أخي أيمن . صباح الحب . السياب معادلة الشعر الحر المتوازنة ؛ ليس لكونه عراقيا فحسب ، بل لأنه في قمة معاناته الشخصية كان لشعره تدرجات لونية ما بين الشخصية وما بين الوطنية ، هو مزيج من جيكور الجنوب التي ما زالت تندبه ، ومن بغداد الوسط التي فقدته ؛ لذلك كانت قصيدة ( غريب على الخليج ) تمثلا حيا له ، و قصيدة ( أنشودة المطر ) التي كانت يتحرى فيها البحث عن حياة خالية من التشرد والملاحقة والمرض ، إنه رقم صعب جدا في الشعر الحر ، سلمت على طرق هذا الموضوع الذي يثير بنا شجونا لا حصر لها ، لم يكتب السياب شعرا أو حكما فقط ، بل كتب قصائد نابغة في زمن كاد يجف من النوابغ ، إلى الآن تنادي جيكور السياب ، وإلى الآن السياب جزء من أمة في طريق السحق الشعري ، صباغ أحذية الغزاة ، وشناشيل ابنة الجلبي الرمزان الخالدان في مجموعته الشعرية التي تبحث عن الخلود بين مجامع الشعر العربية . أما قصيدة : ( المسيح بعد الصلب ) فأراني أنها من القصائد القناعية كـ : ( قارئة الفنجان ) لنزار قباني ، فيشبه السياب نفسه بالمسيح ( صلى اللـه عليه وسلم ) في القصيدة ؛ لأن كليهما له معاناة ، ولننظر ماذا قال في قصيدته : بعدما أنزلوني ، سمعت الرياح في نواح طويل تسف النحيل و الخطى وهي تنأى . إذن فالجراح و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل لم تمتني . و أنصت : كان العويل يعبر السهل بيني و بين المدينه مثل حبل يشد السفينه وهي تهوي إلى القاع . كان النواح مثل خيط من النور بين الصباح .و الدجى ، في سماء الشتاء الحزينه .ثم تغفو ، على ما تحس ، المدينه حينما يزهر التوت و البرتقال حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال حين تخضر عشباً يغني شذاها ،و الشموس التي أرضعتها سناها ،حين يخضر حتى دجاها .يلمس الدفء قلبي ، فيجري دمي في ثراها قلبي الشمس إذا تنبض الشمس نورا ،قلبي الأرض ، تنبض قمحا ، و زهرا ، وماء نميرا قلبي الماء ، قلبي هو السنبل .موته البعث ، يحيا بمن يأكل في العجين الذي يستدير ويدحى كنهد صغير ، كثدي الحياه .مت بالنار : أحرقت ظلماء طيني ن فظل الإله .كنت بدء ، وفي البدء كان الفقير ،مت ، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم كم حياة سأحيا : ففي كل حفره ،صرت مستقبلا ، صرت بذره صرت جيلا من الناس ، في كل قلب دمي .قطرة منه أو بعض قطره ..هكذا عدت ، فاصفر لما رآني يهوذا فقد كنت صره كان ظلا ، قد اسود مني ، وتمثال فكره جمدت فيه واستلت الروح منها خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه عيناه صخره) (راح فيها يواري عن الناس قبره .خاف من دفئها ، من محال عليه ، فخبر عنها - " أنت ؟ أم ذاك ظلي قد ابيض وارفض نورا؟ .أنت من عالم الموت تسعى ؟ هو الموت مره " هكذا قال آباؤنا ، هكذا علمونا ، فهل كان زورا ؟ .ذاك ما ظن لما رآني ، وقالته نظره قدم تعو ، قدم ، قدم القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم أترى جاءوا ؟ من غيرهم ؟ قدم .. قدم .. قدم ،ألقيت الصخر على صدري .أو ما صلبوني أمس ؟ .. فها أنا في قبر فليأتوا - إني في قبري من يدري أني .. ؟ من يدري ؟ ورفاق يهوذا ؟ من سيصدق ما زعموا ؟ ..قدم .قدم : ها أنا الآن عريان في قبري المظلم كنت بالأمس ألتف كالظن ، البرعم تحت أكفاني الثلج ، يخضل زهر الدم كنت كالظل بين الدجى و النهار ثم فجرت نفسي كنوزا فعريتها كالثمار حين فصلت جيبي قماطا وكمي دثار حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار حين عريت جرحي ، وضمدت جرحا سواه حطم السور بيني و بين الإله فاجأ الجند حتى جراحي ودقات قلبي فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبره فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمره سرب جوعى من الطير في قرية مقفره أعين البندقيات يأكل دربي شرع تحلم النار فيها بصلبي إن تكن من حديد ونار ، فأحداق شعبي من ضياء السموات ، من ذكريا وحب تحمل العبء عني فيندى صليبي ، فما أصغره ذلك الموت ، موتي ، وما أكبره بعد أن سمروني و ألقيت عيني نحو المدينه كدت لا أعرف السهل و السور و المقبره كان شئ ، مدى ما ترى العين كالغابة المزهره كان ، في كل مرمى ، صليب و أم حزينه قدس الرب هذا مخاض المدينه نارٌ تضيء الخواء البرد’ تحترقُ فيها المسافات, تًدنيني , بلا سَفَرِ من نخل جيكورَ أجني دانيَ الثَّمَرِ نارٌ بلا سَمَرِ إلاّ أحاديثَ من ماضيَّ تندفقُ كأنهنّ حفيفٌ منه أخيلةٌ أخي أيمن : أمتعتني بفتق هذا الموضوع في الذاكرة .. دمت لنا