الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-10-2011, 06:44 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي الدار اللي هناك ـ1ـ


الدار اللي هناك

"الدار اللي هـناك" أغنـية شغـف بها جـدي كثيـرا وصارت مفضـلة عند أبي الـذي يردد مرارا أنها تذكره ببيت طالما تمنى الإقامة فيه مثلما حلم باقتـنائه العديـد من سكـان القريـة لجماله ورحابـته . ولكـم تمنـيت معرفة سـبب بقـاء ذلك البـيت مهجـورا حتـى تآكلت حيطانه وتساقط قرميده . لكنه ظـل شامخا محتفظا بكرمته المتفرعة في جميع الاتجاهات لتغطي السور العالي المحيط به وتطـل من بوابتـه التي صارت لا تكاد تبـين للقـادم نحـو القريـة من الجهـة السفلى . وكنـا نسمي هـذه الجهـة بالشط ، وهو عبارة عن جـرف سحيق يصير شلالا حين يمتلئ النهر المحاذي للقرية . وكان منزلـنا بالجهـة العلـيا حيـث الـدور الخاصـة بالجنـود . وكثـيرا ما سمعت أمي وهي تثني على القرية ، ليس لخيراتها الوفيرة فقط ، بل لأنها المكان الوحيد الذي نعمت فيه بالاستقرار بعد حل وترحال ونزوح من عدة مناطق بحكم عمل أبي كجندي بالقوات المساعدة .
كانت تحيط بقريتنا جبال شاهقة تكسوها الثلوج في فصل الشتاء بحيث تنعزل عن العالم الخارجي ويصير الخروج منـها أو ولوجها مستحيلا لرداءة حالة الطريق المتفرعة عن الطريق الرئيسية المؤدية إلى الريف شرقا وإلى تطوان غربا . وكانت الأشجار و المزارع تكتنفها من كل جانب ، فصارت مرتعا أليفا لنا . إذ كنت أنطلق منذ الصباح مع زمرة من أبناء الموظفـين وثلة من القرويـين، لا رادع يردعنا ولا من يكبح جماح شقاوتنا . نذرع الروابي ونتسلق الجبال وننحدر إلى الوادي حيث الغدران ، فنسبح ونصطاد كـل ما يقع تحت أيدينا من يمام وعصافير قبل أن نعود منهوكي القوى . وفي طريق عودتنا نجني ما طاب لنا من كرز ومشمش وتين مما يزيد في بطء خطواتنا وعيائنا . ولكن ذلك لم يكن يمنعنا من متابعة اللعب حين يحل الظلام . فنتقمص أدوار الشرطة واللصوص ويـلذ لنا الاختباء فوق أغصان الأشجار أو خلف الأسوار ليفاجئ بعضنا البعض بتصويـب المسدسات الخشبـية أو البلاستيكيـة . وكثــيرا ما كنا نختبئ قرب حديقة المنزل المهجور فيعتريني شعور بالرهبة ولذة المغامرة ، وأقضي لحظات في تأمله ، خاصة الجهة التي تظللها شجرة تين عظيمة .
ولا زلت أحتفظ ببعض الحكايات التي كان يرويها لي جدي قبل أن برحل عن هذه الدنيا ، وهي حكايات لم تزدني إلا فضولا ولهفة للاطلاع على أسرار الدار وخباياها... قال لي مرة ونحن جالسين على ضفة النهر القريب من منزلنا :
- هذا المنزل محصن ، ولن ينفذ إليه أحد مهما بلغت شجاعته .
- ألم يحاول أحد ذلك ؟
- بلى ... حاول أحد المتشردين تسلق السور للمبيت وراءه كما يبدو ، لكن...
قلت وقلبي يدق بعنف :
- لكن ماذا ؟
- لم يشعر المسكين إلا وهو يرمى بعيدا ، ليقضي أياما يئن من رضوض بجسمه لازما الفراش وهو يشير إلى ناحية السور.
- مسكين... ماذا رأى ؟
تنهد جدي وقال ساهما :
- هذا ما لا يعلمه إلا الله... وليس هذا فحسب .
وحين لزمت الصمت استطرد قائلا :.
- هذه المرة ، كان تلميذا . تغـيب في حصـة الصباح ليستكشف ما بداخـل البـيت . لكـنه لم يـكد يقتعد السور وينـظر إلى ما خلـفه حتــى أسرع بالنزول وهو يصيح طالبا النجدة... ماذا رأى ؟ الله أعلم . إنما الذي يعرفه الجميع هو أن ذلك الغـلام صار يذرع الطرقـات ملوحا تارة ومقهقها تارة أخرى و باكيا أحيانا دون أدنى سبب . وحين يصل قبالة البيت المهجور يصيح صيحة كالعواء ثم يهرول بعيدا. وسكت جدي ، ولم أعقب أنا برد ولو بسؤال ، فالتفت إلي مبتسما وقال : - هل أخفتك ؟ أريدك شجاعا ، ثم... ادن مني ، سأسر إليك بخبر سيفرحك حتما... سيكون من حقك وحدك ولوج هذه الدار . لا تقل هذا لأحد ولا تسألني عن السبب . و عاد الصمت من جديد . ولم أعد أسمع سوى حفيف الشجر وأوراقه المتساقطة . وعند أقدامنا كان النهر ينساب هادئا... كم كان الخريف جميلا . لكنه حزين . إذ ما لبث جدي أن رحل عنا وبقيت وحيدا أسترجع ذكراه وما كان يرويه لي من حكايات غريبة لا أمل سماعها . وصارت الأفكار تتقاذفني ، ويعج رأسي بتلك الحكايات التي يضاهي بعضها البعض فظاعة وغرابة . ولكن ، هل فت ذلك مــن عضدي وأخمد نار الفضول في نفسي ؟... حقا ، في بعض الأحيان كنت أشعر بدبيب الخوف يسري في أوصالي وأنا أطلق العنان لخيالي ليزيد الحكايات غموضا وهيبة ، فلا أجد بدا من الالتجاء إلى أبي لتنهال عليه أسئلتي التي غالبا ما كانت تحرجه .
ففي الوقت الذي حرص فيه على ألا أستسلم للخرافات والأساطير وألا أقع فريسة للـخوف من الجان والأشباح ، عمل جاهـدا على أن أتجنب ، كسائر أقراني ، محاولة ولوج البيت الغريب أو حتى الاقتراب منه ... سألته مرة :
- لماذا ؟ هل هو مسحور ؟
تردد قليلا ثم قال :
- كلا... لكن سقطة في حفرة أو انزلاق ... أو لدغة أفعى قد تكون خطيرة . ثم ، أنت تعلم قدم البيت وتآكل حيطانه . وهذا أيضا خطير.
- أو ضربة جني ؟
- أوه كلا... كن مسلحا بالوضوء وأكثر من تلاوة القرآن ، وهذا يكفي .
كان هذا رأي أمي التي كثيرا ما كانت تتوقف عن أي عمل لتشارك أبي توجيهاته وتكون له خير معين لإقناعي ، فتعقب قائلة: - لا تنس أن الشجاعة شيء والتهور شيء آخر..." ثم تصمت مدركة فهمي لتلميحها .
ويبدأ الموسم الدراسي ، فألتقي بزملائي و يتجدد التنافس على أشده خصوصا بيني وبين لطيفة بنت القائد . لكني في يوم الدخول المدرسي كنت شارد الذهن ، مشتت الأفكار. فلم أنتبه لكلمات الفتاة التي غالبا ما كانت تستفزني فأرد عليها بقسوة تجعلها تبكي وتهـرع لتشكوني لأمها أو لأمي ، لكن لا أحد يعير اهتماما لخصوماتنا الصبيانية ، اللهم بعض العتاب من زوجة القائد حين نكون جميعا في نزهة فتقول ضاحكة :" لقد اشتكتك عروسك... وعليك بمصالحتها " ، فيحمر خداي وتلوي هي برأسها امتعاضا .






