رواية الزنيم لفوزي الديماسي انموذجا
بقلم محمد الحبيب الرّويسي *
ثمّة في الإنسان بؤرة لممكنات صامتة هي المستحيل الممكن و الممكن المستحيل . و ثمّة ما يحرّضنا على ضرورة أن نكتب هذه الممكنات بالانطلاق من تلك الشّرنقة بين لغة الاستحالة و لغة الإمكان . و الشّرط في ذلك أن نتحسّس عنف الجرح الذي ينتهي إليه طرح سيرة الإنسان في المدوّنة الروائية للكاتب التونسي فوزي الديماسي . فأي معنى لهذه السيرة و قد انشدّت إلى لحظة العودة و لحظة الحلم ؟ أيّ معنى للزنيم الروائي في عالم يدجّنه الزنيم السياسي و الزنيم القيمي و الزنيم الثقافي ؟
تشي كتابة الزنيم بديباجة إناسيّة ، هي إناسة القبح الذي تعتّمه رماديّة المكبوت . و المكبوت هو ما يشكّل الحقيقة التعيسة للذات الإنسانية . إنه المستند المدندن و السرّي الذي تمركز فيه فوزي الديماسي لتحطيم أسوار الإنسان . و من هنا كانت الرواية إطلالة على عتبات إناسيّة ، هي الوجه الأخر من انفجار الأقنعة التي يتنرجس بها الكائن الإنساني . و السيرة كما حفّت في رواية الزنيم لحظة جريحة يغترب فيها الإنسان بالكلمات و الطقوس حتى أمسى الواقع منشدّا إلى اللاواقع و الراهن إلى اللاراهن . ومن تيه هذا التمزّق نقرأ الدفاتر المتعفّنة لقبح المكان و الزمان و الشخوص في رواية الزنيم :
فالمكان هندسة للعنف الرمزي الذي يترصّدنا و النّاسل من مواقع منغلقة لا تنكشف إلا لتغرقنا في ألم الاحتجاب . و هو ما تضمره سيميائية الزنزانة في النص ، وعنف المرئي و اللامرئي فيها . أما الزمان فوحدة لكنها متقطعة . إنه زمان نفسي / وجودي ينخره الرعب حتى أمسى الإنسان فيه لا يدرك متى تبدأ إنسانيته في الظهور و التنزّه و متى تنغلق . و تكون الشخوص كائنات هشّة تلاعب بها المجهول واستبدّ بها الغياب . و لا يجمعها إلا إرث جسدي سرعان ما يتلاشى امام فتنة المنع و التّنميط و التّرميز و القهر . هي شخوص تعاني الانتحار الحضاري في زمن تعولم فيه الموت . هو ذا عالم رواية الزنيم الذي اخترقته لحظة و سمناها بعودة المكبوت . لكن هذا المكبوت بكثافته اللّغزيّة لا يستثني هامش الحلم الذي يكوّن الكتابة الروائية ، فماذا عن لحظة الحلم المباطنة للمكتوب ؟
لحظة الحلم سفر استكشافي مجنّح في رواية الزنيم . و هي رفض للاندثار عبر تحليق الكتابة فيما يجب أن يكون . و من هنا كانت لحظة التخييل الروائي طفرة إبداعية لأنها إنشاء لمدائن بديلة يكون فيها الإنسان كائن الحرية . وفق هذه اللحظة الحالمة ارتقت الرواية إلى أن تكون مدوّنة الظفر بالمستقبل .
إنّ من معاني الزنيم الروائي رفض قيم العنف التي تصادر إنسانية الإنسان في كلّ زمان و مكان . و لا شكّ أنّ هذا الزنيم يترصّده زنيم معولم ينتهك براءة الكلمات و تعدّد الأشياء .
رواية الزنيم هي بحقّ تعرية إبداعية لقبح الراهن و فضح لعصر السقوط في زمن تصحّّر المعنى
* محمد الحبيب الرويسي
باحث من تونس