الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-04-2008, 01:07 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي وهج ليلي بارد

وسط هذا الزحام الخانق، ومع تصبب العرق من وجهي وجسدي، اعتصرتني رغبة قوية بالتفلت والانطلاق، نسمة رقيقة تصعد بهدوء الى أعالي السماء.. لأطوف في فضاء المدينة المكتظة شامتا في سكانها وهم يلوبون في مطاوي هذا الليل الرطب والقائظ. ولكن كيف السبيل الى مثل هذا الانطلاق وأنا عالق، محاصر من كل جانب، بين ركاب الباص، الذي أكاد أسمع أنينه يتجاوب مع هتافات الضيق في صدري؟ وكان يبدو لي أنني الشخص الوحيد الذي يضايقه الموقف. فعلى الرغم من أن أكثر الركاب واقفون على أرجلهم مثلي، الا أن وجوههم لم تكن تبدي شيئا من علامات الاستياء والتذمر. فكأنهم أصبحو معتادين على هذا النمط، وهذا المستوى من خدمات النقل البري. حشرت يدي بعسر داخل جيب بنطلوني الجينز، وبعد جهد جهيد استخرجتها بما تمكنت من انقاذه، ومسحت جبيني المتعرق ببقايا محرمة متهالكة. " متى أخلص من هذا العذاب يا ربي؟!"
بمشقة بالغة، لفظني باب الباص، فتلقفني الرصيف وكاد أن يخذلني توازني فأهوي أرضا، لكن ذراعي امتد بحركة خاطفة ليعانق العمود المعدني.. تصاعدت في داخلي سحابات سوداء من الغيظ والحنق، وطرق مسمعي دوي ساخر أطلقته نحوي زمرة من الشباب في سيارة اندفعت الى داخل العطفة بسرعة صاروخية. فازددت غيظا وانحنيت بجذعي على الأرض لأرفع حقيبتي يدي. ثم شرعت أسير ببطئ وأنا أنفض عنها الغبار.
استقبلني الوجه الطويل المعروق، ذو الشاربين الكثيفين الأشيبين، بنظرة باسمة وقال أبو فادي كعادته:
- كيف كان نهارك؟
فتوقفت أمامه وقلت:
- ليس أفضل من الأمس!
فهز أبو فادي بأرسه الطويل وقال:
- هذا هو المألوف. ولكن ما بك؟ تبدو متعصبا.. هل حدث لك شيء ما غير اعتيادي؟
فتجاوزت موقفه لأدخل الى الدكان وأنا أقول له:
- آمل أن تكون الامدادات قد وصلتك اليوم!
فقال وهو يتبعني على الأثر:
- أخشى أن لا...
فضحكت وقلت:
- لا بأس، طالما أن جارك أبو مصطفى موجود.. ودكانه مفتوح.. ماذا أقول.. أرزاق..
فعبس أبو فادي لأول مرة وقال:
- أولاد الكلب! كان من المفترض أن يأتوا منذ يومين.. اتصلت بهم البارحة فأكدوا أنهم سيأتون اليوم..
فقلت لهجة ذات معنى:
- الظاهر في أن الأمر نوع من المؤامرة!
فلوح أبو فادي بيده بما يشبه الضجر وقال:
- الأ تستطيع الصبر حتى الغد؟
- صعب، أنت تعرفني، لا يسلك النوم طريقه الي قبل أن تمتلئ الغرفة برائحة الدوخان.. هذا هو الطعم الوحيد الذي يصطاد النوم!
فقال ابو فادي متساءلا:
- ترى كيف تصبر زوجك على ذلك؟
فضحكت مقهقها، ثم قلت:
- ومن قال أنها تصبر؟ تدخين السجائر من أتفه الأمور.. لقد نفد صبرها منذ عهد طويل.. لا تدعني الان اكشف المستور..
ولفحت وجهي نسائم باردة وأنا ألج العطفة التي يهجع بيتي في بطنها، فمرت في خاطري ذكرى الباص بركابه ذووي الوجوه التي فقدت تعابيرها، وانتبهت وقتها الى أن العرق الذي كان يتصبب به جسدي قد جف الان وبدأ حس من البرودة يدغدغ أطرافي.. ارتقيت درجات السلم الهائمة في ظلام سرمدي، وتوقفت قليلا في الطابق الثاني، أمام باب عليا، الجارة المطلقة. كان النور يشع داخل الباب الخشبي كما أبدت أطرافه. حاولت أن استرق سماع شيئ مما لعله يدور داخل الشقة لكن عبثا.. وتابعت سبيلي نحو الطابق الرابع، حتى وصلت منهوكا.
كانت سعادتي لا تضاها عندما وجدت زوجتي غارقة في النوم. وفي عجالة بدلت ملابسي وتناولت عشائي، ثم خرجت الى الشرفة بعد أن أوقدت شمعة وضعتها على الطرابيزا الخشبية قرب فاترينة التلفزيون.