 
رد مع اقتباس
قديم 04-10-2011, 01:46 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

2


هل أنبذ فكرة استكشاف الدار من ذهني ؟ كيف السبيل إلى ذلك وأنا أجد نفسي كمشدود إلى شباك تجره ، ولا حول له ولا قوة ؟ لكني ، وفي شرودي هذا ، انتبهت إلى معلمنا وهو يأمرنا بالسكوت ليعلن عن شيء هام :
- اسمعوا جيدا يا أولاد... هذه السنة ستكون اختبارا لكم و لمجهوداتكم . أحثكم على حب الاستطلاع واستكشاف كل ما هو طريف وغريـب.
وحين تطلعت إليه عيوننا في لهفة وتأكد من تأجج فضولنا تابع قوله :
- ستقومون بإعداد موضوع حول أهم ما اكتشفـتموه من غرائب ، وسوف أرسل أجـود ما كتبتم إلى بعض المجـلات لنشره ... وهناك أيضا جوائز أخرى أتركها مفاجأة لكم .
ضج الفصل استحسانا للفكرة ، وعبثا حاول المعلم إعادة الــهدوء بالضرب على المكتب بقبضة يده . فتركـنا نصيح ونعــلق على الفكرة وذهب إلى النافذة يتأمل الحقول الصفراء المنحدرة إلى الوادي السحيق ويداه وراء ظهره . وحانت مني التفاتة إلى الخلف حيث تجلس لطيفة محاطة برهط من صديقاتها ففاجأتها تنظر إلي متحدية ، فابتسمت بسخرية ثم لوحت بقبضة يدي متحديا أيضا . ولاحظت كيف احمر وجهها ، لكني انشغلت سريعا بالحديث إلى زميلي وهو يسألني عما نويت فعله ... الجميع كانوا متأكدين من انحصار التنافس بيني وبين لطيفة . ولم يدر معلمنا المسكين أنه يدفعني دفعا نحو البناية الموحشة ، لينضاف ذلك إلى ما أسر به إلي جدي من أحقيتي في ولوج البيت المهجور .
إذن قضي الأمر وقر عزمي على ركوب المغامرة حالما تسنح الفرصة . وتوالت أيام الدراسة ببردها وأمطارها وثلوجها . وكم كانت محببة إلي تلك اللحظات التي كنا نتحلق فيها حول معلمنا في حجرة الدرس ليروي لنا أمتع الحكايات بينما تكاد السماء تطبق على الأرض فيلمع البرق ويدوي الرعد ثم تصب السماء جام غضبها على الروابي والوديان . وفي بعض الأحيان كنت أجد نفسي وحيدا حين لا يتمكــن الآخرون من عبور النهر فأجلس إلى مكتب المعلم وأتفحص ما حواه الدرج من كتب التاريخ التي كنت شغوفا بها ، وأنهل منها ما أشاء أو أقف عند الباب لأتملى بمنظر الأمطار والوديان الهادرة .
وبدأت العطلة . وانطلقنا من المدرسة في آخر يوم من الفترة الدراسية الأولى صائحين مبتهجين وملوحين بنتائجنا ، غير مبالـــين بالبرد القارس ... برد دجنبر. وقضيت أيام العطلة مع أسرتي ، ننتقل هنا وهناك . نزور عمة لي في تطوان ، ونقضي يومين أو ثلاثة عند خالتي في الشاون ، ثم نعود إلى قريتنا القابعة في وداعة عند سفح الجبل الشاهق .
وكم من مرة حاولت إيجاد مبرر للتخلف عن أسرتي والبقاء وحيدا ، لكني لم أفلح . فصارت كل لحظة تمر وكل يوم ينقضي يؤججان في داخلي شعورا باليأس ونفاذ الصبر. وبدا لزاما علي ألا أضيع الوقت ، وأن أستغله في مراجعة كافة الحكايات والروايات الغريبة الــــتي تتناول المنزل بالوصف . لكني اكتفيت بما كان يرويه لي جدي من عجائب وغرائب . وكنت أتوقف دائما عند حكاية البوم الذي كان يعيــش حارسا لكنز وضعته إحدى الغجريات التي أقامت بالمكان ردحا من الوقت قبل أن يرحل الإسبان عن المنطقة . هذا البوم كان ينعق كل ليـلة من ليالي السمائم المقمرة والحارة ، ويختفي عند حلول البرد بينما تظل روحه تحوم حول المكان منذرة من يقترب بالويل والثبور .
وجاءت الفرصة أخيرا ، فلم أتردد في استغلالها غير مصدق ما يحدث . فقد صدر أمر بنقل والدي إلى إحدى القرى بالريف . وهــذا شيء تعودنا عليه ، لكننا أحسسنا جميعا هذه المرة بأسى عميق لفراق القرية التي ألفناها وسكانها كما ألفنا غاباتها وحقولها ووديانــــها، بل وماشيتها وكلابها . وربما خفف من أساي أنني كنت مشغول الفكر بمغامرتي المقبلة . وكان على أمي أن ترافق والدي لإعداد الــمأوى الجديد قبل أن نرحل جميعا . فبقيت مع أخي الذي يصغرني ببضع سنين تحت رعاية جيراننا. وخلا لي الجو لأبدأ جديا في الاستـــعداد لتلك المغامرة . وأول شيء تبادر إلى ذهني الرفيق . هل أتخذ رفيقا ؟ من يكون ؟ وهل يقبل أن يجازف بنفسه مثلي ؟ ثم ، هل سيكون عونا لي أم على العكس ، سيسبب لي متاعب جمة ؟... فكرت في أخي وخطر لي البيت الشعري القائل:
