منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الثقافة _عُهر _
الموضوع: الثقافة _عُهر _
عرض مشاركة واحدة
قديم 16-11-2025, 08:42 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
مُهاجر العماني
أقلامي
 
إحصائية العضو







مُهاجر العماني غير متصل


افتراضي رد: الثقافة _عُهر _

أحببتُ مشاركتكم قصة لأحد الإخوة والأصدقاء الذين بيني وبينهم صحبة،
وعلى ضوء ما أسرده من فصول نستنبط بعض الفوائد والحلول:

كان هذا الأخ كباقي الأولاد يحب اللعب ويأتي بما يأتيه أقرانه من مشاغبات وشقاوة،
حينها كنت أكبره بسنوات طويلة، وكنا في بداية الالتزام ـ
وكنا بفضل الله نستقطب الأطفال والشباب ونشركهم في الرحلات وفي التعليم،
وكان صاحبنا هذا يُقبل ويُدبر، وكان يسبب لنا صداع الرأس،
فيقوم بالضحك علينا، وبعد فترة استقر رأيه على الجلوس معنا.

ومرت السنوات حتى فقدناه لتخلّفه عن الرحلات والمناشط،
فكُلِّفتُ بالذهاب إليه، فذهبت إليه وأخبرته بأن الإخوة قلقون عليه،
ولكونه يعزني ويقدرني كثيرًا جاء إلينا مجاملة،
وما زلت أذكر آخر رحلة معنا، وهي رحلتنا إلى المزارع،
ومنها انقطع خبره ونزلنا عند رغبته،
فمرت الأيام والسنون.

وبعدها وصل الخبر بأن ذلك الولد الصغير أصبح من جُلّاس أحد العلماء الراسخين في العلم،
وفوق هذا أصبح هو من يُقدّمه الشيخ من أجل الإجابة على الأسئلة التي يسألها الناس!

كنت كثير التردد عند ذلك العالم، وهو يعدّني مثل ابنه،
وحينها زاره ذلك الأخ فسلّم على الحاضرين،
وما أن جلس الجميع إلا وباب الأسئلة قد فُتِح،
وأخذت تُوجَّه الأسئلة للشيخ،
والشيخ يردّها على صاحبنا وهو يجيب،
وأنا في دهشة من أمري: كيف ذلك؟!

من أين تعلّم؟!
ما الذي جعله يصل لتلك الدرجة؟!

وفي يوم من الأيام كنت جالسًا مع ذلك العالم وسألته عن صاحبنا،
وعن سبب تقديمه للإجابة، فقال لي:
"جربته فوجدته يردّ المسألة لأصلها".

حينها بدأ ذلك المجتهد بالتواصل معي،
فكانت بيننا رحلات وجلسات،
فاستفهمت منه سبب بلوغه تلك الدرجة من العلم،
ومع هذا وجد من يقف في طريقه حجر عثرة،
ومن أقرب الناس إليه ممن قاسمهم الأكل والشرب.

فسعوا إلى تشويه سمعته، والتشكيك في علمه،
واتهموه بالكبر،
والغرور،
والعُجب،
ولم يتركوا نقيصة ولا قبيحة إلا ألصقوها به!
ومع هذا لم يلتفت إليهم.

وكان أقصى ما يجيب به على من ينقل له خبرهم أنه مستعد للجلوس مع من ينتقده في جلسة علمية أخوية،
ولكن يُقابَل طلبه بالرفض!

ويخبرني بأنه كان جالسًا مع ذلك العالم،
وجاء أحد المشايخ مع طلابه،
وأخذ الطلاب يسألون الشيخ،
والشيخ ـ كعادته ـ يحوّل الإجابة على صاحبنا،
وفي هذه المرة رفض الإجابة،
والشيخ يلحّ عليه وهو يرفض،
وعندما سأله الشيخ بقوله:
"مالك اليوم؟ حاسد؟!"
ردّ عليه بأن شيخهم لا يريد الجواب مني.

حينها ذهب ذلك الشيخ الزائر إلى الحمّام،
فقال العالم لصاحبنا:
"الآن جاوب؛ شيخهم ليس هنا."
فرفض، حتى ذهبوا من عند العالم.

ثم طلب ذلك الشيخ الزائر من صاحبنا الحديث معه،
ويقول صاحبنا: إن ذلك الشيخ أخذ ينصحه بأن لا يتصدر
المجالس ولا يتقدم العلماء في الجواب،
وهو يقول له:
"أحسنت، جزاك الله خيرًا على النصيحة."

