منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - في ثلاثينية راشد حسين -- بعض وفاء
عرض مشاركة واحدة
قديم 28-02-2007, 07:17 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
إياد حياتله
أقلامي
 
الصورة الرمزية إياد حياتله
 

 

 
إحصائية العضو







إياد حياتله غير متصل


افتراضي مشاركة: في ثلاثينية راشد حسين -- بعض وفاء

كان ما سوف يكون



في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على السور الزجاجي , ولا صفصاف في نيويورك .
أبكاني . أعاد الماء للنهر . شربنا قهوة . ثم افترقنا في الثواني .

منذ عشرين سنهْ
وأنا أعرفه في الأربعينْ
وطويلا كنشيد ساحليّ , حزينْ
كان يأتينا كسيف من نبيذ . كان يمضي كنهايات صلاه
كان يرمي شعرَه في مطعم " خريستو"
وعكا كلها تصحو من النوم ِ
وتمشي في المياه
كان أسبوعا من الأرض . ويوما للغزاهْ
ولأمي أن تقول الآن : آه !

ليديه الوردُ والقيد .ولم يجرحه خلف السور إلا جرحُهُ السيّد . عشاق يجيئون ويرمون المواعيدَ .

رفعنا الساحل الممتدَّ . دشّنا العناقيدَ . اختلطنا في صراخ الفيجن البريّ . كسرنا الأناشيد . انكسرنا في العيون السود . قاتلنا . قُتلنا . ثم قاتلنا . وفرسان يجيئون ويمضون .

وفي كل فراغ
سنرى صمت المغني أزرقا حتى الغيابْ
منذ عشرين سنهْ
وهو يرمي لحمه للطير والأسماك في كل اتجاه
ولأمي أن تقول الآن : آه
ابن فلاحين من ضلع فلسطينَ
جنوبيّ
نقي مثل دوري
قويّ
فاتحُ الصوت
كبير القدمين
واسع الكف . فقير كفراشه
أسمر حتى التداعي
وعريض المنكبين
ويرى أبعد من بوابة السجن
يرى أقرب من أطروحة الفن
يرى الغيمة في خوذة جنديّ
يرانا , ويرى كرت الإعاشة
وبسيطٌ .. في المقاهي واللغة
ويحب الناي والبيرةَ
لم يأخذ من الألفاظ إلا أبسط الألفاظ
سهلا كان كالماء.
بسيطا كعشاء الفقراء .
كان حقلا من بطاطا وذره
لا يحب المدرسة
ويحب النثر والشعر
لعل السهل نثرٌ
ولعل القمح شعرٌ.



ويزور الأهل يوم السبتِ
يرتاح من الحبر الإلهي
ومن أسئلة البوليس .
لم ينشر سوى جزأين من أشعاره الأولى
وأعطانا البقية
شوهدت خطوتُه فَوقَ مطار اللد من عشر سنين واختفى ..



كان ما سوف يكون
فضحتني السنبلة
ثم أهدتني السنونو
لعيون القتلة

شاحبا كالشمس في نيويورك :
من أين يمر القلب ؟ هل في غابة الاسمنت ريش الحمام ؟
وبريدي فارغ . والفجر لا يلسعُ .
والنجمة ُ لا تلمع في هذا الزحام .
ومسائي ضيقُ . جسم حبيبي ورقٌ . لا أحد حول
مسائي " يتمنى أن يكون النهرَ والغيمةَ " .. من
أين يمر القلب ؟ من يلتقط الحلم الذي يسقط قرب
الأوبرا والبنك ؟ شلاّ لُ دبابيس سيحتاج الملذات
التي أحملها .

لا أحلم الآن بشيء
أشتهي أن أشتهي
لا أحلم الآن بغير الانسجام
أشتهي
أو
أنتهي
لا . ليس هذا زمني

شاحباً كالشمس في نيويورك
اعطني ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير.
ومن المقهى إلى المقهى.اريد اللغة الأخرى
اريد الفرق بين النار والذكرى
اريد الصفة الأولى لاعضائى
وأعطي ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
ومن المقهى إلى المقهى
لماذا يهرب الشعر من القلب إذا ما ابتعدت يافا؟ لماذا
تختفي يافا إذا عانقتها؟
لا. ليس هذا زمني.

وأريد الصفة الأولى لأعضائي
وأعطي ذراعي لأعانق
ورياحي لأسير
.......واختفي في الشارع الخامس, أو بوابة القطب الشمالي.
ولا اذكر من عينيه إلا مدنا تأتي وتمضي.
وتلاشي.......وتلاشي...................



والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
"ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة"



نام أسبوعاً. صحا يومين .لم يذهب مع النيل إلى الأرياف
لم يشرب من القهوة إلا لونها.
لم يَرَ المصريّ في مصرَ
ولم يسأل سوى الكُتّاب عن شكل الصراع الطبقيَ
ثم ناداه السؤال الأبديّ الاغتراب الحجري ّ
قلت : من أي نبيّ كافرٍ قد جاءكَ البعدُ النهائيُّ ؟



بكى من كَسَل في نظراتي . هل تغيرت؟
تغيّرتُ . ولم تذهب حياتي
عبثاً
مال إلى النيل وقال : النيل ينسى ؟
قلت : لا ينسى كما كنا نظن
وتذكرنا معاً إيقاعنا الماضي
وموجاتِ السنونو فوق كف تقرع الحائطَ
والأرض التي نحملها في دمنا كالحشرات
وتذكرنا معا إيقاعنا الماضي وموتَ الأصدقاء
والذين اقتسموا أيامنا , وانتشروا
لم يحبونا كما نشاء
لم يحبونا ولكن عرفونا ..



كان يهذي عندما يصحو . ويصحو عندما يبكي
ويمشي كخيام في البعيد العربيّ
ذهب العمر هباء
وفقدت الجوهريّ
واختفى قرب غروب النيل
أعددت له مرثية أخرى وجنّاز نخيلْ
يا انتحاري المتواصل
قف على ناصية الحلم وقاتلْ
فَلَكَ الأجراس ما زالت تدقُّ
ولك الساعة ما زالت تدقُّ
وتلاشي مرة أخرى



وخانتني الغصون
كان ما سوف يكونُ
فضحتني السنبلة
ثم أهدتني السنونو
لسيوف القتلة



كانت نيويورك في تابوتها الرسمي تدعونا إلى تابوتها .
في الشارع الخامس حيّاني . بكى مال على نافورة
الاسمنتِ . لا صفصاف في نيويورك . أبكاني .
أعاد الظل للبيت . اختبأنا في الصدى . هل مات
منا أحدٌ ؟. كلا تغيّرتَ قليلا ؟ لا . هل الرحلة
ما زالت هي الرحلة والميناءُ في القلب ؟ . نعم .



كان بعيدا ً وبعيدا ً ونهائيّ الغيابْ
دَخّنَ الكأس ..
تلاشى
كغزال ٍ يتلاشى
في مروج تتلاشى في الضبابْ



ورمى سيجارة في كبدي وارتاحَ
لم ينظر إلى الساعة
لم يسرقه هذا الشجرُ الواقفُ تحت الطابق العاشر في
منهاتنَ . التفَّ بذكراه .. تغشّاه رنينُ الجرس السريّ .
مَرَّت بين كفينا عصافيرُ عصافيرُ وموتٌ
عائليّ . ليس هذا زمني . عاد شتاء آخر . ماتت
نساء الخيل في حقل بعيد . قال إنَّ الوقت لا يخرج
مني فتبادلتُ مُدُناً تنهار من أوَّل هذا العمر حتى
آخر الحلم ِ ..
أنبقى هكذا نمضي إلى الخارج في هذا النهار البرتقالي
فلا نلمس إلا الداخل الغامضَ ؟

من أينَ أتيتَ
اخترقتُ عصفورةٌ رمحاً
فقلت اكتشفتْ قلبي
أنبقي هكذا نمضي إلى الداخل في هذا النهار البرتقالي
فلا نلمس إلا شرطة الميناء ؟

يهذي خارج الذكرى : أنا الحامل عبءَ الأرض .,
والمنقذ من هذا الضلال . الفتيات انتعلت روحي
وسارت . والعصافير بنت عشاً على صوتي وشفتني
وطارت في المدى ..
لم يتغيّر أيُّ شيء
والأغاني شردتني شردتني
ليس هذا زمني .
لا . ليس هذا وطني
لا ليس هذا بدني .

كان ما سوف يكونُ.
فضحته السنبلة
ثم أهدته السنونو
لرياح القتلهْ ...


محمود درويش







التوقيع

 
رد مع اقتباس