منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - ورشة قصصية( إحياء لفكرة أستاذنا محمد صوانة )
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-12-2025, 05:17 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
أحمد فؤاد صوفي
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







أحمد فؤاد صوفي متصل الآن


افتراضي رد: ورشة قصصية( إحياء لفكرة أستاذنا محمد صوانة )

أعجبتني قصة أديبنا الكريم/ عبد الرحيم التدلاوي اليوم، وقررت أن أحولها، بنفس الروح، إلى قصة قصيرة جداً، وهكذا صار:
--------------------------------------
أولاً" القصة الأصلية.
*ظلال لو*
**
كانت المقهى شبه خاوٍية، أو هكذا خُيِّل إليّ. الضوء الأصفر المائل للاهتراء ينسكب فوق الطاولات مثل غبارٍ دافئ، والضباب يتكاثف على الزجاج فخيل لي أنه يحاول أن يحجب عني العالم الخارجي. جلستُ، وفنجاني أمامي، ثم بدأوا يأتون، أو ربما خرجوا من بين أنفاسي.
صديقي الحالم يقلّب كوبه البارد، في بحثه عن نبض مفقود:
— "لو درست الطب، لكنت اليوم أنقذ الأرواح بدل أن أذبل هنا!"
أعدت ملء فنجاني، وأجبت بابتسامة متعبة:
— "وماذا لو علمت أن كل إنسان يحمل في قلبه مريضًا اسمه الندم؟"
لم ألتفت حين جلس الموسيقي، لكنه كان هناك، يحدّق في بخار قهوته وهو في هيئة من يسمع لحنًا يتبخر:
— "لو وُلدت في عائلة ثرية، لكنت أؤلف السيمفونيات!"
قلت له، أو لنفسي:
— "أنت تؤلف بالفعل... سيمفونية لو على أوتار الماضي!"
خلفنا، عند الرفوف، كان القارئ يقلب كتابًا بصفحات رطبة، يقرأ بصوت لا أعرف إن كنت أسمعه أم أتخيله:
— "لو: إسمنت يبني جدران سجون وهمية."
ثم أغلق الكتاب وضحك، ولمحته يكتب شيئًا على ورقة مبللة:
— "لو عشت بلا لو، لكنت شجرة بلا جذور..."
الرياضي أطل من خلف الزجاج المبتل، تنفّس كأنه أتى من زمن آخر:
— "لو لم أتردد قبل تلك القفزة، لكنت اليوم في الأولمبياد!"
لم أنظر في عينيه كثيرًا؛ خفت أن أجد انعكاسي فيهما.
أما الفنانة، فقد تركت قطرات اللون تتسرب على الطاولة الخشبية:
— "لو لم أرَ ذلك المشهد المأساوي، لكنت رسّامة هادئة بلا حزن!"
رفعت رأسها، ولم أكن متأكدًا إن كان وجهها مشرقًا أم ملامحها مجرد ضباب ضوء.
وبين رشفة وأخرى، كانت المقهى تزداد فراغًا أو امتلاءً—لا أدري. الأصوات تتقاطع، تختلط، تتشابه. أحيانًا كنت أسمعها تصدر من الطاولات المجاورة، وأحيانًا من داخلي.
وعندما رفعت رأسي في النهاية، لم أجد سوى فناجين فارغة، وكراسي تدور قليلاً مع تيار الهواء.
"لو" كانت تجلس وحدها، ترتشف قهوتي الباردة، وتبتسم كمن انتصر في لعبة قديمة.
خرجت أجر معطفي، وبيني وبين الباب المغلق تساءلت:
هل كانوا هنا حقًا؟
أم أنني كنت، طوال الوقت، أحادث صدى أصواتي في هذا الفراغ؟
هبّت ريح خريفية من النافذة المشرعة، فالتفتُّ مذعورًا إلى الطاولة. كانت صفحات كتابٍ مهمل تنقلب بسرعة. هرعتُ لأوقفها خوفًا من أن تتمزق. وضعت يدي على صفحة، ويا لدهشتي، كان العنوان: "ظلال لو".
قرأت حتى وصلت إلى آخر سطر:
"خرجت أجر معطفي، وبيني وبين الباب المغلق تساءلت: هل كانوا هنا حقًا؟ أم أنني كنت طوال الوقت، أحادث صدى أصواتي في هذا الفراغ؟"
ارتجفت. كل ما عشته كان مكتوبًا حرفًا بحرف. رفعت بصري فرأيت المقهى يكرر نفسه، الضوء، الضباب، الكراسي… وحتى يدي المرتجفة فوق الصفحة.
مددت أصابعي لأقلب الورقة التالية، لكن الهواء سبقني، وقلبها عني. قرأت السطر الجديد:
"الآن، القارئ الذي يمر بعينيه على هذه الكلمات، يشعر بذات الارتجاف، ويتساءل إن كان هو الآخر مجرد شخصية في القصة."
توقفت عن القراءة. نظرت إليك—نعم، إليك أنت الذي تمسك هذه الصفحة الآن—كأنني أستأذنك لأعرف:
هل نحن نقرأ القصة؟ أم أن هذه القصة تكتبنا؟

-------------------------------------------
ثانياً" هذه هي القصة القصيرة جداً وبنفس الروح:
*ظلال الّلَو*
جلس في المقهى يفكر، لو كنت سمعت كلام والدي وتابعت مهنته، لكنت الآن أملك بيتاً وكنت قد تزوجت منذ زمن،
وصديقي هناك جالس كل يوم يلعب الشطرنج، لو كان رضخ لإلحاح والدته لكان الآن طبيباً يعالج المرضى، وبقربه صديقه الذي أبى إلا أن يسافر في البحر، غاب ثلاثين عاماً متواصلة وعاد بخفي حنين، لو اقتنع أن يبقى قرب والده يساعده في تجارته لامتلك ثروة كبيرة.
والله هذه اللو خطيرة، تبعث في نفسي شعوراً بالإنكار والتشاؤم، الأفضل لي أن أرسل بها إلى سلة المهملات، ولا أستخدمها في حياتي أبداً.







 
رد مع اقتباس