|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
وضع بائع السجاد بضاعته أمام منزل السيدة قائلاً: "اختاري ما يعجبك".. أخذت تقلب في السجاجيد القليلة التي ألقاها على الأرض.. كانت جميعها متشابهة مع اختلافات بسيطة في اللون، عدا سجادة واحدة بدت لها مميزة بزخارفها وخامتها. لاحظ البائع اهتمامها بها، فأخذ يخترع لها -بخبرته- مزايا متعددة واستخدامات مختلفة ومنافع كثيرة في الشتاء والصيف.. قلبت السجادة على وجهها الآخر لتجد آثاراً مغسولة لبقعة كبيرة، سألته: "هل هذه السجادة جديدة أم مستعملة؟".. أظهر البائع غضباً مصطنعاً وهو يؤكد لها أنه لا يبيع إلا بضاعة جديدة يأخذها من محل شهير، ويدور بها على المنازل، وأنه ليس كباقي الباعة النصّابين، أما هذه البقعة فهي ربما قليل من الماء انسكب على السجادة في المخزن أثناء التنظيف، وهي ستزول مع أول غسلة وحتى إن لم تزل فهي في الجهة السفلى من السجادة ولن يراها أحد.. تعرف أنه يكذب، وأن كل بضاعته مستعملة يجمعها من البيوت التي تستغني عنها، ويغسلها أحيانا بنفسه أو في مغسلة إذا كانت في حالة سيئة جدًّا.. وإلا لماذا يبيع هذه السجادة الأنيقة بهذا الثمن البخس؟ وقد وجدت في هذه البقعة سبباً وجيهاً لإعطائه أقل مما طلب مقابل الحصول عليها، ولم يعترض هو كثيراً في الواقع.. حمل السجاجيد الباقية وانصرف، ودخلت هي لمنزلها بالسجادة.. وفي غمرة فرحتها بالصفقة الرابحة، استيقظت حماتها التي تعيش معها في المنزل.. ففردت السجادة أمامها وهي تسألها عن أفضل مكان لوضعها، وعرضت عليها أن تأخذها في غرفتها إن رغبت خاصة والشتاء قادم.. وضعت حماتها نظارة الرؤية وتطلعت للسجادة المفرودة لثانيتين ثم صاحت: "هذه السجادة لا تدخل بيت ابني، أعوذ بالله، قلبي منقبض منها"!.. دهشت الزوجة من تصرف حماتها وحاولت إقناعها بالهدوء واللين، إلا أن العجوز خلعت نظارتها، ورفضت أن تلقيَ نظرة أخرى على السجادة، ولا أن تناقش قرارها برفض السجادة تماما في أي مكان في الشقة، ولا حتى خارج الشقة على السلم.. ولم يكن بيد الزوجة إلا أن تتصل بزوجها باكية؛ لتخبره بتصرفات أمه التي تتعمد مضايقتها دائما، فأشار عليها الزوج أن تتحلى بالحكمة وأن تنادي بائع السجاجيد؛ ليأخذ سجادته، وأن تستبدل بها سجادة أخرى.. أما حماتها فقد هزت رأسها في تعجب من بنات هذه الأيام اللاتي أصبن بالعمى في البصيرة، وإن كانت أبصارهن سليمة، إذ كيف لا ترى زوجة ابنها أن هذه السجادة لا تصلح لمنزلهم.. لا تصلح أبداً.. _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ وفي منزل آخر ليس بعيداً كان يعيش "فؤاد" مع أخته الصغيرة "فايزة" وحدهما منذ أن توفيَ والداهما.. وقد تم تقسيم العالم إلى جزئين: داخل البيت وهو الجزء الخاص بـ"فايزة" تعرف عنه كل شيء، وتتصرف فيه بحريتها التامة، وخارج البيت وهو عالم "فؤاد" يعمل ويخرج مع أصحابه ويسافر ويعود ويفعل ما يحلو له.. ولأن التقسيم لم يكن عادلاً في رأي "فايزة" على الأقل، فقد كانت هناك ثورات محدودة تقوم بين الحين والآخر تطلب فيها "فايزة" أن تخرج من عالمها المحدود؛ لتقابل صديقاتها أو ترى شيئاً من الدنيا التي لا تعرفها إلا من خلال شاشات