الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-04-2026, 11:10 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
معاذ رياض
أقلامي
 
الصورة الرمزية معاذ رياض
 

 

 
إحصائية العضو







معاذ رياض غير متصل


Post معركة أدبية صغيرة




"ستقام على مستوى المنطقة التعليمية مسابقة أدبية لأول مرة، ويجب أن ترشّح مدرستنا طالبًا لتمثيلها". قال مدرس اللغة العربية هذه الجملة في الفصل. كنت الطالب المصري الوحيد في هذا الفصل في مدرسةٍ بدولةٍ خليجية. ثم تابع المدرس كلامه وهو يشير إليّ:
"وقد اخترتك أنت لتمثل المدرسة!"
فاجأني هذا الترشيح؛ فالمدرسة تضم طلابًا كثيرين. صحيح أنني كنت متفوقًا ومن العشرة الأوائل دائمًا، لكنني لست الوحيد؛ فهناك تسعة آخرون يمكنهم المشاركة، ومعظمهم من أبناء البلد.
لم أشارك من قبل في أي مسابقة أدبية، ولم أكن أعرف كيف أستعد لها. فتمثيل المدرسة مسؤولية كبيرة، فكل مدرسة سترشّح أفضل طلابها للمنافسة. ومن يدري؟ فلعل بينهم بين المتسابقين من أبوه كاتب أو في أسرته أديب أو صحفي أو شاعر. لذلك شعرت بقلق شديد.
لو كانت المسابقة داخل مدرستنا لكان الأمر أهون، أو حتى على مستوى مدارس مدينتنا. لكن المنطقة التعليمية واسعة، تضم مدنًا عديدة تعيش فيها أسر غنية يتلقى أبناؤها أفضل رعاية.
لم أكن متحمسًا للمسابقة؛ بل كنت أفضل أن يتولى المهمة طالب آخر من المتفوقين، حتى إذا لم يحقق أحد المراكز الثلاثة الأولى لا يقع اللوم عليّ. لكن الأستاذ كان قد اختارني، وأصبحت المسؤول عن هذه المهمة الصعبة، التي يزيدها صعوبة أنني من مصر ولست مواطنًا في هذا البلد.
في خضم هذا الضغط فوجئت بزميلٍ من المتفوقين، وهو من أبناء البلد، يبدي انزعاجه من اختياري. كان يتساءل مستنكرًا: كيف يُختار طالب مصري ليمثل مدرستنا؟ ألا يوجد بين أبناء البلد من يصلح لهذه المهمة؟ ولو كانت المسابقة في الرياضيات أو العلوم لعدَّ ذلك إهانة، فكيف وهي مسابقة أدبية في اللغة العربية، وهي لغة هذا البلد قبل أن يعرفها المصريون؟ حتى إن بعض أبناء هذا البلد نزل القرآن في أرض أجدادهم، وهم الذين كتبوه ونقلوه، وهم الذين قالوا الشعر القديم وحفظوه. وبعد كل ذلك يُختار طالب مصري ليمثل المدرسة في مسابقة في الأدب العربي!
بدأ الزميل الغاضب ينشر رأيه بين الطلاب، ويؤكد أنه الأجدر بتمثيل المدرسة لأنه مواطن. وكان أغلب الطلاب، إن لم يكن كلهم، مقتنعين بمنطقه الذي بدا لهم وجيهًا. وصل الأمر إلى الأستاذ، لكنه أصر على موقفه ورفض ترشيح الطالب الآخر. ازداد الطالب غضبًا، واحتدّ النقاش بينه وبين الأستاذ حتى تجاوز الحد ووصل إلى تهديد مبطن:
"يا أستاذ، هذا الاختيار ليس وطنيًا ولا يتوافق مع التوجهات الوطنية للبلاد. سأقدم شكوى رسمية إلى المسؤولين، ولديّ معارف سيرفعونها إلى جهات عليا."
وهكذا أخذت المعركة فجأة بعدًا جديدًا لم يكن في الحسبان. فبينما كنت أستعد لملاقاة فرسان الأدب من طلاب مدارس المنطقة، كان طلاب مدرستي أنفسهم يقفون ضدي، ويهددون بالشكوى إلى أعلى الجهات اعتراضًا على ترشيحي. وكانت حجتهم تبدو منطقية، حتى من دون واسطة أو علاقات. أما إن وُجدت تلك العلاقات فعلًا، فستصبح الشكوى أقوى، وقد يُستبعد اسمي ويُرشَّح الطالب المواطن بدلاً مني.
لكن المدرس ازداد تمسكًا برأيه، ولم يزده هجوم الطالب إلا عنادًا وإصرارًا. ولا شك أن بعض زملائه من المدرسين تعجبوا من اختياره، وربما نصحوه بتغييره تجنبًا للمشكلات. فماذا ستقول الوزارة أو الإدارة التعليمية إن علمت أن مدرستنا رشحت طالبًا من دولة أخرى ليمثلها في مسابقة أدبية عربية، بينما تركت طالبًا مواطنًا من أوائل الدفعة كان يرغب في الترشح، فضلًا عن غيره من المتفوقين؟
كنت أحتاج إلى التركيز في المذاكرة استعدادًا للمسابقة، لكن هذه المعركة الداخلية في المدرسة كانت تربكني. لم أكن أعرف متى سترد الجهات المسؤولة على شكوى الطالب، وهل ستوجّه الأستاذ إلى تغيير اختياره، فيضيع كل ما أبذله من جهد في الاستعداد.
غير أن ما طمأنني قليلًا أن هذا المدرس كان معروفًا بين الطلاب بسمعة خاصة؛ إذ كان يُقال في المدرسة إنه ليس مجرد مدرس عادي، بل إنه على صلة وثيقة بالجهات المسؤولة، بل يعمل معها أصلًا، وأن وظيفة التدريس ليست إلا غطاءً لعمله الأساسي. لذلك لم يهتز لتهديد الطالب، وهو تهديد قد يثير القلق لدى أي موظف في دولة عربية تسير أمورها بقواعد خاصة، يستطيع فيها المسؤول أن يفرض أوامره على المدرس، ومن يرفض قد يعرّض نفسه لمشكلة كبيرة.
أما إذا كان المدرس نفسه من "الجهات المسؤولة"، فمن يستطيع أن يكلمه؟ ربما لهذا السبب أيضًا لم يعبأ باقتراحات زملائه، ولم يستطع أحد منهم أن يفرض عليه رأيًا، ولا حتى مدير المدرسة.
وكان هذا كله يضيف عبئًا كبيرًا على المسؤولية الملقاة عليّ. كان عليّ أن أفوز بأحد المراكز الثلاثة الأولى حتى يُذكر اسم مدرستنا بين الفائزين؛ وإلا أصبحت أضحوكة المدرسة كلها، ولن أستطيع أن أري وجهي لأحد، وخصوصًا الأستاذ الذي اختارني.
في يوم المسابقة وصلت قبل فتح الباب بقليل. كان مقر المسابقة مدرستنا نفسها، وكان المتسابقون يأتون إليها من مدارس المنطقة. ولا عجب في ذلك؛ فهي أهم وأقدم مدرسة في المنطقة، بل أول مدرسة في الدولة كلها. وها هو الطالب المصري — أي أنا — يمثلها في هذه المسابقة.
ارتديت شيئًا من الملابس الوطنية للبلد، لكنني فوجئت عند باب المدرسة بالطالب المواطن الغاضب، الذي ظل طوال الفترة السابقة يعلن أنه الأحق بتمثيل المدرسة. كان قد وصل قبلي ووقف ملتصقًا بالباب ليكون أول الداخلين عند فتحه. كان واضحًا أنه وصل بسيارته الخاصة، ومعه سائقه الآسيوي، ولهذا سبقني إلى الباب مرتديًا أفخم ما لديه من الملابس الوطنية الكاملة، وكأنه يريد أن يبدو النموذج المثالي لتمثيل المدرسة.
