أن ما ينادي به أولئك المتباكون على قتل الحريات،
وتحجيم الثقافة في الوطن العربي، ما هم إلا نخاسوا الفكر الذين يدعون لحجب الحقائق من قناعات الناس،
ليجدوا إياها مجرد أوهام، ودغدغة عواطف سرعان ما تزول عند أول صدمة توقظ فيهم الضمير والفكر المغيب
الذي خضع لغسيل دماغ! ولو أمعنا النظر في دعوات أولئك نجدها دعوات تدعو لتجرد الإنسان من إنسانيته،
لينزل بذاك إلى عيش الحياة البهيمية التي ليس لها هم غير إشباع البطن والفرج
أعتذر على تلكم الكلمة ولكنها الحقيقة! -
وليت دعواتهم تحث على سبر أغوار العلم، ومزاحمة العلماء بأنواع تخصصاتهم بالرُكب!
لهذا نجدهم يركضون لنصرة المجون! والفساد والانحلال! ومما تتعجب منه عندما يكون خصمهم التقليدي،
الدين ومن يمثله، حينها يكفرون بما يدعونه من حريات الاعتقاد والرأي! وتجدهم يشنعون بالمتدينين،
ويصفونهم بالمتزمتين والمتعصبين وبكل نقيصة! وعندما نعقد المقارنة بينهم نجدهم على خط متوازن،
لا يفرق بينهما إلا المعتقد والفكر!
وليعلم الجميع أن التقدم والتحضر لا يكون بالذوبان في ذوات الغير،
والانسياق لما معهم من ثقافات تختلف عن ثقافاتنا، وعادات تتقاطع مع عاداتنا،
كوننا لنا كيان مستقل، ومن ترسم طريقهم فلا أصفه بغير المنهزم نفسيًا.
ولتعلموا أن ما تعثرت به قدمنا حتى صرنا بعد ذلك شر الأمم إلا بعدما ضيعنا ذلك الإرث الحضاري،
الذي أخرج أوروبا من غياهب الظلام والجهل في العصور الوسطى، حيث كانت محاكم التفتيش تقتل،
وتعذب من يطلع على كتاب يحوي مواد العلم، ويصفون من تعلم بالمهرطقين.
هناك الأندلس منارة العلم، وللأسف اليوم نجد من "يهرف بما لا يعرف" عندما يريد أن يشنع بالمسلمين،
يردد عبارة: "يريدون أن يعيدونا للعصور الوسطى!"، ولا يدري المسكين بأننا نتوق ليعود للمسلمين عزهم،
ومجدهم الذي نترحم على تلك الحقبة العظيمة. فليس الملبس وظاهر الأمور هي التي تعبر عن ما يحمله
الإنسان من علم وفكر. فكم من متشبث بسنة المصطفى نجده في مصاف المتفوقين، فمنهم الطبيب،
والعالم، والمهندس، وعالم الفلك، وعالم الفيزياء الذرية، و...
فكل هؤلاء ما كان لهم أن يخلعوا جلباب المبادئ والقيم والالتزام،
ليحققوا ما حققوه من تفوق ومجد!
لنترك تلك المقولة الممجوجة التي سئمنا سماعها وترديدها: "أترك الدين،
واكفر بالقيم والمبادئ تكن عالمًا صنديد"! فما فقدنا ذواتنا إلا بعدما انجرفنا وانبهرنا بما في يد غيرنا.
وأقسم بالله ولست حانثًا في قسمي، لو أتيحت لشباب المسلمين الفرصة في العلم،
وكانت لهم مرجعيات صادقة لركع الغرب تحت أقدام المسلمين.
وليتنا نرى من أولئك المتباكون تلك الابتكارات والإنجازات!!!
فجل إنجازاتهم هو العويل، والنواح، والمظلومية، ومناكفة خصومهم: "فذاك شغل من لا شغل عنده"!
جاهلون جهلاً مركبًا! مفلسون منزوعة منهم الأمانة العلمية، يهرفون بما لا يعرفون،
يناقضون أقوالهم بأفعالهم!
أعتذر على إسهابي الممل،
غير أني وجدتها فرصة كي أبين بعض الأمور،
وإن كانت خلاصة مقتضبة:
"فما في جعبتي بحور من الكلمات لا تحدها
حدود، ولا تحويها سطور."