إلى زوج في منفى الغربة
زوجي العزيز أو بالاحرى دعني أخاطبك هذه المرة بصانع السعادة، ها هي الأيام تمر وكأنها عجلة عربة تعبر من فوقي من كثرة ما أجد من صعوبة في هذه الأيام التي تركتني وحيدة استفتح صباحها وأودع مساءها، اكتب حروف كلماتي وأنا اشعر أنني أتدحرج ببعضها وأنقطها بدموعي واقبلها حرفا حرفا وهي بطريقها إليك، فهل يا زوجي تستطيع هذه الحروف أن تنقل بصحون الباء والنون أشواقي فانا أتخيلها تستنزف عواطفي مثلما تستنزف الحبر الموجود في قلمي، يا الهي يا زوجي يا ليتك تكون في غرفتي قنديلا تضيء لي هذه الغرفة المظلمة التي اعتمت من بعدك، وكان ظلامها سرمدي لترى كيف تتحول الكلمات إلى حكايا ألف ليلة وليلة، يكون فيها شهريار يمثل غيابك عني.
زوجي العزيز لا تظن انك الوحيد في بلاد الغربة تعاني من ضنكها وتحاصرك لياليها كقضبان سجن بعيد، فبعدما غادرت عشت مثلك في غربة أنت وطني ولم اعرف إلا بعدك إن الوطن يغادر مواطنه وان الأشجار تغادر الربيع، كل شيء بعدك في بيتنا تحول إلى لوحة كئيبة، الطاولة المستديرة في المطبخ، فنجان القهوة الصباحي، صحون الفواكه وصينية العشاء وغرفة النوم كأنها قلبت إلى زنزانة فردية، لا يرافقني بها إلا السهر الليل الطويل ولطافة ذكرياتك التي تراودني كأحلام يقظة، انظر في كل مكان لعلي اسمع صوتك أو أراك جالسا على الأريكة أو تخرج من الحمام بشعرك المكنفش الجميل ويوقظني دوما بكاء الطفل الصغير الذي يناديني بابا .. بابا.. امسح دموعه بأناملي وأقول يا ليته يسمع لناديته قبلك.
أصحو صباحا دون إن اسمع ذلك اللحن الجميل الذي كانت تعزفه ماكينة حلاقتك، انظر إلى المنشفة البيضاء ما تزال معلقة ولن تأتي على رقبتك مثل كل صباح كزوجي حمام والخزانة ما تزال مغلقة ولن (تطقطق).. لا احد يسألني ماذا احتاج لهذا اليوم، ولا احد يهديني كلمة صباح الخير في تلك الفترة يبكي الطفل أقوم لتهدئته وأنا بحاجة للبكاء أكثر منه ، اخرج ملابسك النظيفة اغسلها واكويها وانسق كل قميص وبنطال، اعرف انك لن تأتي هذا الأسبوع، ولكنني لن أستطيع إن أتخلى عن ذلك الواجب الجميل، أسرع في توضيب البيت، اطبخ أكلتنا المفضلة، أضع على الطاولة كوبين وصحنين، وكلم دخلت إلى غرفة أو خرجت من غرفة انظر إلى الساعة منتظرة إن يقترب العقرب الصغير من الرقم الرابع أي وقت عودتك، أغير ثيابي واجلس في الصالة انتظر صوت أقدامك على الدرج، موجهة بصري إلى يد الباب ، كانت تنزل بعنف معلنة دخولك إلى البيت، ليركض الطفل عليك كغزال بري وتتوجه ابتسامتك كعصفور سنونو مهاجر الي، ولكن تأتي الساعة الرابعة والخامسة.. ولا يأتي احد حتى أتوجه إلى أوراق الروزنامة ليلا واطلع واحدة منها هيا اذهبوا بسرعة ليعود زوجي من غربته، لقد علمتني أشياء كثيرة وكان الدرس الأكبر إن البعد العميق يولد حبا أعمق وان الشوق عسل ينبت في خلية القلب المشتاق، كنت أخشى إن حبي لك وصل إلى النهاية، ولكن الغربة علمتني أني ما زلت املك الكثير الكثير.. وها أنا انتظر عودتك كما تعود الأمطار إلى الأراضي المقفرة.
بقلم: عمر تيسير شاهين
Omar_shaheen78@yahoo.com