ما أجمل الليل حين أرقبه من مكان عال، بمنأى عن كل تلك الحشود البشرية المتكتلة، وبراحة من سيول العرق والرطوبة الدبقة. أخذت أفكاري تصبح خفيفة جدا، حتى كادت تتلاقى مع نساءم باردة غلت في شعري الكثيف وثنايا كنزتي. أطلقت اهة ملونة بدخان السيجارة، وتأملت وهجها الجمري بين أصابع يدي.. كيف لمساحة من اللذة الخالصة أن تكتنف هذا الخلاء من التعاسة والكدر؟! سبحان خالق الليل! كنت يوما بعد يوم أستشعر عطشي المتزايد الى هذه اللحظات الليلية الباردة التي لم يكن يبل جوانحي سواها.. كنت أهرب فيها من عناء النهار الطويل، من ملله وتعاسته، من شقاء أيامي الاخذة في الهروب الى أمام لا أقدر على تصوره، فضلا عن رؤيته بأم العين. وكان النهار جحيما حقيقيا تكرسه حرارة الصيف، ويكويه صقيع الشتاء.. أما هذا الليل الوديع، الرطيب، الساكن في شرفتي الصغيرة، فشيئا اخر تماما، وكأنه مخلوق من الزمن لا يعرف باقي الزمن! فلا أعرف معنى الطمأنينة الا في عباءته، ولا يدرك الحلم مجراه الي الا في فضاءه اللامحدود، في رحابته التي تتعدى حدود المدينة، وتترفع عن مضائق زواريبها وشققها المدفونة في رمال الزمن الذي ولى... هذا هو ليلي أنا وحدي، لا يعرفه، ولا يسكنه أحد سواي.. بل بعض مني على الأدق، بعضي الضعيف، الحالم، الهارب من ضراوة ليلهم وزحامه، من لهيب نهارهم وشقائه.. ليلي هذا يسكن شرفتي، ويسكنه بعض مني.. بعض يفيق ويغفو فيه، لا وعي له خارج هذا الزمن المعزول، خارج هذه الشرفة الليلية....
فجأة شعرت بتلك النسائم تفر مذعورة، ربما مخنوقة، فدب في قلبي القلق، والسؤال: ما الخطب يا ترى؟ وبدأ الثقل يصيب أفكاري المنتشية فتهبط نحوي رغما عنها، لتستقر في حجري مكبلة بحيرة وخشية غامضة. بدأت أطرافي تستشعر نذيرا ما، بدأ اللهب يلفحني من الخلف! أجل، ثمة لهيب يلفحني من خلف، كسكين طعنت بها في ظهري. حقا! أتغدر بي يا ليلي؟ هل غدر كان في عبائتك نائما، هل كان في فضاءك هائما مثل أفكاري، لكن كيف لم أنتبه الى وجوده؟ وما الذي صحاه، وأغراه بظهري المطمأن؟ تململت الحيرة في صدري، وتلوت وفرفرت كروح يخنقها الرعب. وكأني أسمع صراخا ما، ربما نواحا.. رباه! من ينوح في ليلي؟ هل عرف النواح طريقه اليك يا ليلي الوديع؟ هل اقتحم سكينتك جلاد ظالم بيده سوط؟ إنه الصراخ، يعلو من جديد، في استغاثة مستميتة هذه المرة! هل هو حقيقي، أم من صنع خيال محموم؟ المشكلة أنني عاجز عن تقبل الأمر، عاجز عن التصديق. لم أعهد في ليلي هذا أي صراخ وأي عنف. فمن أين يأتي الصراخ؟ رباه، ان اللهب في ظهري يشتد سعيره، انني احترق، والصراخ يعلو.. فكأن النار تلتهمني وشخص اخر يستشعر الألم بدلا مني، شخص اخر مهمته أن يعيش الألم والمعاناة. هل هي تضحية منك ايها لليل؟ هل تأبى علي حتى أن اعيش لحظات الألم لنار تلتهم جسدي أنا! عجبت لك وعجبي لا متسع له أيها الليل الوفي..
دارت أفكاري في دوائر محمومة، في دوامات، في أعاصير... وبدأت أشعر بالعرق يبللني، ينحدر في سيول متدفقة من مسام جلدي.. رباه، بدأ الألم ينتقل الي، ما الخطب يا ترى... ارتفعت في الفضاء صيحة عالية شقت السكون شقة قاتلة فوضح لي الصوت وضوحا قاتلا... إنها زوجتي! نعم انها زوجتي.. الان فقط ادركت هوية صاحب الصوت، انها زوجتي التي كانت تنوح وتصرخ وتستغيث.. تستغيث؟! ومما؟ ما الخطب يا ترى؟ نهض في داخلي مارد عظيم جبار من الرعب والذعر.. وميزت عيناي الزائغتان ظلال من البرتقالي تتمايل على أرض الشرفة وحافتها.. يا لله!
يزداد اللهب في ظهري ورأسي، يزداد صراخ زوجتي حدة، كأنني أميز اسمي ينطلق في صرخة من صرخاتها المستميتة، فيحثني صوت في داخلي على النهوض. لكنني لا أقوى على مجرد الالفتات الى الخلف.. ويزداد توهج الظلال البرتقالية على الجدار... ويلدغ سمعي رنين النهاية.. لكن شريطا من الصور تتابع أمام عيناي.. وينعاد كل شيء حصل معي في هذا اليوم المشؤوم... ها أنا ذا أغادر مقر العمل.. أركب الباص.. ها هو أبو فادي.. قهقهات أسمعها على باب جارتنا المطلقة.. قهقهات شيطانية لم ألاحظها في المرة الأولى.. ثم زوجتي الراكدة في نومها العميق.. وعشائي المكروه، الفاقد للطعم...
ونزلت علي الصاعقة في المشهد ما قبل الأخير.. اذ رأيت شبحا لكائن أسود يكمن في زاوية من حجرة الجلوس.. كان هادئا لا يبد حراكا.. شاهدني بصمت تام وأنا أضع الشمعة على الطرابيزة.. ثم اطلق ضحكة مدوية مجلجلة لها رنين النحاس وفيها عربدة الشياطين..






