شاب في عمر الورد أترع قلبه الطموح للوصول إلى الحكم ، ولا غرو في ذلك فهو يضم بين برديه كثيراً من رجاحة الكهول
وحكمة الشيوخ ، وحيوية الشباب كانت تبدو عليه مخايل النجابة ، وبواكير الرجولة ما يبشر أن هذا الهلال سيكون بدراً كاملاً في يوم قريب.
مثال على النبوغ الشعبي، والترقي للعلا اعتماداً على النفس والمواهب ، والخلال الشخصية، دون إرث أو عائلة أو نفوذ أو مال،
فقد نفس تواقة وقلب طموح ، وعقل رجوح ، وعزم يفل الحديد، وحماس يذيب الجليد.
إنه أعظم ملوك الأندلس رغم أنه لم يكن خليفة ولا أمير ، فقط حاجب للخليفة، ولكنه الحاجب المنصور، والمنصور دائماً.
ومن عاش على شيء وداوم عليه ، فلابد أن يموت عليه و(المنصور) قضى حياته كلها في الجهاد في سبيل الله
فمن الطبيعي أن يموت مجاهدًا ، وقد كانت تلك أسمى أمانيه حتى إنه كان يحمل أكفانه حيثما سار إلى غزوة
وهي أكفان صنعت من غزل بنانه ، واشتريت من خالص ماله الموروث ، وقد استجاب الله دعاءه فوافته المنية في 27 رمضان سنة 392هـ بمدينة (سالم) ودفن بها
بعد أن دفن معه غبار كل معاركه التي خاضها في سبيل الله، وكان يحتفظ بها طوال رحلته الجهادية الطويلة لأعدائها وتحقيقه أمنها ورخائها
ولم يستخدم قط سلطانه إلا لخير الإسلام وخير الأمة، وقد كتب هذان البيتان من الشعر على شاهد قبره:
آثاره تنبيك عن أخباره***حتى كأنك بالعيان تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله***أبدًا ولا يحمي الثغور سواه