[frame="6 80"]سلام لكم أخوتي وأخواتي جميعاً من لبنان الذي تحرقه الحرب، فيضيئ شعلة في طريق العرب المظلم.
سلام لكم من الضاحية الشهيدة، التي تنزف أبنيتها يوماً بعد يوم من جرح السكين الدامي في صدرها، وفي ظهرها.
سلام من الجنوب الذي يعلّم البشرية معنى الصمود في وجه أقوى قوة عاتية في هذه المنطقة، مدعومة من أقوى قوة عاتية في الكون.
سلام من البقاع، الداعم والمساند والحامي والمدافع، والمشارك في دفع الثمن الغالي.
سلام من كل لبنان الحاضن لأهل لبنان، والرافع للواء الصبر على ظلم الدهر وظلم العدو، وظلم ذوي القربى.
سلام من قلب الدمار.. من شقتي المتواضعة التي لم تصلها أنياب الوحش المدمر حتى هذه اللحظة، في حين أن هذه الأنياب التهمت حولي الكثير، محت الطريق الذي كنت أمر عليه كل يوم، وسحقت المتجر الذي أشتري منه حاجاتي البسيطة، وأطبقت على المجمع الذي حضرت فيه المناسبة تلو المناسبة، وشعرت فيه مرة بعد مرة بالعز والفخار.
سلام من لبنان.
لقد وقفت هنا قليلاً لأشارككم بعض ما أحس فيه، وأنا التي تحيا في قلب الإعصار المدمر، تطرق آذاني أصوات الرعد القاصف، وتبعثر أغراضي همجية الموت القادم.
قلت، يحق لأهلي في هذا المنتدى الكريم أن يعيشوا معي بعض لحظات من الألم، وأنا التي أنغمس في الآلام كل صباح وكل مساء.
يحق لأصحابي الذين طالما ناغيتهم وناغوني أن يعلموا كيف تمر الأيام في بلد يحترق بنار الحقد الأسود الذي يعتمل في نفوس الصهاينة الغاصبين.
كما يحق لهم أن يكونوا معي، وأنا أكتب صفحة جديدة من تاريخ الصمود في وجه الباطل، والانتصار للحق، والتضحية من أجل المستقبل.
مررت، وأنا التي فقدت طريق الوصول إلى الشبكة منذ أكثر من خمسة عشر يوماً، لأن الإرهابي الحاقد دمر كل وسيلة للدخول إلى هذا العالم، قطع الكهرباء وقطع الاتصالات، وقطع المواصلات.
مررت لأقول لكم إنني ما زلت هنا، ما زال قلمي ينبض، وما زالت كلماتي تهتف للغد الآتي.
مررت، قلت قد يكون هناك من تذكر بنت لبنان التي شاركتكم المنتدى على مدى أشهر، ووجدت أنكم تحملون همّ لبنان، فابتسمت بالرغم من كل الآلام.
يا أخوتي، يا أخواتي: أنا أكتب في الصخر الذي يحمي أبناء مقاومتي، كيف يمكن لقلة قليلة أن تغلب قوة عاتية بإذن الله، وكيف يمكن للصبر أن يكون باب الولوج إلى عالم الخلود.
أكتب بدموع الأطفال الذين ترعبهم أصوات الطائرات الهادرة فوق رؤوسهم، فلا يمنعهم ذلك من أن يرفعوا أيديهم إلى الأعلى، بالتحدي والثبات.
أكتب بآهات أمهات، تقدمن فلذات أكبادهن، وتهتفن: يا رب، هل أوفينا، نحن مستعدات لمزيد.
أخوتي وأخواتي: لن أطيل، فقد تكون نهايتي مع الغارة القادمة، وقد يكون بيتي الضحية التالية، فاعذروني على اختصاري، كي أدبر أمري، وأزرع شتلة جديدة تتمرد على الموت الآتي.
قبل أن أغادركم، لي وصية صغيرة: لوموا أنفسكم كثيراً على ما يحصل لي، وابكوا كثيراً على أنفسكم ـ لا علي ـ لو أني ما أكملت مسيرتي، ولو أن الوحش تمكن من افتراسي.
وكلمة أخرى ـ واعذروني ـ لمن يهمه الأمر: ليس من آوى ونصر وقدم الدعم على مدى السنوات، والذي حمل همي وعاش المعاناة لأواصل نضالي، كمن طعنني في ظهري، كمن اتهمني بأنني مغامرة لا أرعوي، كمن طلب من عدوي أن يستمر في ضربي، لأنه يخاف من انتصاري.
وأنا منتصرة.. حتى لو قضيت.
وسلام لكم.. من لبنان.[/frame]