يهمس بخطوه القريب أحيانا. يحمله على التغيب في الهدوء كلما جلس إلى الكرسي ذي الجسد المحدودب المعوج الأرجل. كان الوحيد في ذاك المكان الذي لا يمت إلى الوجوه المألوفة بصلة. العينان البارزتان، النتوء في الجبين، الأنف الذي لا قبل للرائي بمثله، القبح الذي لا يدرك إلا بالإعجاب…؟!
غافلتني جملة لكاتب ما " لا وقت للثائر بأن يفكر...اذهب إلى قلبه تجد شعبه"، استرخت على شفتاي وأصبحت ترنيمة لعبادة صباحية، كما طقس الصلاة في إعداد القهوة وانتظار انبعاثها من قيامة النار الهادئة، ليكون عذاب الماء والبن اشتهاء للجسد المسكوب في فنجان.
جاء صوت الجالس بقربي _ظلا يرتدي خجل صاحبه_، "نحن في حل من التذكار\فالكرمل فينا\وعلى أهدابنا عشب الجليل “_ متسربلا بموته القديم. كنت أتفرس الكتاب وأطالع وجهه الغائم بالحزن أحيانا، أنقل النظرات بينهما لتسعفني الذاكرة بالذاكرة. عيناي والأنامل التي اعتادت على ملامسة الورق تشاركني فرحة التمتع بالكلمات والانسياب خلف لهاث الكاتب الفرح بوليده الجديد بعد عقم زمني مؤقت. " الزوجة ليست حبلى" لكن القلم المعمد بالتجارب ينجب الوليد تلو الوليد، وينسب الكاتب أبوته إليهم لكن يوسف "الطفل الأخير" كان الأجمل، الأنقى، الأطهر، وتعمد بالدماء.
فاجأني صوته مرة أخرى, وتركت يوسف لعذابه، انتعلت جرحه وأنا أتحسس ألم الفقد، رفيق دربه كما قال الكاتب. تلك اللحظات المقتولة في المنفى الوطني أجهضت بقية الحلم. "أنا مسافر غدا، أو بعد عام لا يهم، وداعا". ووزعت جسدي بين البكاء والألم "وداعا" كررها وابتسم.
تملكني الغضب" وداعا، أهذا ما كنت تدافع عنه؟!" أغرقت رأسي بالكتاب ورفعته مرة أخيرة كي أراك أيها الثائر. تمدد وجهك أكثر، ابتلعه ضوء النافذة الزجاجية، أنت أكثر وسامة من المرة الأولى.