الحلقة التي تعدّيتها هي: كيف كانت بداية النجاح؟
دعونا نسمعها منه:

يقول صاحبي:
بداية المشوار كانت رغبة تشكلت في حنايا قلبي،
وكأني وجدت ذاتي، وأني خُلِقت من أجل غاية.
لعل مراحل الطفولة كان لها أثر في تأخر إدراك تلك الغاية،
وما أن اختليت بنفسي حتى كان ذلك القرار الذي اتخذته.

ومن طبعي الذي كان مختلطًا بطبيعتي وتركيبتي أني ألغيت من قاموسي كلمة "مستحيل".

فهدفي سأقطف ثمرته، ولن أتوقف حتى بلوغه أو أموت دونه.

فقد كنت أجلب الكتب من المساجد،
وكنت أختار فترة الظهر لكون حركة الشارع قليلة،
فأخبئ الكتاب تحت ثوبي فيستقر بي الحال في المجلس وأبدأ أقرأ.

وعندما تواجهني معضلة في فهم شيء كنت أتصل بالعلماء أستفتيهم،
وكانوا يحاولون معرفة شخصيتي من تلك الأسئلة،
وكنت أجيب: أنا "السائل".

وبذلك غرفْتُ من معين العلم،
وعندما رأيت في نفسي تحقيق ما أصبو إليه بدأت في مجالسة العلماء،
وكان عمري حينها عندما كنت أجالس ذلك العالم الذي يقدمني للفتيا 18 سنة!
حتى بدأ الناس يستدعونني لجلسات الإفتاء والمحاضرات.

ومما تفرد به صاحبنا هو الطموح الذي لا يحده حدود:
فقد نوع ثقافته،
تعلم المنطق،
والفكر،
وتعلم الإدارة،
وتعلم فنون القتال،
وهو مطلع على الكثير من الثقافات.

فهو في السياسة سياسي،
وفي الفكر مفكر،
وفي الرياضة رياضي،
وفي النحو نحوي، و...

وهو الآن:
أستاذ جامعي لمادة "المنطق".

ما تعلمته من ذلك الأخ والصديق:

أن التفوق لا يحده عمر.

أن تحديد الهدف والإصرار على تحقيقه هو عدة الساعي وعتاده.

أن الإنسان لا يجامل غيره ليكون ذلك على حساب الهدف الذي يسعى لتحقيقه.

أن الإنسان إذا وضع قدمه على طريق التميز والتفوق كان هدفًا مشروعًا لكل حاسد وحاقد.

أن الحسد يكون من أقرب الناس لك.

أن لا يكترث الإنسان بما يقال عنه كي لا يؤخر عجلة النجاح.

إذا حمي وطيس التعدّي وتجاوز حدود المعقول كانت المواجهة سبيل قطع حجة المعتدي، ومع هذا لن يسلم من كيدهم.

لا يظن ظانٌّ أن الإنسان يمكن أن يسلم من لسان الناس، فحتى الله تعالى وخير خلقه لم يسلموا من كلام الناس!

على من ارتقى بعلمه أن يجعل من ذلك الفضل سببًا ليكون في قمة التواضع ويذكر فضل الله عليه.


تعلمت:
"أن الإنسان إذا كان في قمة العلم، ودار حديث في مجلس،
وتُطرح قضايا ومسائل يُخاض فيها،
فلا يُقحم نفسه ليتصدر المجلس للفت الأنظار إليه ما لم يُطلب منه،
وما لم يستدعِ الأمر ذلك دفعًا للمغالطات والمخالفات."

وتعلمت:
"أن يكون الإنسان حين توجيهه ونصحه للآخرين متقمصًا دور المشفق الموجه المشجع،
بحيث لا يُشعر الطرف الآخر بأنه جاهل أو لا يفهم الدليل."

وتعلمت:
"أن نحفظ الفضل لأهل الفضل."

و
"أن لا يكون همّنا بلوغ الشهرة،
أو شهوة الظهور."

في ذاكرتي:
ما تزال تلك الكلمات تتلجلج في سمعي حين قال لي:

"يا فلان، لا تلتفت لقول العذّال؛ لأنك بذلك تحقق ما يريدون،
وستراهم بعد سنوات على وضعهم ذاك،
وأنت قد حققت هدفك.
وتأكد أن أولئك النقّاد سيخضعون للأمر الواقع وسيعترفون بعلمك وفضلك
عندما يجدون الناس يتهافتون عليك،
وحينها لن يجدوا محيصًا من التسليم."

"أقتصر على هذا القدر لأترك ما خطته أناملي على مائدة التفكر والتمعن."







 
رد مع اقتباس