل ما أوتي من خوف،
ومدّ يده لينتشلني من بين الأمواج.
نجوت بفضل الله،
وبفضل تلك اليد التي امتدت في الوقت المناسب.
ومنذ ذلك اليوم،
صار البحر بالنسبة لي
ذاكرة مزدوجة:
دهشة اللقاء الأولى،
وارتعاشة النجاة.
✦ "كان يا ما كان"…
والبحرُ أول من احتضن دهشتي ✦