التلفزيون المحلية. لكن هذه الطلبات لم تكن تلقى أي قبول من "فؤاد" الذي كان يتعلل بالخوف عليها تارة، وتارة أخرى بأنها ليست لها صديقات لتخرج معهن، متجاهلاً حقيقة أنها لم تُعطَ فرصة لتكوين صداقة أصلاً.. وبعد أن تهدأ هذه الثورات كان "فؤاد" يراجع نفسه ويكتشف أنه ربما يكون ظلم أخته قليلاً، وأنه يجب أن يصالحها بهدية بسيطة.. فهو يعرف أن حدود تقسيم العالمين ربما تحتاج إلى مراجعة قليلاً، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية للاعتراف بذلك، وليس لديه تصور عن التقسيم العادل، ويخشى أن يترك لأخته المجال أكثر مما ينبغي فيتحمل مسئوليات كبيرة.. فليأخذ بالأحوط ويحتفظ بالتقسيم القديم، وليحرص بين الحين والآخر أن يكسب ودها بطريقة أخرى.. دخل "فؤاد" على أخته هذا اليوم وهو يقول: "أختي حبيبتي، لقد أحضرت لكِ هدية رائعة.. أنا واثق أنها ستعجبك.." ابتسمت، فهي رغم كل ثوراتها طيبة القلب سهلة الإرضاء.. الآن أضيف إلى عالمها الصغير شيء جديد.. أصبح لديها سجادة.. _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ وضعت "فايزة" الهدية على أرضية الصالة الرئيسية للمنزل، وبالتالي أصبحت السجادة مشتركة بينها وبين أخيها، وهي متاحة أيضا لمن يأتي من الضيوف النادرين.. لم تكن تعتبر "فايزة" السجادة ملكها، ولا كل هدايا أخيها السابقة أيضاً، فهي تعرف أن السجادة ضرورية للصالة، وأن أخاها أراد أن يستغل فرصة شرائها من أحد الباعة المتجولين؛ ليوهمها أنه اشتراها لها.. طيبٌ هو "فؤاد"، لا تنكر هذا.. لكنه دائما يقابل محاولاتها للخروج من الشرنقة بحزم، وكأن اطلاعها على ما هو خارج حدود المنزل سينتقص من عالمه، وأنه لا مجال لأن يشتركا معا في مساحة واحدة.. كانت تتمنى أن تذهب بعيداً وأن تتحرك بحرية أكبر.. كانت تنظر لقدميها وتتساءل إن كان بإمكانهما الجري؟! لا تعرف الإجابة؛ لأن نصيبها من الدنيا محدود بالمنزل الصغير الذي لا يمكن الجري فيه.. و"فؤاد" الذي كان يخاف عليها من الخروج من المنزل، أصبحت لديه في الآونة الأخيرة مخاوف أخرى من العقد النفسية التي ربما يسببها طول الحبس بين الجدران الأربعة.. خاصة بعد أن لاحظ أموراً غير معتادة وليس لها تفسير منطقي.. "أين اختفى قميصي الجديد؟"، سألها وهي نائمة على السرير.. قالت: "لقد تركته في الصالة بعد أن قمت بكيِّه، ولم أره بعد ذلك".. "ساعتي لا أجدها".. ترد: "ربما تكون وقعت منك في الطريق، اشترِ غيرها". "يسعدني أنك أكلت من التفاح، مع أنك دائما تقولين أنك لا تحبينه".. تندهش وتقول: "أنا لم آكل شيئا.. أنا صائمة!". _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ أكثر من حادثة غريبة وقعت في أسبوع واحد، كان يفكر "فؤاد" وهو نائم في غرفته.. حياته الرتيبة مع أخته تتغير، فكل يوم تقريباً يختلفان على أمر ما، أحياناً تتحرك أشياء من مكانها، وتنكر هي أنها فعلت ذلك، وأحيانا تختفي الأشياء تماما! وهذا عجيب جدّاً، فهي لا تخرج من البيت.. فأين ذهبت بساعته التي يضعها في نفس المكان كل يوم منذ سنوات، ولا يمكن أن ينسى مكانها أبداً.. لو كانت تخرج لقال إنها سرقتها وباعتها.. طرد هذا الخاطر من ذهنه.. أخته لا يمكن أن