البداية مع شوقي
رحم الله أمير الشعراء فى العصر الحديث ..
كان عملاقا له دوره العتيد فى احياء الشعر العربي هو وسابقه البارودى ورفيق عمره حافظ ابراهيم ..
من الصعوبة بمكان ادراك قدرات شوقي الغير عادية فى الثراء اللغوى .. ولا زال النقاد والعمالقة يحدوهم الانبهار وهم يكتشفون بعين المتخصص .. أية اعجازية تلك التى كان يكتب بها هذا الراحل العظيم .. ؟!!
وأذكر أن الامام محمد متولى الشعراوى فى أحد أحاديثه .. تناول بالانبهار الواضح بيتى شعر شهيرين لشوقي يقول فيهما
أرسلت بالتوراة موسي هاديا ×× وابن البتول .. فعلم الانجيلا
وفجرت ينبوع البيان محمدا ×× فسقي الحديث وناول التنزيلا
من المستحيل تقريبا ادراك كم القضايا التى حصرها شوقي فى بيتين فقط لا غير فقد رتب الرسالات وعند وصوله الى الاسلام وحدثه عن رسوله عليه الصلاة والسلام جاءت الشطرة الثانية من البيت الثانى ابداعا لا مزيد عليه ودقة فى التعبير يندر أن تتواجد فى عصرنا هذا
سقي الحديث .. وناول التنزيلا
تفسير مبدع بأن الحديث لفظا سقاه الرسول عليه الصلام والسلام بينما القرءان الكريم اكتفي فقط بنقله ومناولته لأنه كلمات الحق سبحانه
ولسنا هنا بالطبع فى معرض الحديث عن هذا الرجل فمثله جدير بموضوع مستقل وكتاب كامل
لكن الايضاح هنا .. هو مدى ما أداه شوقي فى حياته وبشعره سياسيا واجتماعيا
ومن غريب الأمور أن نشاط شوقي السياسي كان شهيرا الى درجة نستنكر معها التفكير في شوقي على أنه شاعر مبدع وفقط وكأن وظيفة الأبيات هى الامتاع بالموسيقي والألفاظ
بينما القالب الشعري الجذاب ما هو الا الوعاء اللازم لبث الفكر وتحديد المواقف شأنه فى ذلك شأن أى نوع من الكتابة
وجريا على طبيعه موضوع قصة قصيدة .. سنلقي الضوء على قصة احدى أشهر قصائد شوقي
تلك التى مطلعها
الله أكبر .. كم فى الفتح من عجب ×× يا خالد الترك .. جدد خالد العرب
تلك القصيدة الشهيرة كانت بيانا سياسيا بالغ الوضوح من أحمد شوقي تأييدا ودعما لشخصية ورسالة رأى فيهما شوقي نصرة للاسلام ودولة الخلافة العثمانية كما عاش يؤيدها طيلة عمره
كانت تلك القصيدة .. عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى والتى دخلت فيها ألمانيا والمجر
وبروسيا " احدى الممالك السابقة " مع الدولة العثمانية فى جبهة ضد انجلترا وفرنسا
وانتهت الحرب كما هو معروف بهزيمة المحور الذى تناصره الدولة العثمانية أمام جحافل الحلفاء بقيادة بريطانيا وفرنسا
وتصور الكثيرون أن الخلافة العثمانية بعد تفككها .. قد ذهبت آخر معاقل الخلافة للاسلام بسقوطها وكان يحدوهم الأمل ـ ومنهم شوقي ـ فى محاولة تدراك الأمرفاذا بكمال أتاتورك يظهر بتركيا على أنقاض الخلافة العثمانية مناديا باستقلالها وتصور الكثيرون أيضا ـ ومنهم شوقي ـ أن أتاتورك جاء لايحاء الدولة المهزومة ..
فكتب يحييه مشجعا اياه تلك القصيدة التى يشبه فيها أتاتورك بخالد الترك الذى يشبه خالد بن الوليد القائد العربي الأشهر رضي الله عنه
فاذا بكمال أتاتورك يتربع على عرش تركيا ولا يجعل له هما الا هدم كل صور الاسلام فى الخلافة العثمانية السابقة وحكم حكما مطلقا وأعلن تركيا دولة علمانية تحمى عقيدة العلمانية فيها القوات المسلحة وغير مسموح لأى حزب يأتى للحكم بأن يغير هذا النهج
ولهذا السبب
أخطأ الناس ظنا عندما تولى حزب العدالة الاسلامى الحكم فى تركيا وظنوا به سيعيد ماضى العثمانية القديم .. لأن حزب العدالة لا يمكلك تعديل الدستور التركى العلمانى أو الغائه والا تدخل الجيش بنص الدستور لاعادة العلمانية !!
ومنذ أيام أتاتورك .. تحولت الدولة الاسلامية الى قبلة الجياع لكل شهوة
من بارونات المخدرات ومنظمات التجسس الحر بالاضافة للمنظمات الاباحية
وكانت الصدمة بالغه على شوقي فكتب بعدها قصيدته شهيرة أيضا
" كفنوك فى ملابس الأعراس "
يشبه فيها الخلافة الاسلامية بالعروس التى تزينت ليلة عرسها فاذا بها تكفن فى ملابس عرسها
وموقف شوقي فى أيامه تلك من بدايات القرن العشرين كان داعيا للتأمل وكاشفا عن قناعات الوطنية فى هذا العصر ..
فمصر ساعتها كانت تحت يد الاحتلال البريطانى .. لكن دعوات الاستقال والنضال لم تكن موجهة بأى حال الى استقلال مصر والسودان كدولة واحدة ..
بل كان النداء موجها لاستقلال مصر والسودان كولاية عثمانية تتبع الخلافة
وهو ما تغير بعد ذلك بالطبع وتركزت الدعوة لاستقلال مصر والسودان فقط كمملكة مستقلة ليصدر أول دستور علمانى فى مصر عام 1923 م معلنا مصر مملكة مستقلة ومعها السودان وتحول اسم السلطان فؤاد الى الملك فؤاد عقب اتفاق صورى مع الانجليز تعترف فيه بريطانيا باستقلال المملكة المصرية وتتحفظ بشرط عملية لا تنهى الاحتلال فعليا
من هنا تتبدى أهمية دراسة التاريخ بدقة لبيان مواقف الشخصيات بوضوح ولم يكن اقتناع شوقي بضرورة التبعية للخلافة الاسلامية أمرا شاذا بل على العكس كان هذا النداء هو نداء العصر الذى تولاه المناضلون على رأسهم الزعيم الأشهر مصطفي كامل
ولا يـُـعاب اطلاقا هذا التوجه من زعماء الوطنية لتبعية مصر للخلافة العثمانية لأن رؤيتهم كانت محصورة فى الظواهر التى ترى فى الدولة العثمانية آخر صور الخلافات الاسلامية وترى فى سلطانها رمزا للاسلام ومناصرا له
وتلك الرؤية كانت حتما ستتغير لو أنهم حضروا نهايات القرن العشرين عندما جاء موعد اعلان الوثائق السرية البريطانية والفرنسية بمرور نصف قرن عليها
تلك الوثائق التى كشفت الصفقة التى تمت بين السلطان العثمانى وبين بريطانيا وفرنسا ..
حيث طلب السلطان العثمانى مؤازرة فرنسا وبريطانيا لكبح جماح والى مصر وقتها محمد على والذى تغولت قوته وجيشه حتى هاجم أطراف الخلافة عند الشام سعيا لضم الشام الى مصر والسودان والاستقلال بهما مكونا واحدة من القوى العظمى فى هذا العصر وتحت يده جيشا مصريا نابغا بقيادة ابنه ابراهيم باشا
وفى نظير تلك المعاونة قبل السلطان على نحو سري تماما بمبدأ اقتطاع جزء فلسطين ليصبح مقرا للدولة اليهودية فيما بعد وكان شرطه أن يسمح بهجرة اليهود الى فلسطين أن يتم هذا دون اعلان لنوايا الدول الكبرى فى انشاء وطن قومى يتبنى الفكرة اليهودية ...
وبالفعل تمكنت فرنسا وبريطانيا من هزيمة محمد على ورده عن الشام وفرضت عليه شروط الصلح قاسية عام 1840 م .. وبها أصبحت مصر والسودان حكرا على الوالى القوى وأولاده بشرط عدم تعديه حدودها الى الشام وهو ما يهدد الأطماع الفرنسية البريطانية هناك
تلك الحقائق لو أنها كشفت فى وقتها لتغيرت حتما تلك النظرة التى كانت تحمل هموم ثوار العهد الماضي بكل اخلاصهم الفائق
حيث كانوا فريقا واحدا اجتمع على رسالة واحدة ..
وعندما توفي مصطفي كامل وهو بعد فى الثانية والثلاثين من عمره رثاه شوقي بقصيدة خرافية كانت أيضا موقفا سياسيا عبقريا
حيث بدأها بقوله
المشرقان عليه ينتحبان ×× قاصيهما فى مأتمٍ .. والدانى
وفى البيت الثانى تتضح الرسالة حيث يقول عن مصطفي كامل
يا خادم الاسلام أجر مجاهد ×× فى الله .. من خلد ومن رضوان
لما نـُعيت الى الحجاز مشي الأسي ×× فى الزائرين وروع الحرمان
ثم يقول فى ابداع
يا ليت مكة والمدينة فازتا ×× فى المحفلين بصوتك الرنان
ليري الأواخر يوم ذاك ويسمعوا ×× ما فات من قس ومن سحبان
وقس وسحبان هما أشهر قبائل العرب فى بلاغه الخطاب وهنا يتضح الموقف السياسي القائم على التوحد والتوجه الاسلامى المخلص
ثم يصف مشهد المرض الأخير لمصطفي كامل فيقول
ولقد نظرتك والردى بك محدقٌ ×× والداء ملئ معالم الجثمان
وناظر العوًاد .. عنك أمالها ×× دمعٌ .. تعالج كتمه وتعانى
ثم يقول فى واحدة من أروع أبياته واصفا مداعبة مصطفي كامل له وهو مريض عندما قال له
" هل سترثينى يا صديقي "
يقول شوقي
فهششت لى .. حتى كأنك زائرى ×× وأنا الذى هد السقام كيانى
وجعلت تسألنى الرثاء .. فهاكه ×× من أدمعى وسرائرى وجنانى
لولا مغالبة الشجون لخاطرى ×× لنظمت فيك يتيمة الأزمان
ثم يصف مكانة هذا الشاب الفريد بلمسة ابداعية متألقة يقول فيها
لو كان يـُحمل فى الجوارح ميتُ ×× حملوك فى الأسماع والأجفان
أو صيغ من عز الفضائل والغنا ×× كفنٌ .. لبست أحاسن الأكفان
أو كان فى الذكر الحكيم بقيةٌ ×× لم تأت بعدُ .. رُثيت فى القرءان
وفى نفس الوقت ..
كان الشعر يؤدى مهمة أخرى خفيت عن أنظار التوجه الاسلامى للمناضلين تماما
حيث شرع الشاعر البريطانى الشهير " اللورد بايرون " فى كتابة ديوان كامل يحمل
اسم " الأغانى اليهودية " يروج فيه للحلم اليهودى متواكبا مع نداءات الحركة الصهيونية التى بدأت خطاها بمؤتمرالصهيونية الأول فى مدينة بازل بسويسرا لدعم فكرة الوطن اليهودى بزعامة تيودور هيرتزل الأب الروحى للحركة الصهيونية ..
كان هذا لقاء بسيطا مع شوقي فى بعض دوره السياسي والثقافي والى اللقاء مرة أخرى