أخاك أخاك إن من لا أخ له ////كساع إلى الحرب بغير حسام
غير أني أشفقت عليه لما قد يصيبه من عناء أو أذى خاصة وأنه كان يصغرني بأكثر من أربع سنوات ، ولم يكن يــــفارق أمي إلا لماما، لذا أعرضت عن الفكرة وبدأت أستعرض وجوه بعض زملائي عساي أجد بينهم من يصلح لهذه المهمة... أحمد ، الملقب بالأرنب ؟ إنه لا يتقن سوى الصراخ عند الخروج من الفصل . اليزيد ؟ وهذا أيضا ، رغم صلابة عوده ، لا يقوى على العناء والشدة . لم لا يكـــــون الطيب ؟... حقا ، فيه مواصفات المغامر الجريء ، لكنه لا يقوى أبدا على كتمان السر . وقد نال عن جدارة و استحـــقاق لقب " الجـــوزة المثقوبة". ثم إني لا آمن أن تصل أسرار مغامرتي إلى لطيفة ، فينكشف الأمر وتضيع المفاجأة ويفقد موضوع إنشائي عنصر التشويق و الإثارة . أما باقي التلاميذ فهم إما ضعفاء البنية أو إناث .. وهنا توقف ذهني عند منافستي لطيفة ، فابتسمت وأنا أتخيل نفسي فائزا بأحسن موضوع إنشائي لما سيحويه من غرائب ، ثم ما سيكون عليه موقفها ورد فعلها . هل ستقر بالهزيمة أم أنها ، وكعادتها سوف تجد كل المبررات لتهون منها ؟
بعد ذلك توجه اهتمامي إلى ما يجب حمله معي من معدات لاستعمالها عند الحاجة ، فأعددت حبلا ومصباحا وملقطا وحذاء رياضيا وقبعة ، إلى غير ذلك من الأشياء الضرورية للرحلة ، ولم يبق سوى توقيت عملية الانطلاق . وهذا أيضا وضعته في الحسبان منذ رحلتـنا الأخيرة إلى باب تازة حين كان القمر لم يكتمل بعد وفكرت حينئذ في ليلة منتصف الشهر الهجري، ولبثت منذ ذلك الحين أنتظر على أحــــر من الجمر خشية أن يحدث ما يقوض خطتي من أساسها ، كقدوم أبوي فجأة ، أو بعثهم لمن يصحبــنا إلى هناك . لكن، ولحسن الحــظ ، لم يقع شيء من هذا القبيل .
كان الوقت فجرا حين انطلقت . وهو الوقت الذي عودني جدي على الاستيقاظ فيه للصلاة بصحبته. سررت لصفاء الجو، لكني لم أستطع مغادرة حجرتي دون أن ألقي نظرة حنو على وجه أخي ولثم جبينه ، ثم خرجت... كان الهدوء شاملا ولا يتخلله سوى وقع خطواتي على الحصى . ولو سئلت في هذه اللحظة عن شعوري وأنا أتسلل من بيت الجيران ، مارا بمنزلنا القابع في أقصى القرية، تاركا أخي يغط في نومه العميق ، لما استطعت الإجابة . فقد تنازعتني أحاسيس شتى... كنت أشعر بالفرحة ولذة المغامرة وبالخوف من المجهول ، ثــــــم بالأسف لفراق أهلي .. هذا الفراق الذي يمكن أن يكون أبديا ، ولما سوف أسببه لوالدي من حزن وقلق فيما لو تأخرت أوبتي . لكن شعورا بالأمل في التفوق على أقراني ، خصوصا لطيفة ، جعل تصميمي أقوى ، فاستسلمت لخطواتي مترنما بالأغنية التي صرت أعشقها:
الدار اللي هناك عاليمين ////على جنب الدالية الكبيرة *
قبالتهــــــــــــــــــــــا دار ////دار قديمـــــــــــــــــــــــة


* أغنية للفنان المغربي عبد الوهاب الدكالي






 
رد مع اقتباس
قديم 07-10-2011, 04:40 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
اكرام كوثري
أقلامي
 
الصورة الرمزية اكرام كوثري
 

 

 
إحصائية العضو







اكرام كوثري غير متصل


افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

ما احلى مغامرات الطفولة استمتعت بالحكاية







 
رد مع اقتباس
قديم 07-10-2011, 07:04 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اكرام كوثري مشاهدة المشاركة
ما احلى مغامرات الطفولة استمتعت بالحكاية

الأخت الكريمة إكرام ..
لقد شجعني مرورك و تعليقك على إدراج أجزاء أخرى من الحكاية المطولة "الدار اللي هناك"، ويمكنك أن تفهمي من هذا أنها لازالت طويلة و أرجو ألا تثير الملل في نفوس قرائها .
مع كامل مودتي تقديري .






 
رد مع اقتباس
قديم 13-02-2012, 10:12 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
سلمى رشيد
نائب المدير العام
 
الصورة الرمزية سلمى رشيد
 

 

 
إحصائية العضو







سلمى رشيد غير متصل


افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

كانت تحيط بقريتنا جبال شاهقة تكسوها الثلوج في فصل الشتاء بحيث تنعزل عن العالم الخارجي ويصير الخروج منـها أو ولوجها مستحيلا لرداءة حالة الطريق المتفرعة عن الطريق الرئيسية المؤدية إلى الريف شرقا وإلى تطوان غربا . وكانت الأشجار و المزارع تكتنفها من كل جانب ، فصارت مرتعا أليفا لنا . إذ كنت أنطلق منذ الصباح مع زمرة من أبناء الموظفـين وثلة من القرويـين، لا رادع يردعنا ولا من يكبح جماح شقاوتنا . نذرع الروابي ونتسلق الجبال وننحدر إلى الوادي حيث الغدران ، فنسبح ونصطاد كـل ما يقع تحت أيدينا من يمام وعصافير قبل أن نعود منهوكي القوى . وفي طريق عودتنا نجني ما طاب لنا من كرز ومشمش وتين مما يزيد في بطء خطواتنا وعيائنا . ولكن ذلك لم يكن يمنعنا من متابعة اللعب حين يحل الظلام . فنتقمص أدوار الشرطة واللصوص ويـلذ لنا الاختباء فوق أغصان الأشجار أو خلف الأسوار ليفاجئ بعضنا البعض بتصويـب المسدسات الخشبـية أو البلاستيكيـة . وكثــيرا ما كنا نختبئ قرب حديقة المنزل المهجور فيعتريني شعور بالرهبة ولذة المغامرة ، وأقضي لحظات في تأمله ، خاصة الجهة التي تظللها شجرة تين عظيمة .

لم تكمل سرد قصصك يا أستاذ رشيد وطال الغياب ..
عسى المانع لخير إن شاء الله

أسعد الله صباحك






التوقيع

رَبِّ اغْفِرْ لِيَّ وَلِوَالِدَيَّ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِيْ صَغِيْرَا
 
رد مع اقتباس
قديم 20-02-2012, 06:29 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
سمر محمد عيد
أقلامي
 
الصورة الرمزية سمر محمد عيد
 

 

 
إحصائية العضو







سمر محمد عيد غير متصل


افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ


بدون أن أدري امتطيت حروفك وسافرت معك أخي إلى الدار اللي هناك

ذكرتني بحكايا جدتي وأيام الطفولة وما أحلاها

لا أدري كيف أصف هذا الشعور الذي تملكني وأنا أقرأ

لكنه لايوصف..رائع أخي أكمل وأمتعنابعبق الذكريات الجميلة







 
رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 08:11 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلمى رشيد مشاهدة المشاركة
كانت تحيط بقريتنا جبال شاهقة تكسوها الثلوج في فصل الشتاء بحيث تنعزل عن العالم الخارجي ويصير الخروج منـها أو ولوجها مستحيلا لرداءة حالة الطريق المتفرعة عن الطريق الرئيسية المؤدية إلى الريف شرقا وإلى تطوان غربا . وكانت الأشجار و المزارع تكتنفها من كل جانب ، فصارت مرتعا أليفا لنا . إذ كنت أنطلق منذ الصباح مع زمرة من أبناء الموظفـين وثلة من القرويـين، لا رادع يردعنا ولا من يكبح جماح شقاوتنا . نذرع الروابي ونتسلق الجبال وننحدر إلى الوادي حيث الغدران ، فنسبح ونصطاد كـل ما يقع تحت أيدينا من يمام وعصافير قبل أن نعود منهوكي القوى . وفي طريق عودتنا نجني ما طاب لنا من كرز ومشمش وتين مما يزيد في بطء خطواتنا وعيائنا . ولكن ذلك لم يكن يمنعنا من متابعة اللعب حين يحل الظلام . فنتقمص أدوار الشرطة واللصوص ويـلذ لنا الاختباء فوق أغصان الأشجار أو خلف الأسوار ليفاجئ بعضنا البعض بتصويـب المسدسات الخشبـية أو البلاستيكيـة . وكثــيرا ما كنا نختبئ قرب حديقة المنزل المهجور فيعتريني شعور بالرهبة ولذة المغامرة ، وأقضي لحظات في تأمله ، خاصة الجهة التي تظللها شجرة تين عظيمة .

لم تكمل سرد قصصك يا أستاذ رشيد وطال الغياب ..
عسى المانع لخير إن شاء الله

أسعد الله صباحك
العزيزة سلمى .. تحية مودة لشخصك الكريم ..
بعد ظروف صعبة مررت بها بسبب كثرة الواجبات الدراسية ، ثم وفاة الوالد رحمه الله ، أجد نفسي الآن مهيأ للعودة إلى هذا المنتدى المتميز .
أشكرك جزيل الشكر على السؤال وأعدك باستئناف السرد .
دمت بكل المودة ولك باقة ورد تليق بك .






 
رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 08:13 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سمرعيد مشاهدة المشاركة
بدون أن أدري امتطيت حروفك وسافرت معك أخي إلى الدار اللي هناك

ذكرتني بحكايا جدتي وأيام الطفولة وما أحلاها

لا أدري كيف أصف هذا الشعور الذي تملكني وأنا أقرأ

لكنه لايوصف..رائع أخي أكمل وأمتعنابعبق الذكريات الجميلة
الغالية سمر ..
أسعدني مرورك وتعليقك البهي ..
أرجو أن تروق لك باقي الحلقات من هذا القصة المطولة متمنيا ألا يصيبك الملل (ابتسامة)
مودتي الخالصة .






 
رد مع اقتباس
قديم 23-02-2012, 02:19 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
سلمى رشيد
نائب المدير العام
 
الصورة الرمزية سلمى رشيد
 

 

 
إحصائية العضو







سلمى رشيد غير متصل


افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

أهلا بك أستاذنا العزيز رشيد في ديارك
آلمني الخير
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه
وما اصعب الفقد ..
بالنتظار البقية ودون ملل أكيد







التوقيع

رَبِّ اغْفِرْ لِيَّ وَلِوَالِدَيَّ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِيْ صَغِيْرَا
 
رد مع اقتباس
قديم 24-02-2012, 08:38 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلمى رشيد مشاهدة المشاركة
أهلا بك أستاذنا العزيز رشيد في ديارك
آلمني الخير
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه
وما اصعب الفقد ..
بالنتظار البقية ودون ملل أكيد
شكرا لك من كل قلبي أختي سلمى .. وإليك بالجزء التالي .






 
رد مع اقتباس
قديم 24-02-2012, 08:40 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
رشيد الميموني
أقلامي
 
الصورة الرمزية رشيد الميموني
 

 

 
إحصائية العضو







رشيد الميموني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى رشيد الميموني

افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

( تابع )

بيد أن ترنيمتي خفت وأنا أقترب رويدا رويدا من المنزل المهيب ، حتى صارت همسا . وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي إزاء السور العظيم ، ووراءه بدت لي البناية وقد زادها نور القمر رهـبة وجلالا . وكان باستــطاعتي الالتــفاف حول السور من الجهة الخلفـــية
والدخول من البوابة الموغلة في الغابة المجاورة . لكني فضلت تسلق السور ربحا للوقت وتجنبا للقاء أي مخلوق يمر عبر الغابة في طريق عودته إلى القرية ، مما قد يفسد علي مغامرتي ويحبط خطتي ، وبالتالي يبعدني عن الهدف منها .
هاأنذا أنظر حولي من أعلى الجدار ، فلا أرى سوى المنزل وظله ، ثم الأعشاب هنا وهناك وقد اكتسى نصفها سوادا والنصف الآخر بياضا . أعجبني المنظر وأخذت في النزول بحذر شديد . أحس بالاطمئنان . فالبداية حسنة والأمور تسير على ما يرام ، فلأ فكر في الخطــوة التالية ... دنوت من الباب وتفحصته بنظرة شاملة . كان موصودا بقفل ضخم لا سبيل لفتحه إلا بتكسيره بسبب ما علاه من الصدإ . شملتــني رعدة وأنا أتخيل ما سيحدثه كسر القفــل من دوي في هذا الليل الهادئ . لكن ما العمل والنوافــذ كلها مسيجة بشبابيك متينة . أخــذت الملقط الذي بدا لي تافها أمام ضخامة القفل الذي أخذت أحركه يمينا وشمالا ، فلم أشعر إلا والسلسلة التي تشد حلقتي الباب تسقط عند قدمي محدثة رنينا مزعجا ، مما جعلني أغفل عن الــقفل وهو يـهوي ويرتـطم على أسفل الباب الحديدي . ارتج المكان بدوي القــفل ولم أدر ما حدث مـن حولي . تعالى النعيق وحفيف أجنحة منبعثة من الباب الذي فتح تلقائيا على مصراعيه محدثا صريرا رهيبا ردده الصدى من الداخل . خيل إلي أن أرواحا تنبعث منه فكدت يغمى علي ، وخانتني ركبتاي فأسندت ظهري إلى الحائط وقد زادت دقات قلبي عنفا ، واضطربت أنفاسي ... هل أتخلى عن كل شيء وأروم السلامة ؟ .. جلست القرفصاء وفكرت مليا ... هل أدخل ؟.. يجب ذلك ما دمت لم أعد أدراجي فورا .
أمسكت بالمصباح وتقدمت على أطراف أصابعي متوقعا في كل لحظة مفاجأة ، وسلطت ضوء الكشاف في كل الاتجاهات ، فبدت لـــي سلالم تصعد إلى أعلى وأخرى تغوص في هوة دامسة . وخيل إلي أني أسمع صوتا أشبه بلحن أو ترنيمة ، فاقشعر بدني وبدأت أشعر بخوف حقيقي . لكن وصايا والدي وكلمات مدرسي ثم تحدي بنت القائد لي ، كل ذلك لم يدع لي مجالا للتردد .
تقدمت نازلا السلالم و أنا أتمتم بآيات قرآنية حفظتها عن ظهر قلب ، وما لبثت أن وجدت نفسي في قاعة فسيحة الأرجاء مجهزة بأثاث رفيع ، من سجاد وأرائك وصوان ، ومزينة جدرانها بلوحات زيتـــية رائعة تمثل بعضها معــارك طاحنة و أخرى مناظر طبيعية خلابة . وفــي أقصى القاعة باب واسع يفضي إلى حديقة غناء كثيفة الأشجار، فولجتها وقد زادها ضوء القمر روعة والسكون مهابة .
وفجأة تناهى إلى مسامعي وقع خطوات من داخل القاعــة . التفتت مذعورا لأبصر ظلا يمرق عبر الحائط ويختــفي . وقف شعر رأسي واضطربت يدي ، فوقع المصباح على الأرض وتكسر . اشتد هلعي من وجود مخلوقات غيري تتربص بي ، لكن ضوء القمر جعلني أرى جليا ما حولي ، وأرهفت أذني وأنا أنزوي وراء جذع شجرة كبيرة . وما هي إلا هنيهة حتى تعالـت الترنيمة من جديد . كم هــي شجية تلك النبرات وكم هــو حزين ذاك الصوت الذي ملك حواسي وأسال دمعي . تبــدد خوفي للحظات ثم انتبهت لنفسي وللخطر الذي يحــدق بي في هذا المكان المجهول ، فدنوت من إحدى النوافذ التي انبعث منها بصيص من النور ، واشرأب عنقي فوقع بصري على شيخ هرم يجلس القرفصاء وقــد ابيض شعر رأسه وطال كما طالت لحيته . كان يرتل القرآن بصوت عذب أنساني ما جئت من أجله . ثم أفقت من سهوي وفكرت في ما يجــب فعله ، فما راعني إلا والشيخ يرفع رأسه وينظر نحوي قاطعا ترتيلــه . جمد الــدم في عروقي وولـيت على أعقابي أروم الفـرار، لكــن قدمي تسمرتا على الأرض وأنا أسمع نداء الشيخ يشق سكون الليل :
- تعال يا بني... أقبل ولا تخف .
صعقت في مكاني ولم أحر جوابا ، فأعاد النداء :
- لا تخش شيئا… هيا ، كن شجاعا ، فـلست مؤذيك .
هدأ روعي قليلا وأخذ خوفي يتبدد شيئا فشيئا ، فدخلت القاعة من جديد وأنا أقدم رجلا وأؤخر رجلا أخرى . و كأني أكتشف الحجــرة لأول مرة ، فأخذت بروعتها ونقائها ، وقلت متلعثما :
- السلام عليكم و رحمة الله .
- وعليكم السلام ورحمة الله … أهلا بضيفي العزيز . اجلس … ألا تزال خائفا ؟
لم أرد ، فقد كان ذهني مضطربا ، لكن العجوز تابع حديثه :
- قل لي … لم انتظرت كل هذا الوقت لتزورني ؟
نظرت إليه بدهشة وعادت إلى نفسي هواجسها . من يكون هذا الشيخ ؟ ساحرا أم جنيا ؟ … لكنه يقــرأ القرآن ، وقد رد التحية ، فلــم الخوف إذن ؟ ولا حظ هو حيرتي فتبسم قائلا :
- لم أكن أظنك تخاف إلى هذا الحد .
- عفوا… لقد قلت منذ قليل إنك كنت تنتظرني … لكني لا أعرفك .
- أنا أعرفك جيدا ، وكنت أحسبك شجاعا مثل جدك .
- جدي ؟ - صحت وأنا أحملق فيه مشدوها – هل … ؟
- نعم – قاطعني بهدوء – كان - رحمه الله - نعم الرجل .
لم يكمل حديثه، فقد تهدج صوته واغرورقت عيناه بالدموع ، ونظر إلي حزينا فزادت دهشتي وعظم عجبي ، وغلب فضولي على خوفي فدنوت منه متسائلا :
- كيف ومتى عرفته ؟ ومن جاء بك إلى هنا ؟
- تلك قصة طويلة سأحكيها لك ... لكن قل لي ... لم تأخرت في المجيء ؟
- لم تسعفني الظروف ... ثم إن والدي كانا يعارضان ذلك .
- حسنا فعلت بطاعتك لهما... لكن كيف سمحا لك أخيرا ؟
أطرقت خجلا من إطرائه وكذلك من تلميحه الأخير وقلت :
- لم أستطع مغالبة شعور يدفعني للمجيء .
- كنت متيقنا من ذلك ... هذا ما كان يوده جدك .
- لكنك لم تقل لي لحد الآن كيف عرفته .
تنحنح قليلا ثم نهض متثاقلا وهو يقول :
- لقد اقترب الفجر.. هيا اذهب وتوضأ لنصلي ، ثم نجلس في الحديقة ، فالجو ليس باردا.. أليس كذلك ؟
- بلى – أجبت وفكري شارد – الجو جميل .
كم كان شوقي عظيما لسماع الحكاية . غير أني كنت متلهفا أكثر للحديث هن جدي . فقد مر وقت طويل لم أذكره إلا لماما ، وجاء هذا الشيخ الغريب ليضاعف حبي له وحنيني لكلماته ومزاحه معي . وتبين لي أني لم أنسه قط ، بل على العكس ، كان دائم الحضور في فكــــري
ووجداني . وإذا كنت لا أكثر من ذكره ، فلخجلي من دموعي التي كانت تسبقني . أما الآن فقد انهالت ذكرياتي معه دفعة واحدة تعيدني إلى كل لحظة رافقته فيها ، وتسمعني كل كلمة أو نصيحة بل كل عتاب رقيق على هفوة صدرت مني .
حين انتهينا من الصلاة ، افترشنا سجادا عند جذع الشجرة وقد ساد السكون إلا من أصوات الصراصير وحفيف أوراق الشجر المنتصب حول المنزل . وتركني الشيخ لحظات لوحدي قبل أن يعود بصينية مربعة الشكل ، عليها إبريق صغير أزرق مسود القعر وكأسين مزخرفين ، وجلس قبالتي وهو لا يزال يهمهم بالتسبيح والحوقلة .
- هي عادتي كل صباح ... الشاي منافعه لا تحصى .
- جدي كان مثلك...
كنت أتحين فرصة استدراجه للحديث عن جدي . وكأنه أدرك ذلك فابتسم وهو يفرك يديه وقد فاحت رائحة النعناع الممزوجة بأريج العنبر الذي يملأ الحديقة وقال :
- أراك متلهفا لما سأقصه عليك... لا بأس..
وارتشف الشاي ثم تابع قائلا :
- اعلم أني وجدك رحمه الله ننتمي إلى قبيلة واحدة ، هي بني ورياغل في الريف . كنا لا نفترق في صبانا حتى بلغنا الشباب ونحن رفيقان في القسم وفي الطريق . وقد شهد لنا معلمونا بالنجابة والجدية ... لكن...
تطلعت إليه بلهفة أستحثه على متابعة حديثه ، فأخذ رشفة ثانية من الشاي وأردف قائلا :
- ذق الشاي... لن تجد لذة مثله في العالم... ماذا كنت أقول ؟ ... إيه... جاءت الحرب ليتوقف كل شيء . دمرت المدارس والمنازل وتشرد أهل القرى فلجأنا إلى أجدير .
- أجدير ؟
- نعم ، كانت مقر زعيم المقاومة الخطابي العظيم ... كم اشتد حماسنا لما رأيناه من إقدام وشجاعة أهل الريف .. رأينا كيف توافد المتطوعون من تفرسيت و مسطاسة وبني انصار ، فلم نملك إلا أن ننضم إلى المقاومين ونحن لا زلنا يافعين ... اشرب الشاي يا بني... اشرب .
رشفت بدوري رشفتين ألهبتا شفتي دون أن أحيد بصري عن الرجل ، منصتا في شغف ... حدثني عن بطولات جدي وشهامته وروى لي كيف اقتحم معسكرا العدو دون أن يؤذي امرأة كانت تولول عند رأس زوجها الجريح ، أو يجهز على هذا الأخير . ثم ذكر لي الانتصار العظيـــم في أنوال ومساهمته هو وجدي في صنعه .
- و ماذا كان من شأن الجريح وزوجته ؟- سألته مبهورا بأخبار البطولات .
- تم أسره ، ثم افتداؤه ... لكنه لم ينس صنيع جدك ، وسترى أنه سيعمل جاهدا على رد الجميل .
- حقا ؟... كيف ذلك ؟
كنت مصغيا إليه بكل جوارحي ، بينما عيناي تتفحصان اللوحة الزيتية التي تمثل حربا ضروسا ، حتي خيل إلي أني أسمع سنابك الخـــيل وصهيلها ، وطلقات البنادق ، وصيحات المقاتلين تنبعث من الغبار الممزوج برائحة البارود ، هناك في أعالي الريف .
- أراك ساهما ... هل أعجبتك الحكاية؟... تلك كانت أنوال ، وهناك امتزج دمي بدم جدك فزادت عرى الصداقة توطيدا بيننا... لقد جرحنا ، لكن جرحي كان أشد عمقا ، وكان ذلك إيذانا بافتراقنا .
- كيف ؟
- لم يحصل الفراق توا – استطرد الشيخ بعد أن تنهد – ولكني كنت أشعر بدنوه ، لأن جدك رحمه الله استهوته الحرب ورائحتها ... وإذا كان قد ركن للهدوء بعد الواقعة ، فإنما كان ذلك استراحة المحارب . فقد ظل على اتصال بذلك الجندي الذي جرح وأسر ، وبعد افتدائه ترقى وصـــــار ضابطا ساميا بتطوان . وكان يزوره هناك ويعود محملا بالهدايا الثمينة فيوزعها على الفقراء من بلدتنا ، ويخصني بالنصيب الأوفر ويقول لي دائما : " يعز علي فراقك ، لكني مضطر لذلك . سوف أخوض معمعة أخرى .". كان ذلك بعد أربعة عشر سنة من أنوال . فسألته :" حرب جديدة ؟... الله يلطف ... أين ؟ .".. فأجابني مهدئا :" اطمئن... سوف تقع خارج البلاد ، هناك في إسبانيا ... لقد عزم الزعيم – وكان يدعى " فرانكو" - على محاربة بعض الأعداء من أبناء جلدته ، وأخذ في جمع المتطوعين من شمال بلادنا .
قاطعت الشيخ قائلا :
- وهل نشبت الحرب ؟
- نعم... بعد سنة واحدة من حديثنا .
- وكيف لم تلحق به ؟
تنهد مرة أخرى وقال :
- لقد ترك جرحي عاهة في قدمي ... ألم تلاحظ أني أعرج ؟
لم ألاحظ ذلك ، وسألته :
- وهل سافر جدي إلى إسبانيا ؟
- نعم... سافر مع مجموعة من الرجال ، ونشبت الحرب... لا يغرنك البطولات و الانتصارات ، فالحرب أسوء ما يلجأ إليه ... لقد مات معظم من سافر. أما الذين عادوا فهم إما مبتورو الأرجل أو مفقوؤو الأعين... ناهيك عن اليتامى والأرامل من أهل الريف .
- و أنوال... أكانت حربا سيئة ؟... لماذا خضتموها إذن ؟
- حين تكون الحرب من أجل الدين والوطن ، فتلك حرب مقدسة يجب خوضها .
- وحرب إسبانيا ؟
- كان على جدك ، مثله مثل الآخرين ، خوضها طائعا أو مكرها... إيه.. تلك الأيام... كانت حلوة رغم قساوتها .
سكت قليلا ليصب الشاي وهو يرفع الإبريق إلى أعلى لتتكون رغوة في الكأس ، ثم أضاف قائلا :
- عاد جدك بعد ثلاث سنوات قضاها في الحرب ، واستقر في الأندلس بعض الوقت ... كان الضابط و زوجته متعلقين به وعرضا عليه الإقامة في " نيرخا " على الساحل ، لكنه أبى وفضل العودة ، فأعطاه الرجل وثائق وكتب وهدايا لا تحصى .
- وثائق وكتب ؟
- أراك مثـله ، تفضل الأدب على المال .. أما الوثائق فكانت تثبت ملكية بعض العقارات ..
دق قلبي بعنف وسألته :
- مثل ماذا ؟
- يا لك من ذكي – قال مبتسما – انظر ما حولك .
لم أنظر ما حولي ، بل شرد ذهني لعيدا وعادت بي الذكريات إلى حديث جدي.." سيكون من حقك ولوج هذه الدار." ثم رنوت إلى الشيخ مغرورق العينين وقلت بصوت متهدج :
- وكيف لم يقم فيه وهو مالكه ؟
تنهد العجوز وقال:
- بعد أن حط الرحال بتطوان ، أودع كل حوائجه عند رجل بباب العقلة ، واحتفظ ببعض الهدايا للمنزل مثل اللوحات و السجائد ... كان يوما مشهودا.. رقصت وأنا لا أشعر بعاهتي هذه . و أقمت معه هنا .. إلى أن جاء اليوم الذي نغص علينا فيه صفونا أحد الأعيان ليدعـي أن المنزل في ملكه ، وقدم بعض الوثائق المزورة طبعا ، فتطور الموقف إلى المحاكم وطلب من جدك الإدلاء بما يثبت أحقيته في البيت .
توقف الرجل ليرتشف الشاي من جديد ثم استطرد قائلا :
- ذهب إلى تطوان وبحث عن الشيخ الذي ائتمنه على حوائجه فلم يجده .. قيل له إنه بدل مقر عمله واستقر بحي " المطامار".. وهنـــــاك أخبروه أنه مقيم بـ" فندق النجار". وهكذا طاف بأحياء المدينة العتيقة دون أن يجد للرجل أثرا .. لكن شخصا أخبره أنه ربما يكون قـــــــد رحل من المدينة ليقيم عند أهله ببني سلمان قرب قنطرة مشهورة هناك .
- وهل ذهب جدي إلى هناك ؟
- كان عازما على الذهاب لولا أنه فوجئ بالحكم يصدر لصالح منافسه ، فثارت ثائرته ونعت الرجل بالغش والظلم ، وعير الإسباني المؤيد له بـ" بورقعة" ، وهو لقب كان يلازم الإسبان بسبب فقرهم ، وأدى ذلك إلى سجن جدك في " باب تازة".
- جدي... سجن ؟
- نعم – أجاب متنهدا – لقد سجن ، لكن لبضعة أيام فقط . فقد كان معروفا عند الجميع بشهامته ومروءته . ثم إن بطولته في حرب الريف جلبت تعاطفا كبيرا من الناس ، ومنهم بعض رجال السلطة ... فأفرج عنه .
- وعاد للبحث عن الوثائق ؟
- نعم.. حاول البحث من البداية ، لكنه توقف وعاد بخفي حنين . فقد أخبره نجار بباب العقلة أن صاحب ودائع جدك قد مات في قبيلته هناك عند القنطرة.. فعاد يجر أذيال الخيبة ، وكله حسرة على سوء الطالع الذي يلازمه.. ثم أخبرني أنه نفض يده من البيت ، وأنه صرف النظر تماما عن الإقامة فيه . لكني شعرت أنه لم يكن يعني ما يقول ، وأنه كان يتحين الفرص للسيطرة عليه .
- و إذن ، لماذا بقي المنزل مهجورا ؟ وأنت .. كيف استطعت الإقامة فيه ؟
نظر العجوز إلى الأفق المتورد وقال :
- بدأ النهار يطلع .. عليك بالذهاب حتى لا يقلق عليك أهلك .
- لكنك لم تجبني عن سؤالي الأخير .
- حسنا... بعد إعراض جدك عن البيت ، قررت الإقامة فيه وتحدي كل من تسول له نفسه منعي من ذلك .. وعزمت على صد كل من يفكر في اقتحامه دون أن أدري كيف . وشاءت الأقدار أن تسدي لي خدمة لم أكن أحلم بها . فقد بني البيت بطريقة خاصة لإرهاب كل فضولي يتجرأ على ولوجه . منها سراديب تحدث أصواتا كنعيق البوم ، ودواليب يبعث صريرها الهلع في النفوس . أما خارج البيت ، فقد نصبت فزاعات متقنة الصنع حتى يخالها الناظر إليها أشباحا حقيقية .
- وجدي ؟
- جدك ؟ .. بقينا على اتصال بعد أن حسب الناس أني هاجرت إلى الريف ... وفي أحد الأيام ، كنت على موعد معه ، لكنه لم يأت . وسوف لن يأتي في سائر الأيام الأخرى...
سكت الرجل ، وسكتت أنا أيضا . كلانا عادت به الذكرى الحزينة إلى يوم الرحيل . كنت أغالب دموعي ، وأعلم أن الشيخ يفعل الشيء نفسه . وطال الصمت ولم تعد لي رغبة في الكلام . لكن فضولي لمعرفة بعض الأشياء جعلتني أسأل من جديد :
- إذن لم يعد ثمة أمل في استرداد البيت .
- لا أدري.. فأصحابه- أعني الذين اغتصبوه من جدك – رحلوا دون أن يظهر لهم أثر . ربما لأنهم اختلفوا أيضا حول ملكيته ، وهذه عاقبة كل ظالم ، فأعرضوا عنه . اسمع.. قد يكون الرجل الذي احتفظ بوثائق جدك قد أودعها في مكان ما .. هناك عند القنطرة . اذهب وابحث علك تجدها أو على الأقل تجد من يدلك عليها .
- كيف أبحث عنها ونحن على أهبة الرحيل ؟ .. وعن أي قنطرة تتحدث ؟- قلت واليأس يملأ قلبي .
- لن تعدم وسيلة للوصول إليها . لا أريدك أن تيأس . فما ضاع حق من ورائه طالب .. ثم ، انظر.. هذه الكتب التي تملأ الرفوف مليئة بالأسرار، والكثير منها يتحدث عن تلك المنطقة .. نقب عن كل شاذة و فذة ، ولا شك أنك ستظفر بكنز..
- كنز...- قلت بسخرية دون وعي مني وأنا أتثاءب .
- لا يجمل بك الاستهزاء بمحدثك .
احمر وجهي خجلا وقلت مطرقا:
- معذرة... لم أقصد ذلك .
فنهض الشيخ وهو يمسح رأسي براحة يده وقال :
- افعل ما نصحتك به.. واسترح قليلا ، ثم عد إلى أهلك . أما أنا فقد عملت ما علي .. اللهم فاشهد .
- إلى أين ؟
- إلى حيث يجب أن نذهب كلنا ..
- ألن نلتقي ؟
- هذا رهين بمشيئة الله .. كل ما أرجوه منك هو ألا تنسى عمك الفاضل ، و أن تدعو له ولجدك في كل صلواتك .
- أعدك .
- نم الآن ثم عد إلى أهلك في حفظ الله ورعايته .






 
رد مع اقتباس
قديم 25-02-2012, 04:51 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
محمد صوانه
إدارة المنتديات الأدبية
 
الصورة الرمزية محمد صوانه
 

 

 
إحصائية العضو







محمد صوانه غير متصل


افتراضي رد: الدار اللي هناك ـ1ـ

أخي رشيد،
مرحبا بك..
وأقدم هنا التعازي لكم بوفاة والدكم، أسأل الله له الرحمة والمغفرة، وأن يسكنه فسيح جناته.. وعظّم الله أجركم..

أتمنى لك التوفيق فيما تقدمه من نصوص..
ولي عودة بإذن الله..
مع مودتي..






التوقيع

اللهم أغِث هذه الأمة.

 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 10:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط