|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
قصة قصيرة كتبها / نجيب العنسي ( لا أحد يتذكر ) تنتصب بالقرب من منزلي الشجرة الأكبر في حارتنا ، .. الحقيقة انها الشجرة الوحيدة التي نجت من فأس العم عزيز - رحمه الله – هذا اذا أهملنا ذكر بضع شجيرات لم تكن صالحة للاحتطاب ،، ولأنها الشجرة الوحيدة فمن النادر أن لا نجد الحاج "عتيق " جالساً ومتكئاً لجذعها وتحت ضلالها غير الوارفة ، وهو رجل ٌ تعدى العقد السادس ، تنتشر على وجهه تجاعيد غير منتظمة ، وهو كذلك يتمتع بصحة جيدة ونشاط لا يتناسب مع سنة . ملابسه النظيفة دائما ًتجعلنا نخمن أنه في سالف أيامه كان أكثر من مجرد فلاح . تستوطن يسراه العصا ، بينما تتدلى من كفه الأيمن سبحة خشبية يستعملها دائماً للتلويح بها عندما يتحدث وليس لأي أمر آخر . _ والحاج عتيق يمتلك مهارة في الحديث لا يستهان بها ، وبات من الواضح أن سرد الحكايات من الأمور التي تستهويه بشكل خاص ، وغالباً ما يثير جدلا من نوع ما ، ومن المتوقع ان يجد المرء نفسه رابضا بجوار الحاج عتيق وقد أصبح عالقا معه في حديث لا ينتهي، بدأه بسؤال أو ما شابه , وليس كل أحد مؤهل للتخلص منه بسهولة . :- هل انت عسكري ؟ يسأل أحد الجيران وقد مر بجوار شجرة الصفصاف عائدا الى منزله .وهو لا ينتظر منه الإجابة لأن الرجل - ببساطة – كان مرتديا لبزة عسكرية ، وبمجر ان التفت الرجل باغته سائلاً :- كم راتبك الشهري ؟ ...الا أي وحدة عسكرية تنتمي ؟ ...من هو قائدكم وما رتبته ؟ وهكذا وجد نفسه محاصراً بمجموعة من الاسئلة ، والتي تبدو وكأنها معدة مسبقا لأجله :- العسكرة ليست قدرا على أحد .. ، أبداً ليست قدرا ! ! الإنسان هو من يختارها لنفسه . قال ذلك وفي ملامحه ما يوحي انه يردد قولا مأثوراً ، لكنه من ابداع الحاج "عتيق " وقد اصبح قولٌ مأثور منذ اللحظة . ـ لوح بسبحته الطويلة في وجه الرجل مباشرة ثم قال :- أنا كنت عسكري ...أييييه ..كان ذلك في زمن الرجال الحقيقيين ، لكن بعد الثورة بسنوات لا اتذكر عددها .. عندما استقر الحال تركت العسكرة وعدت كالكثيرين للقرية ..... كان يمكن أن أغدو قائدا كبيرا ومشهوراً لولا انقطاعي - (قال ذلك وهو يهز رأسه بوقار ثم زم شفتيه وعقد حاجبيه بحزم وكأنه نطق بأمر معرووف ومسلم به . ) ,غير أن الرجل بجواره ضل صامتا ولم يعلق بكلمه تدل على تصديقه للحاج عتيق ، ما جعله يضيف وقد تهدج صوته :- ألا تصدق ؟!! كان مطلوب مني أن أجيد الكتابة حتى أصبح ضابطاً .....هكذا كانت الأمور . :- لماذا لم تتعلم القراءة والكتابة اذاَ ؟! بهذا السؤال بدأ الرجل الذي يرتدي البزة العسكرية مشاركة الحاج عتيق الحديث .، وسرعان ما ادرك انها بداية غير موفقة بل هي مستفزة ، فما ان سمع الحاج عتيق هذا السؤال الغبي لوح بعصاه بدلاً من السبحة وقد ارتفع صوته قائلا :- وما أدراني ان الثورة ستهتم بمثل هذه الأمور ؟! لم نكن نسمع قبلها بمثل هذه الأشياء ؛ لم يكن الرجل ليجني أي فائدة من تعلمة الكتابة والقراءة . صمت قليلاً ثم نطق وقد قرر أن يعود الحديث لمساره الطبيعي :- عندما كنت عسكري ..حصلت على وسامين ....كان ذلك في حرب السبعين يوما ً ....وسامين ...ولا تطلب مني ان أريك الوسامين الآن ....هما في القرية لا أدري في أي صندوق . :- وكيف حصلت الأوسمة ؟ سأله الرجل متصنعا اعجابه بتاريخ الحاج عتيق . :- اعطوني الوسام الأول لأنني وافقت على إسعاف أحد الجرحى الى المستشفى العسكري وقد عدنا سالمين الى موقعنا في الجبل بعد شفاءه . قال ذلك ونظر بحدة في عيني الرجل ، و اردف بصوت متجهم لإقناع الرجل بالأمر :- اهوووووه ..كان في ذلك شجاعة كبيرة فالجبل كان محاصر.... من قبل العدو ، أو ربما كان في مرمى مدافعه ...لم أعد اتذكر . هز الرجل رأسه موافقاً ، وقبل ان يسترسل في سرد تفاصيل حرب السبعين يوماً ، داهمه بسؤال آخر : - وكيف حصلت على الوسام الثاني يا حاج عتيق ؟ ....عدل الحاج عتيق من جلسته منتشيا لكون الحديث ينحو في المسار المطلوب ورمق جليسه بنظرة وادعة ومتودده ليطيل بقاءه .ثم قال :- الوسام الثاني ،....آ..آ...أي وسام ؟؟!! أهااا ذلك الوسام ؟ أنا اتذكر جيداً ، كنا في طابور صباحي .. ليتك رأيتني كيف كنت أقف في مقدمة الصف ..كنت حينها شاباَ ، وعسكريا ً من النوع الذي لم نعد نرى مثلهم في هذه الأيام . وفي ذلك الصباح الصيفي ..أو ربما كان شتوي ..لم أعد اتذكر .. صاح فينا القائد بصوت جهوري طالباً الانتباه لما سيقوله ، ثم حدثنا عن أشياء لم أعد اتذكرها الآن ، لكن من المؤكد انها بخصوص البطولات النادرة التي قمنا بها في تلك المعارك ، ثم أخذ ورقة وسرعان ما نادى باسمي طالباً مني التقدم ، ووضع بعناية على صدري وساما هو تعبير عن امتنان و شكر تقدمه الدولة لأمثالي ، ثم ما لبث ان نادى بأسماء آخرين وأعطاهم أوسمة ، ... لقد أعطى الجميع ... كل العسكر .. لكن الا ترى أن في الأمر ميزة خاصة بي ؟؟ !! :- أي ميزة ؟ الم تقل انه أعطى الجميع أوسمة ؟ ...... ( سأله الرجل مستغرباً ) فأجابه الحاج عتيق بما يشبه الصراخ :- لقد كنت الأول ..أول من نودي باسمه ...ألا تفهم يا غبي !! ---- 2 ----- _ له صلات لا تنقطع بكل منازل الحي ، وعلى اطلاع بما يدور خلف جدرانها ، لن تجد حفل زفاف او أقل من ذلك الا تجد بصماته حاضرة فيه . ومن عاداته في مثل تلك الحالات ان يرتفع صوته المتهدج بالدعاء سائلا من الله البركة ومن ابن علوان الرعاية . حتى انه – وهذا ما كان يسبب بعض الحرج – ان يدعو بالخير للعروسين بصوت مرتفع واحيانا عبر مكبرات الصوت قائلا : نبارك للشاب فلان وعروسه فلانه بنت فلان .( غير آبه بغضب الحاضرين وتحرجهم من ذكر اسم المرأة في مجالس الرجال ) . – وكثيرا ماكنا نشاهد دموعه تنساب على لحيته وهو يقدم العزاء في وفاة أحد من سكان الحارة ،وهو بنفس الحماس تتهلل أساريره ويبتهج حين يشارك الناس افراحهم ، وقد كانت له ابتسامة حقيقية كالتي يمتلكها الاطفال . -------------------- 3 ------------------ جاء اليوم الذي غاب الحاج عتيق عن مجلسه تحت الشجرة . لم يتساءل أو يفتقده أحد ، فلربما يكون رابضا في ساحة المسجد ......، لكن أحداً لم ومنذ يومين لم يره في المسجد !! لربما ذهب لزيارة أحد أقرباءه في القرية ، وهي سابقة لم يقم بها إلا أنها احتمالا معقول . مضت ستة أيام لم يشاهد أحد الحاج "عتيق" ولا عصاه ولا سبحته الخشبية الطويلة ، ولا استمع أحد لإحدى حكاياته . لكن أحدا لم ينشغل بأمره ، هذا لأنه في العادة من يكون منشغلا بأمر الناس ، وليس العكس . لم يفترض أحد ٌ أنه في منزله في أقصى شمال الحارة ، يعاني مرضا أقعده معذبا بأوجاعه وهو العجوز الذي يفتقر حتى لمن يناوله عصاه . ، وحيدا مكبلا بعلله ، ومزحزحا عن ذاكرة الناس الهزيلة . في اليوم السابع علم الجميع بخبر وفاته ... لم نسمع من ادعى انه زاره في مرضه . تفرق الناس عن قبره ، وبشيء من الخجل الرخيص كان الكل يفر من نظرات الكل ، وتحاشى الجميع الحديث عن مرض الحاج عتيق أو كيف مات ... بعدها كان لا بد من اقتلاع الشجرة بعد ان تمادت في تأنيب سكان الحارة . ـ ثلاثة شهور فقط ...كانت كافية لأن تمحى حياة الحاج عتيق وحكاياته من ذاكرة الناس ، أما بعد مرور عام فلا أحد يتذكر اسم الشيخ الذي كان يسكن ذلك البيت الطيني الصغير المهجور في أقصى شمال الحارة . |
|||
|
![]() |
|
|