 
رد مع اقتباس
قديم 29-04-2008, 01:43 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: وهج ليلي بارد

سرد جميل ، تقلب بين نثرية النهار الثقيل ، وشاعرية ليل الشرفة لولا هبوب الزوجة من نومها .
أبدعت في حديثك عن عشقك لليل .
ليلك أنيس و نديم للروح الهارب من وحل الطين ،
ليلك حادي الأشواق إلى الخلاص في عمر يتسرب خلال الأصابع .
تحية لقلمك المبدع .







 
رد مع اقتباس
قديم 29-04-2008, 05:37 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أحمد نورالدين
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد نورالدين
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد نورالدين غير متصل


افتراضي مشاركة: وهج ليلي بارد

اخي العزيز خليف محفوظ
من منا لا يعشق الليل بسكونه وسحره؟
أدامك الله لنا قارءا متأنيا وأديبا بارعا
تحياتي الخالصة







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مختارات من قصصي محمود شاهين منتدى القصة القصيرة 45 17-01-2008 01:41 AM
ملامح مصرية ابراهيم خليل ابراهيم منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول 17 29-12-2007 04:51 PM
وطنى حبيبى ابراهيم خليل ابراهيم منتدى الحوار الفكري العام 9 08-07-2007 03:30 AM
بحثا تأريخيا موثقا عن عشيرة عراقية أصيلة * علي الضيغمي منتدى الحوار الفكري العام 5 15-02-2007 11:20 AM
بيانٌ للعلماء والمثقفين بشأن تهجُّم وزير الثقافة المصري على الحجاب .... وفاء الحمري المنتدى الإسلامي 1 05-12-2006 01:33 AM

الساعة الآن 05:35 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط