خرج طفل في الرابعة من عمره إلى ساحة اللعب أمام داره يلهو كبقية الأطفال لكن لم يكن في الحي غيره من الأولاد جلس وحده يتأمل السماء الزرقاء والغيوم البيضاء سعيدا بمنظر السحب ، وتراءى له من بعيد طائر كبير يحلق في السماء ، فتعالت صيحاته ، ينادي ذاك الشئ ،
ينادي باقتراب هذا الطائر متعجبا من ضخامته وكبره ، هاله منظره لكنه في نفس الوقت وقف متسمرا مكانه يود أن يقترب وإحساس بالخوف يخالطه شعور ورغبة للتعرف عليه ومشاهدته عن قرب ، وتعالت صيحاته ، كلما اقترب هلل فرحا ثم تختفي بشئ من الخوف لكن سرعان ما يقطع هذا الخوف بتهليل وتعبير عن الفرحة الغامرة برؤية مثل هذا الشئ الغريب الضخم ، وفعلا كان هذا الطائر يقترب وعندما اقترب صرخ الولد صرخة رعب ، واختفت ضحكاته ، وما هي إلا لحظات
أمسكت به يد حانية تحمله بعيدا عن هذا الطائر ، رجل من الحي أمسك به ، وصار يجري بأقصى سرعة تحت ظل شجرة أو مبنى ليحتمي منه ويحمي هذا الطفل الصغير ، واصل الرجل الجري إلى أن وجد شجرة كبيرة جلس تحت ظلها كي يستطيع الفرار والخلاص من هذا الطائر ، وفي تلك الأثناء كانت والدة هذا الطفل تبحث عن طفلها تنادي وتصرخ لكن لا من مجيب ، سارعت للدخول إلى البيت طالبة النجدة من زوجها ، لعله يعرف عنه شيئا ، ومن هول الصدمة والمفاجئة برد زوجها أنه لم ير الطفل منذ أكثر من ساعتين ، خرجا مسرعين كل ذهب في اتجاه وخطواتهما مليئة بالخوف ، بدأت نبضات القلب تتسارع كلما مر الوقت دون رؤية طفلهما ، جلست الأم على الأرض ، لم تعد تقوى على السير ، والحزن قد عصر قلبها ، بدا الأب قويا لكن قلبه امتلأ حزنا والعبرات مسجونة بين الرموش ، وما زال ينادي ويصرخ على الطفل هادي ، يحدث نفسه ، بألم لا يدري كيف هو الفرار من هذا الألم ، غط في تفكير عميق ، يحاول الوصول إلى حل في إيجاد ابنه هادي ، وفي تلك الأثناء كان الرجل يحتضن هذا الطفل الصغير محاولا تهدئته لإبعاد الخوف عن قلبه الصغير ، حينما اطمأن لابتعاد هذا الطائر المخيف محلقا في الجو ، حاول الخروج والسير بخفة للعودة به إلى أهله ، لكنه سلك طريقا مخالفا ، لا يصادف هذا الطائر من جديد ، سار طريقا طويلا ، وفي الأثناء
شاهد سرب من الطيور تطير عاليا لكن الطفل أدهشه منظرها وعاد يهلل فرحا وكأن شيئا لم يحدث
عادت الفرحة إلى قلبه ونسي ما رأى من ذاك الطائر ، اشتاق لأمه فجأة ذكرها وأحب العودة إليها ، وعده الرجل بأنه سيأخذه عندها الآن ، وماهي إلا لحظات حتى اقتربا من البيت كان حال الوالدين مريرا ، ورجال الشرطة تعم المكان ، وما إن وقعت عينا الأم على ولدها ، ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهها ، وهلل الأب صراخا معلنا الفرحة بصراخ من القلب ، والتقت القلوب من جديد ، قدم الأب الشكر للرجل على مساعدته لابنه ، وقدم الرجل للأب نصيحة ، بألا يبعد طفله الصغير عن نظره.