تفعل هذا، ثم أنه لا يحرمها من أية نقود تطلبها، ولا يبخل عليها في أكل أو شرب أو ملابس، وبين الحين والآخر يهبها هدية أو يعطيها مبلغاً من المال في يدها.. التفسير الوحيد هو أن أخته ضاقت بسجنها وأن حالتها النفسية هي التي تدفعها لهذه الأفعال غير المفهومة.. غداً سيستشير صديقه الذي درس الاجتماع وعلم النفس وسيرشده للحل.. مع أن هذا الصديق لا يعمل في هذا المجال، لكنه الوحيد الذي يمكن أن يأتمنه على أسرار العائلة، لا يمكن أن يذهب بأخته لطبيب نفسي حقيقي، ويسيء إلى سمعتها وسمعة العائلة التي حافظ عليها طول عمره.. كان قد أغلق عينيه عندما أحسّ بحركة في الصالة! لم يسمع أي صوت، ولكنه مجرد إحساس أن شيئاً ما يتحرك هناك.. أخته تنام قبله نوماً عميقاً، ونادراً ما تستيقظ قبل الفجر، فماذا عساه يكون في الصالة إذن؟ تسلل بحذر إلى الزاوية التي يمكن أن يرى منها الصالة، ثم تردد في أن يلقي عليها نظرة.. فالذي يتحرك دون أن يحدث صوتاً في الليل هو شخص أو شيء رهيب.. لعله لص محترف! تراجع للخلف ودخل غرفة أخته، أيقظها بهلع، وقال بصوت منخفض: "هناك لص في الصالة!".. والحق أنها لم تخف؛ فوجود أخيها سيحميها من اللص، بل إن شيئاً من السرور دخل على نفسها؛ لأن اللص أمر جديد في حياتها المملة! سيكون هناك الكثير من الإثارة، وسيجري الأدرينالين في دمائها لأول مرة منذ سنوات!. قامت مع أخيها، وبحرص شديد اقتربا من الصالة، وبدا واضحاً لهما أن هناك حركة فيها بسبب انعكاس الضوء على الحائط المقابل.. تسمرا مكانهما للحظة اختفت خلالها حركة الضوء الساقط على الحائط وعاد إلى سكونه.. تبادلا النظرات، وقررا أن يقتربا أكثر ببطء حتى أصبحت الصالة كلها أمامهم.. لم يكن هناك أي شيء غريب في الصالة.. كل قطع الأثاث البسيط في مكانها واللوحات مكانها، وحتى الأتربة التي لم تنظفها "فايزة" منذ أسبوع كانت كما هي.. بحسم قال "فؤاد": "يبدو أني متوتر من العمل، ومن التفكير في بعض الأمور.. وربما كان هناك فأر وخرج من حيث دخل.. إنه شباك المطبخ المكسور بكل تأكيد.." واستدار للمطبخ ليضع لوحاً من الخشب على القطعة المكسورة من الشباك مؤقتاً حتى يستدعي النجار لإصلاحه.. أما "فايزة" فلم تقتنع بهذا التفسير، إنها تعيش في البيت أكثر من أخيها وتعرف كل قطعة فيه.. بل إنها تعرف ترتيب ذرات الهواء في كل غرفة كيف كانت عندما تركتها آخر مرة.. وإحساسها الداخلي يخبرها بأن ما كان في الصالة ليس فأراً بالتأكيد.. وبما أن قطع الأثاث القديم ليست من عادتها أن تتحرك، فإن الاحتمال الباقي هو أن السجادة هي التي تحركت.. وارتجف قلبها لهذا الخاطر وهي تسرح في الزخارف العجيبة التي زينت بها السجادة وخيل إليها أنها عبارة عن وجه، وأن الوجه يبتسم لها! _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ لعدة أيام أخرى لم تجرؤ "فايزة" على تنظيف الصالة أو النظر في "وجه" السجادة، مع إيمانها بأن السجاجيد لا تتحرك، ومع أن السجادة فوقها كراسي ومنضدة ثقيلة، فحتى لو كانت تمشي فإن قطع الأثاث ستمنعها، ما لم تكن السجادة أقوى منهم فتطرحهم أرضاً وتسير بحرية في الشقة! كانت تعرف أن هذه خواطر فارغة وغير حقيقية.. السجاد لا يتحرك ولا يبتسم، هذه حقيقة يعرفها الجميع.. وقد حان الوقت للقيام بتنظيف الأتربة من الصالة، وتجاهل هذه الأوهام.. كان أخوها خارج المنزل وهي لا تجد ما تفعله ككل يوم.. اتجهت للصالة وبدأت تنفض التراب عن الكراسي وتمسح اللوحات.. استغرقت في التنظيف ونسيت كل ما يخص السجادة التي استقرت على أرض الصالة.. تعمل في بطء؛ فهي ليس لديها شيء آخر تفعله حتى نهاية اليوم.. صعدت فوق كرسي لتمسح لوحة والتفتت عفوياً إلى الأرض، حيث ستسقط الأتربة التي تنفضها من اللوحات، والتي ستكنسها بعد ذلك في الخطوة الأخيرة من عملية التنظيف.. ولكنها تسمَّرت في مكانها عندما لاحظت تلك الآثار.. كانت هناك آثار واضحة لقدم شخص سار على هذه البقعة!! نزلت من على الكرسي وأخذت تتفحص الآثار.. ففي الأسبوعين السابقين لم تسر هي في هذا المكان من أرض الصالة بالتأكيد، ولا أخوها يسير حافياً على البلاط هكذا.. ثم إن هذه القدم أكبر بكثير من قدمها أو قدم أخيها.. هناك شخص ما كان يسير هنا، ويبدو أنه نسي أن يزيل آثار أقدامه أو لم ينتبه لها أصلاً.. لكن السؤال الذي دار بذهنها هو: من أين جاء صاحب هذه الآثار؟ وأين اختفى؟ هل هو رجل خفي يسير ولا يراه أحد لكنه يترك آثاره على الأرض كما يحدث في الأفلام؟! كان لديها شعور بأن للسجادة دوراً في هذه الأمور كلها، لعلها هي التي كانت تتحرك، وربما كان لها أرجل أيضاً.. ورغم سذاجة الفكرة إلا أنها لم تستطع أن تقاوم رغبتها في رؤية السجادة من الجهة السفلى؛ لتتأكد من أنها بلا أرجل! قلبت السجادة، وخاب ظنها عندما رأتها سجادة عادية جدّاً. كل ما يميزها هو بقعة من سائل ما، يبدو أنه انسكب عليها وقد غسلت آثاره من الجهة العلوية فقط. واضح أن هذه السجادة مستعملة، وهي لم تفاجأ بالأمر فمنذ أن دخل بها أخوها حاملاً إياها هو والبائع وهي تدرك هذا. إن للسجاد الجديد رائحة وملمساً لا يخطئهما أحد.. القصة تتضح إذن، هذه سجادة انسكب عليها شيء فتخلص منها أصحابها، وقد غسلها بائع السجاجيد وباعها لأخيها.. لكن ما علاقة هذا بآثار الأقدام؟ وما الذي يتحرك في الصالة في الليالي؟ بل أين اختفت ساعة أخيها والأغراض الأخرى؟ خطر تفسير واحد ببالها، وهو تفسير علمي تماماً، نابع من متابعتها لبرنامج الدكتور "مصطفى محمود" (عن العلم والإيمان)، وبعض حلقات الخيال العلمي الأجنبية وروايتين أو ثلاث للدكتور "نبيل فاروق" أحضرها لها أخوها ذات يوم كهدية صلح بعد أحد الخلافات.. التفسير هو أن هذه البقعة هي فجوة بين عالمين! هناك سائل رهيب انسكب على السجادة، وفتح الحاجز الذي يفصل بيننا وبين الجن أو الأشباح أو أي مخلوقات أخرى. وهذه المخلوقات تخرج من البقعة؛ لتمرح في الشقة وتسرق الأغراض، ثم تعود إلى عالمها! سوف يضحك أخوها من هذا التفسير، ويتهمها بالجهل، ولن يصدقها أحد.. حتى هي نفسها ستشك في عقلانية الفكرة واحتمال حدوثها إذا جادلها أخوها قليلاً.. عندما يعود ستسأله إن كان هو صاحب هذه الآثار أو إن كان لديه تفسير أكثر عقلانية لوجودها.. أما الآن فقد نوت أن تغسل آثار السائل التي على ظهر السجادة، فإن لم تكن هذه الآثار بوابة بين عالمنا وعالم آخر، فهي بقعة غير نظيفة يجب أن يتم غسلها بالماء والصابون