ما إن رآني حتى تغيّر وجهه إلى الغضب والاستعلاء وقال بحدة: "ماذا جاء بك؟ أنا الذي سيدخل المسابقة. عد إلى بيتك." تساءلت في نفسي: هل نجح في حذف اسمي من المسابقة واستبداله باسمه بعد أن استجابت الوزارة لشكواه؟ أم أنه استعان بشخص من معارفه أقوى نفوذًا من الأستاذ؟
وقفت بعيدًا قليلًا عن الباب تجنبًا لأي صدام. وبعد دقائق فُتح الباب، وبدأ المسؤولون ينادون أسماء الطلاب ليدخلوا. وفجأة سمعت اسمي. دخلت مسرعًا متجاوزًا الطالب الآخر حتى أصبحت داخل المدرسة، بينما سمعت خلفي صوته يرتفع مطالبًا بالدخول، لكنهم منعوه لأن اسمه غير موجود في القائمة.
واصلت السير إلى الداخل وأنا قلق. فقد يتحول غضبه إلى تصرف عنيف؛ وربما يستدعي سائقه الآسيوي ويأمره أن يوقفني بالقوة قبل أن أدخل. ولن يستطيع السائق المسكين إلا أن يطيع أمر سيده، خاصة أن الاعتداء على طالب غير مواطن قد لا يسبب مشكلة كبيرة. حمدت الله أنني دخلت وأنهم منعوه من الوصول إلي. انتهت المعركة الصغيرة الأولى، وبقيت المعركة الأكبر: المسابقة نفسها.
لكن كيف سأخوضها وأنا في هذا التوتر؟ كنت أتمنى لو أنه شجعني وتمنى لي التوفيق. أظن أنني لو كنت مكانه لفعلت ذلك، ولدعوت له بالنجاح؛ فهو في النهاية يمثل المدرسة، وفوزه سيكون فوزًا للجميع.
كانت هناك أسئلة في اللغة العربية من المقررات الدراسية، مثل النحو والمحفوظات. لكن الجزء الأهم كان الكتابة الأدبية: موضوع يُطلب منك أن تعبّر عنه بأسلوبك الخاص.
استحضرت كل ما قرأته من "روايات الجيب"، وما سبقها من كتب الألغاز ومجلات الأطفال مثل ميكي وسمير وماجد. كنت ما زلت صغيرًا على قراءة أدب الكبار، لكنني ربما قرأت رواية مبسطة من الأدب الإنجليزي للأطفال، وأخرى من الأدب الروسي بعد اختصارها وحذف ما لا يناسب الصغار. مرّت عليّ كتب كثيرة للأطفال، وكنت أقرأ أحيانًا مقالات في الجرائد أو مجلات الكبار.
جمعت كل ذلك في ذهني، ثم بدأت أكتب… وأكتب.
انتهت المسابقة، وظهرت النتائج، ونُشرت في الجريدة الورقية التي تصدر في المدينة: لقد فزت بالمركز الأول.
جاء الأستاذ في اليوم التالي إلى الفصل فرحًا، يحمل الصحيفة في يده، ويقول متباهيًا بصحة اختياره أمام الطلاب: «هل رأيتم؟ لهذا السبب اخترته. لا تفرق معي جنسية الطالب؛ كل الطلاب عندي سواء. المهم أن تفوز مدرستنا، وهذا ما حدث.»
ومن شدة فرحته بهذا الفوز أهداني هدية شخصية من عنده، غير جائزة المسابقة. كانت مجموعة من الأقلام للكتابة بأشكال وألوان مختلفة. وكأنه كان يقول لي: «ستكون هناك معارك أدبية كثيرة، أكبر وأهم عندما تغادر المدرسة، فيجب أن تكون مستعدًا لها.»

معاذ رياض
مارس 2026






 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:03 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط