منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - رجل الأمن السعودي والمواطن المصري...بين النظام والعاطفة
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-11-2025, 09:10 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبد الرحيم الجزائري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبد الرحيم الجزائري غير متصل


افتراضي رجل الأمن السعودي والمواطن المصري...بين النظام والعاطفة



حين حطّت قدماي في المدينة المنوّرة، أحسست أنّ الأرض نفسها تفرش لي الطمأنينة. الهواء هناك لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل يلامس القلب كما تلامسه يد أمّ حنون. من المطار إلى الطرقات الهادئة، كنت أرى السكينة تمشي جنب المارة، كأنها فردٌ من العائلة. الناس ودودون، والكلمات تخرج من أفواههم مطمئنة كماء عذب من عينٍ في سفح جبل.

في مكة، بدا الأمر مختلفًا؛ الحشود أكثر، والوجوه من كل صوب، والقلوب تشتعل بالشوق ذاته وإن اختلفت الوجوه. السيارات تمرّ كأنها على موعدٍ لا يحتمل التأخير، وكنتُ أجد صعوبة في عبور الشارع، أتمايل بين العابرين مثل ورقة في ريحٍ عاصف.

داخل الحرم، تاهت خطواتي في اليومين الأولين. لم أكن أعرف أماكن الصلاة . كنت أظنّ أن الصلاة هنا كما في المدينة: صلِّ أينما تشاء. لكني تعلّمت سريعًا أنّ في بيت الله نظامًا صارما، رجال الأمن كانوا يوجّهونني بلطفٍ حينًا وبحزمٍ حينًا آخر، حتى إنّ أحدهم أمرني بقطع صلاتي فورًا، لأنني كنت أصلي في ممرٍّ يُعدّ طريقًا.

بعد يومين، صرتُ أعرف تلك الأروقة التي لا يهدأ فيها العبور، وصرت أتجنبها، لا خوفًا من أحد، بل احترامًا لذلك الانضباط الذي يجعل المكان قائمًا على النظام كنبضٍ متزن.

ومن هنا، حين سمعتُ عن الحادثة بين رجل الأمن السعودي والمواطن المصري، لم أرها إلا وجهًا آخر من سوء فهمٍ بسيطٍ لمكان الصلاة. الموقف كان يمكن أن ينتهي بكلمة، بنظرة، بتراجعٍ صغير. لكنّ العناد في كل مرة يُفسد الموقف.

نعم، رجل الأمن تمادى، لكنّ المصلّي أيضًا أخطأ حين أصرّ على موقفه في غير موضعه. في بيت الله، لا يكفي أن تكون النيّة خالصة، بل يجب أن تكون الخطوة في موضعها.

ذلك المشهد، في جوهره، ليس صراعًا بين شخصين، بل بين النظام والعاطفة. بين من يرى القداسة في الانضباط، ومن يراها في التلقائية. وكلاهما، بطريقته، كان يطلب القرب من الله، لكنّ الطريق أحيانًا تضيع حين يعلو الصوت أكثر من الدعاء.







 
رد مع اقتباس