المعطر والكلور.. جهزت أدوات التنظيف وبدأت العمل دون أن تدري أن ما تفعله خطير.. وأن ما سيترتب عليه أشد خطورة! _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ عاد أخوها في نهاية اليوم وقبل أن يخلع ملابس العمل أخذته من يده إلى آثار القدم المطبوعة في التراب.. كانت قد غسلت السجادة جيداً وأزالت ما كان بها من أوساخ، ولكنها لم تكمل تنظيف الصالة حتى تظل آثار الشخص أو الشيء الذي كان يسير عليها موجودة.. وعندما أتمّت شرح نظريتها حول العالَمين اللذين انفتحا على بعضهما من خلال بقعة في سجادة الصالة، مؤيدة كلامها بآثار الأقدام التي لم تكن لأخيها طبعاً، بدأ هو يحلل الأمور من وجهة نظر أخرى مستعيداً كلام صديقه ومستشاره في الأمور النفسية، والذي كان قد فاتحه في مشكلة أخته على استحياء.. فقال الصديق: "أختك تعاني من الوحدة، إن الحبس الانفرادي كعقاب للمجرمين هو من أقسى العقوبات؛ لما يحدثه من تدمير لطاقة الفرد الحيوية والنفسية، وأنت مخطئ في تعاملك مع أختك، وهي حاولت أن تنبهك بالكلام والنقاش وأحياناً بالشجار حول أي سبب مهم أو تافه؛ فقط لتظهر لك عدم رضاها.. وأخيراً عندما لم تفلح كل هذه الوسائل، بدأت في محاولة لفت انتباهك بطريقة أخرى، وذلك عندما تركت شباك المطبخ المكسور مفتوحاً ليدخل منه فأر، واستغلت وجود الفأر؛ لتصنع قصة عن لص أو شبح.. ولا أستغرب إن كانت ستؤلف لك غداً قصة عن كائنات فضائية تخرج من الثلاجة! اسمع يا "فؤاد"، أختك بحاجة إلى اهتمام أكبر منك، وبأن تفتح لها مساحة في عالم الواقع بدلاً من أن تفتح لنفسها هي باباً لعالم الأوهام والأمراض النفسية المعقدة، وعندها لن أستطيع أن أفيدك، وستضطر للذهاب إلى طبيب نفسي حقيقي.. أرجوك حاول أن تساعدها، وإن كان هذا سيتطلب منك مجهوداً أكبر، وتذكر أنه لا الهدايا ولا الأموال يمكنها أن تنفع من كان في الحبس الانفرادي".. لقد اختلقت أختي كل هذه الأحداث وربطتها مع بعضها بخيال تحسد عليه، ولم تكتفِ بهذا، بل صنعت هذه الآثار بمهارة.. إنها تبدو حقيقية لولا أنه يستحيل أن يكون هناك من سار في هذه المنطقة من الصالة دون علمه أو علمها.. كما أن أثر القدم الذي صنعته "فايزة" تبدو غير متقنة ولا يمكن أن تكون آدمية أبداً.. _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ في تلك الليلة ساد الهدوء الشقة، ولم تكن هناك أي أصوات غريبة، حتى أن "فايزة" قررت أن تنام نوماً هنيئاً بعد أن أغلقت بوابة الجحيم كما تصورت.. كانت تتخيل أنها لا تقل بطولة عن أقوى الرجال، فهي بغسيلها للبقعة التي كانت على ظهر السجادة قد حمت الأرض كلها من شر لا يعرف أحد حدوده! وفي غمرة فرحها بالإنجاز الذي لم يعترف به أخوها شعرت بالعطش، فتوجهت للمطبخ؛ لتحضر كوباً من الماء.. تحركت في خفة حتى لا يستيقظ أخوها منزعجاً، ولما اقتربت من الصالة أحست بحركة خاطفة.. انتابها القلق من أن يكون إنجازها الكبير في تنظيف الصالة لم يؤتِ كل ثماره، وأن الفجوة لا تزال مفتوحة، فوقفت خلف ستارة بعيدة تنظر للصالة في الظلام متفحصة كل شبر فيها.. كان كل شيء في مكانه، لا يوجد ما يثير الاستغراب أو يدعو للقلق.. لكنها استمرت واقفة في مخبئها ربع ساعة لا تتحرك؛ لتتأكد تماما من أن كل شيء على ما يرام.. وبعد فترة من الاختباء أدركت أنه لا فائدة مما تفعله، فهمّت بالعودة إلى المطبخ؛ لتحضر كوب الماء، عندما لمحت حركة خفيفة على سطح السجادة.. لم تتبين طبيعة الحركة وهي بعيدة نسبياًَ عن السجادة، وخافت أن تقترب فتتوقف الحركة.. انتظرت في مكانها حابسة أنفاسها وهي ترى خيوط السجادة تخرج منها وتدور حول نفسها في الهواء كأنها إعصار صغير، ثم تتجمع في شكل غير واضح.. مرت ثوانٍ والشكل يتكون.. حتى ظهر بوضوح رغم الظلام رجل كامل! رجل ضخم من خيوط ووبر مختلفة الألوان، لكنها بدت متناسقة عليه كأنها لباس مزخرف، وكان بها شبه كبير من زخرفة السجادة التي بدت في هذه اللحظات عارية إلا من بعض الخيوط القليلة التي بقيت متعلقة بأطرافها.. كان وجه الرجل ينظر إلى زاوية غير التي تختفي فيها "فايزة"، ولهذا لم يلمحها وهي تفتح فمها في انبهار وخوف دون أن يصدر عنها أي صوت.. قام (رجل السجادة) بتحريك جسده كأنه كان محبوساً في صندوق ضيق وتحرر منه.. أخذ يشد أطرافه في حركات أشبه بتمارين رياضية، فبدت عضلاته المكسوّة بالخيوط الملونة للسجادة في منتهى التناسق والجمال، وأطراف الخيوط تتمايل مع حركاته في مشهد ساكن رهيب.. وكان هذا فوق احتمال "فايزة" فشهقت في فزع شهقة قوية انتبه لها رجل السجادة، فالتفت فجأة إليها والتقت عيناه بعينيها لمدة لا تزيد على جزء من مائة جزء من الثانية، تفكك بعدها فوراً وعادت الخيوط إلى أماكنها في ثانية واحدة! وعلى صوت الشهقة استيقظ "فؤاد" مفزوعاً ومتضايقاً في نفس الوقت، متوقعاً من أخته حكاية جديدة تلفت بها انتباهه لمشاكلها التي يعرفها، وقد قرر بالفعل أن يبدأ في حلها.. في كلمات متقطعة أخذت تصف له الرجل الذي تكوّن جلده من خيوط السجادة، وكيف أنه كان يقف في الصالة، ويتحرك ثم عاد مرة أخرى إلى السجادة عندما رآها.. كان الوقت متأخراً، و"فؤاد" يريد أن ينام ليلحق بعمله في الصباح الباكر، ولذلك وقف بعصبية على السجادة، وأخذ يقفز عليها قائلاً: "هذه هي السجادة.. لا شيء فيها، لا رجال ولا نساء ولا شيء، انظري إليها، تعالي، قفي عليها، أمسكيها.. هل فيها أي شيء غريب؟ هل أصابك الجنون؟ هل.." ثم قطع عبارته بغتة عندما لاحظ شيئاً وأخذ يتأمل السجادة لحظة.. قطعت تأمّله "فايزة" عندما ارتمت عليه باكية، ورجته ألا يتركها في البيت وحدها، وأن يلقي بالسجادة خارج المنزل.. وأن يأخذها معه إلى العمل إذا لم يكن هناك مكان تذهب إليه.. ضمها إليه، وأخذها إلى غرفتها مهدئاً إياها دون جدوى؛ إذ ظلت تبكي حتى الصباح رافضة أن تنام أو تتركه ينام إلا في نفس الغرفة جوارها.. قبل الفجر بقليل عندما نفدت طاقتها ونامت هي أيضاً.. أما "فؤاد" فقد استيقظ لعمله وارتدى ثيابه بينما أخته نائمة، ومر بالصالة ناظراً إلى السجادة محاولاً تذكر شيء مما خطر على باله بالأمس لكنه نسيه.. هناك شيء غير مريح في السجادة لكنه لا يعرف ما هو.. نفض عن رأسه هذه الأفكار، ونزل من البيت.. تاركاً أخته نائمة وحدها، مع السجادة.. أو بعبارة أدق مع رجل السجادة.. _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
الجزء الثاني والأخير |
|||
|
![]() |
|
|