|
|
|
|||||||
| منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي هنا تبحر في عالم الريشة والألوان، من خلال لوحة تشكيلية أو تصميم راق أو صورة فوتوغرافية معبرة. |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
عمر حمد ي (مالفا ) فنان تشكيلي عالمي يرسم اوجاع ؟ برائحة الناي الحزين ؟؟
عمر حمدي
[frame="7 80"] كان الوقتُ شتاءً، مساءً، أتأمل بهدوء حواراً تلفزيونياً مع فنان نمساوي من أصل سوري، إسمه " مالفا"، دُهشتُ، حين رأيته يقول بألم شديد: " في مرسمي.. كل شيء يرقد هادئاً إلا الخوف ..." حوار لم أكن أعرف من قبل بأن الكلمات التي سمعتها، قادرة على الدخول في أعماقي بهذا الكم الهائل الدافئ، وأنا المتعب من الكتابة، في إعداد دراستي للدكتوراه في النقد الفني، عن الفن المغترب في الساحة الأوربية، أخذني الحوار إلى رؤى جديدة، بعيداً عن ما كان متوفراً لي من دراسات وبحوث، استطعتُ الحصول عليها، خلال بحثي الطويل من معرض إلى آخر، ومن فنان إلى آخر... ومن مدينة إلى أخرى...، لم أكن أملك في مجموعتي سوى كتاب صغير عن "مالفا"، كنتُ قد حصلتُ عليه في عام 1990، من صالة "والي فندلي"، في باريس. اتصلت به في اليوم الثاني، مقدماً له إسمي، ورغبتي في الحوار معه حول أعماله وحياته، كجانبٍ من إعداد رسالة الدكتوراه. فاجأني "مالفا"، بطيبةٍ، سائلاً: - أين أنت الآن؟. - في ألمانيا، ميونخ. - إذاً، يجب أن تحضر إلى فيينا، وتمضي وقتاً معي في المرسم. - متى؟ - فوراً.... كنتُ سعيداً بقبوله، وصلتُ فيينا، وهي تغمس في ضباب خريفي رطب، ذهبت إلى مرسم الفنان، الواقع على الطرف الآخر من الدانوب، صعدت المصعد إلى الطابق العلوي، وأنا قلق من هذا اللقاء الذي لم أجهز نفسي له كثيراً، فتح الباب مصافحاً بيد عريضة ملونة، وفي الأخرى سيجارة وقطعة قماش، بينما كانت الموسيقى تملأ المرسم الكبير... شربنا القهوة ببطء، وبعد حوارات معرفية، بدأت أسجل ملاحظاتي الأولى.. للوهلة الأولى، أردت أن أتعرف على بداياته، عن طفولته، عن الوطن.... بعد صمتٍ قصير، أشعل "مالفا" سيجارته، نظر من النافذة الكبيرة إلى الخارج، وبهدوء راح يسرد لي حكايته، وكأنه يكشف عن سره الكبير، بصوتٍ خافتٍ، راح يمزج حزنه مع الموسيقى ورائحة اللون.... (حين جلستُ مع والدتي "نوره"، منذ سنة في دمشق، في منزل أخي "عصام"، وهي تجلس كعادتها على الأرض، واضعة يديها على وجع ركبتيها، سألتها: ماما، حدثيني عن ولادتي، وكيف كانت طفولتي؟. أجابت، بأنني ولدت في آخر الليل، في الشتاء، في بيت من طين، سقفه من خشب، في قرية صغيرة، أسمها "تل نايف"، الواقعة في الشمال من مدينة الحسكة، في أقصى الشمال السوري. كانت الغرفة مقسمةً إلى جزأين: قسم للنوم، وأخر للغنم. لم يكن والدك موجوداً، كان بعيداً، قالوا لي بأنه في الجيش، لم أعرف لماذا... كان جدك "حمدي"، وجدتك "يازي" معي، كنتُ سعيدة بكَ، كنتَ وسيماً مثلما الآن. رضّعتُك أكثر من سنة، في النهار كنّا مع الغنم، وفي المساء ننام. لم تكن لنا سوى إنارة قنديل صغير، وموقد جمر، ارتمت بها قدم عمتك "حليمة"، مرة، ولم تكن بعيداً عن الموقد، فوقعت عدة جمرات على رقبتك، وظلت آثارها ماثلة إلى الأن... "يازي" كانت قاسيةً عليَّ، وكانت تنتظر يوم قدوم والدك، حتى تتخلص منا، ونسكن بمفردنا في مكان آخر؟؟. لم تكن القرية كبيرة، فقط عدة بيوت معزولة في أرض مستوية. كانت القرية آنذاك تتألف من ثلاث أو أربع عائلات، تعيش حياتها على الغنم والقمح، أو تهريب التبغ، وقد مات بعض من المهربين على الحدود التركية، عند خط القطار- سكة الحديد. لقد هجر بعض سكان القرية بيوتهم بسبب شحة الأمطار، إلى مدينة "عامودا"، أو إلى "تل حجر"، على أطراف مدينة "الحسكة"، ثم ذابت تلك البيوتات المهجورة مع السنوات مع التربة. كذلك البيت الذي ولدتَ فيه... كنتَ حافياً، ترتدي رقعاً من ثيابٍ خيَّطتها بيدي. كنتَ تلعب مع الأغنام والعقارب، حتى صنع لكَ جدك لعبة من غطاء علبة الحلاوة المستديرة، مع قطعة خشبٍ ومسمار. في الخارج، كنتَ دائماً محمولاً على ظهر "حليمه". عاد والدك بعد زمن. وقتها كنت تقول لجدك "بابا". تركنا بيت جدك، وسكنا على أطراف نهر "خابور"، في قرية "أم حجرة": حمار، فراش واحد، لحاف، وعدة أغنام، كان هذا كل ما نملكه. والدك لم يكن يتحدث معي، وكنتُ حزينة في "أم حجرة". كنتَ ترعى الغنم، وكان والدك يعمل مع الحصادين في الصيف، وجاء الشتاء، فتزوج فتاة من الجيران... كنا جميعاً نسكن في غرفة واحدة. كنت تنام باكياً، لأن والدك كان يضربني بسبب الزوجة الجديدة. كان أصدقاؤك الجدد "حسنو وبرّو" شباباً، لكنهما كانا مجنونين، كنت تمضي أغلب أوقاتك معهما، تحت الجدار الخلفي، أو تجلبون من الدروب الترابية روث الحمير، كنت أجففها، وأستخدمها وقوداً للتنور. ذهب، مرة والدك إلى "الحسكة"، وأحضر لوحاً مدهوناً بالأسود، وطباشير بيضاء، وراح يعلمك الكتابة والقراءة، لأنه لم تكن بعد، في القرية مدرسة... كان ظالماً وقاسياً عليك... - ولماذا كان يضربني الوالد ماما؟. - لأنك كنت ترسم بالطباشير على تلك اللوحة، أثناء غيابه. - وماذا كنت أرسم؟. - لا أعرف. جميل بأن والدتي لا تعرف القراءة والكتابة حتى اليوم... - وماذا تتذكر أنت من طفولتك بعد ذلك؟ (أتذكر بأنني ربما كنت في السابعة من عمري، حين أُنشئت غرفة من الطين في القرية، لتكون مدرسةً. وجاءنا معلم من المدينة، يتكلم بالعربية، لكننا_أطفال القرية- لم نكن نتكلم إلا بالكردية. كنا نأكل التراب سراً، وكانت تخرج من مؤخراتنا ديدان صغيرة بيضاء، حتى أحضر والدي، ذات مرة، شراباً، وشربته، فخرجت ديدان كبيرة مني، بعدها لم أعد آكل التراب... في المدرسة، كان اللوح الأخضر الكبير، كان اللوح كتبنا ودفاترنا. كانت مقاعدنا من علب الحلاوة الكبيرة، أو علب التمر. حفاةً، في الخارج، كان التلاميذ يلعبون بكرة من قماش، بينما كنت أخربش على اللوح الكبير ما أريده. كان خطي جميلاً، من بين أصدقائي، وقد تعلمته خوفاً من والدي، لكن الحرف، كان بداية إلى الشكل... بعد ثلاث سنوات، انتقلت عائلتي إلى حارة "تل حجر"، في مدينة "الحسكة"، حيث استقر فيها الأكراد المهاجرون من القرى النائية. في"تل جحر"، اشترى والدي بثمن الغنم، قطعة أرض صغيرة، وبنينا من حجر وطين، بيتاً من غرفتين، له باب أخضر، وعلى حوافه خطوط بالقلم، بعدد "تنكات" الماء التي كانت تنقلها لنا البلدية. ثم حفرنا بئراً في وسط "الحوش"، أو الدار. كنت أنام في أيام الصيف فوق السقف، وكان مليئاً بالعشب اليابس. كان أهلي يفترشون فرشهم ولُحفهم الملونة على "عرزال" من عيدان القطن اليابسة، كان مكاناً تختبئ فيه العقاربُ. مدرستي لم تكن بعيدةً لكنني، بعد سنة، كنتُ أذهب إلى المدرسة الإعدادية في المدينة، مشياً على الأقدام، وبعد الانتهاء من ساعات الدروس، أي بعد الظهيرة- كنت أعمل في الطرقات، أبيع كعكاً أو بوظةً، أو في مطعم، وكنتُ أعود في المساءِ، ومعي ليرتان أو ثلاث، لتشتري فيها والدتي، كل صباح، لبناً وخبزاً وشاياً لإفطارنا جميعاً. كان والدي يعمل في حفر المجاري في شوارع المدينة، ولم يكن راتبه الشهري يكفي لعائلة، صارت مؤلفةً من تسعة أشخاص. كنتُ أكره المدرسةَ، والكتب المدرسية المهترئة، مثل دفاتري. إفطاري في المدرسة، كان غالباً ضرباً من المعلم، بِعِصيٍّ من الخشب الطري على يديَّ أو قدميَّ، كان بنطالي مبللاً كل يوم. رفاقي في المدرسة كانوا يسمونني بـــ "الماعز"، لأنني لم أكن نظيفاً. كنت كسولاً في كل شيء، ما عدا الرسم، ولم يكن أحدٌ يهتم بذلك، مثل والدي، وهو يصرخ بي كلَّ يوم: "لن تكونَ يوماً سوى حمَّالاً في سوق الخضرة، لأنك من أمٍ كهذه". أعتقدُ، اليومَ، بأن والدي كان على صوابٍ: لقد أمضيتُ حياتي، وأنا أحمل لوحاتي وأدواتي، من مكانٍ إلى آخر... في الصيف... وفي الصباحات الباكرة، كانت والدتي تضع لي رغيف خبز، وبندورتين في ربطة قماشٍ، وأنتظر مع مجموعة من بنات، لتنقلنا شاحنةٌ مكشوفة مغبرة إلى حقول القطن. كانت الأغنيات والغبار يملأ، بانحناءة ظهورنا إلى الأرض، فراغ المكان، كانت ثياب الصبايا بلون العرس، ودكاكين السكاكر. في المساء، نعود مع الصمت، كومةٌ يلُفُّها التعب والغبارُ. بعد "الإعدادية"، كان لي خيارٌ واحدٌ: أن أدخل مدرسة تأهيل المعلِّمين، لأنها كانت تقدِّم راتباً شهرياً بسيطاً للطلبةِ، وكان إلزامياً بأن نتخرَّجَ معلمين، توزعهم وزارة التربية، من دمشق، حسب ما تراه مناسباً. كان راتبي هذا مساعدة صغيرة لراتب والدي المرهق دائماً، فذهبتُ إلى "دارٍ للسينما"، واستطعتُ العملَ فيها كخطاطٍ ورسَّامٍ وقاطع تذاكر وكنَّاسٍ. كنتُ أتمتع في أوقات الفراغ بمشاهدة كل الأفلام مجاناً، ثم أركب دراجتي، آخر الليل، إلى "تل حجر"، حيث كانت والدتي تنتظرني، لتضع على قدميَّ المتورمتين عجيناً من سَمنٍ ساخنٍ وشَعرِ ماعز وملحٍ. أتعشى بخوفٍ، حتى لا يفيق والدي، وتبدأ الشتائم، وأنام... في المعهد، كان يدرسُنا، أساتذةٌ قادمون من دمشق، أو من الجنوب. كان من بينهم أساتذة رسم مختصين، إلاَّ أن اهتمامهم لم يكن واضحاً لما كنتُ أرسمه بشكل مدمنٍ. كنتُ مع صديق لي: "بشار العيسى"، أكثر الطلاب قدرةً على الرسم. وكان الأساتذةُ، حين تقام المعارض السنوية في آخر السنة الدراسية، يحتفظون بأعمالنا، بمبرر أنها كانت تُرسم بمواد يقدمها المعهد لنا، إلى أن بكيتُ مرة على باب غرفة المدرسين، مطالباً بلوحة واحدة لي. كانت اللوحة لـ"والدتي وهي تعجنُ" بيدين مكسورتين من ضرب الوالد لها... كان يرميها بأي شيء يقع تحت يديه. تعلمتُ الرسمَ على الأحجام الكبيرة في تكبير ملصقات أفلام السينما، وتعلمت البكاءَ أكثرَ، وأنا اكنسُ تحت مقاعدها، بعد انتهاء الفلم. في هذه الفترة، بدأت أوجاعٌ في ظهري، في الفقرات القطنية، ولم أذهب إلى طبيبٍ، لأنني لم أكن أملك نقوداً، ولم أذهب إلى المستشفى الذي كان يدخله المريضُ، ليخرج ميتاً، ولازلت أشتكي من آلام ظهري كل يوم، كلّما حملتُ شيئاً، أو برداً... كنتُ أرسم في السِرِّ، بعيداً عن معرفة والدي. كنت أشتري ما أستطيعه من ألوان، وأرسم على قماش أكياس السكر. وبشفرة حلاقة، كان أخي "عصام" يجمعها لي، أرسم وجوهاً لحصادين ورعاة غنمٍ. كنت أرسم والدي أو أخوتي، وبدأت أحلم بأن أقيم معرضاً في دمشق العاصمة، المدينة الكبيرة، التي كان يعيش فيها فنانون كثيرون، وفيها صالة عرض خاصة تابعة لوزارة الثقافة، حسبما كنتُ أسمع ذلك من خلال الراديو، الذي أشتراه والدي، ببطاريته الكبيرة، مثل قطعة بلوك الأسمنت. كنا نجلس حوله، ونتأمله بدهشة، كنا نظنُ أن ثمة بشراً صغاراً يسكنون في داخل الجهاز، نستطيع سماعهم... وحين انتهت البطارية الكبيرة، فتحتها، كان فيها مادة بلاستيكية سوداء، جعلناها في أفواهنا، مثل اللبان... وأشياء أخرى، لم نعرفها، لها رائحة غريبة. كنتُ أحلم أن أعرض أعمالي في دمشق، ليس في الحسكة. من يبدي أهتماماً بالرسم، كان الرسم عاراً، سوى كنيسة أرثوذكسية، كلفتني ذات مرة برسم القديسين، ثم لم توافق على ما رسمته، لم تكن لوحاتي تناسب تصورات القيمين، فمزقت اللوحات بسكين صغيرة حادة. مرة، أذكر، قدم لي محافظ "الحسكة"، مائة ليرة سورية، لأرسم لوحة كبيرة بقياس متر مربع على لوح من الخشب لوجه "غيفارا"، وبعد إنتهائها، حملت اللوحة ليلاً على رأسي، من تل حجر إلى الحسكة، مشياً تحت المطر، وسلمتها إلى حراسه. بعد أيام، وصلتني هدية منه: نسخة من كتاب "الأم"، لمكسيم غوركي، قرأت الكتاب السميك. كانت أول رواية أقرأوها، ثم قرأها والدي، وأعجب بالكتاب. ثم حاول كثيراً جمع الروايات الروسية المترجمة، التي كانت توزع بالمجان آنذاك. وعن طريق والدي، قرأت "أرض الأم"، لأنطوان تشيخوف، ورسمت مجموعة "مالفا"، إسم الوردة التي ذُكِرت في الكتاب، ثم رميتُ بهذه المجموعة في البئر، خوفاً من الوالد.... قرأت كتباً كثيرةً، ثم تعرفت على رسام اسمه "صبري"، وآخر أسمه "عمر حسيب"، كان "صبري" يأتي إليَّ غالباً، وهو يحمل لي من المدينة صندويشاً وخياراً وخبزاً أبيض. كان يرسم بفطريته. كنا لا نعرف حدوداً للفن، أكثر من لوحاتنا، لم نرَ يوماً كتاباً أو مجلداً عن الفن. كنا نعلم بأن دمشق هي المحطة الرئيسية لأحلامنا... وكنا نحلم بقطعة قماش، بماسورة لون من صنع "الصين". كان صبري متزوجاً، يهرب من زوجته إلي، ثم أخذني مرة إلى غرفة لامرأة تسكن وحدها في المدينة، كانت سمينة وكبيرة في السن، كانت هذه تجربتي الأولى، ثم تعلمت لسنوات طويلة، كيف أمارس العادة السرية في الخفاء. كنتُ أخاف في الليل، من الدرك، لأنهم كانوا يتجولون على الأحصنة، ويضربون بالهراوات والدي أو أحداً من الجيران، لأنهم كانوا يخبئون بعض التبغ المهرب، أو كتباً للشاعر الكردي "جكرخوين"، أو لأنهم كانوا يحملون أفكاراً إشتراكيةً، بسبب الكتب الروسية. كان هؤلاء الدرك مسلحين، ويأكلون كل ما يقدمه هؤلاء الفقراء لهم من الدجاج أو البيض المقلي مع التمر. وكنا لا نأكل سوى روائح الطهي القادمة من بيوت الجيران، إلا أن والدتي، كانت لا تدع الدجاجة القادمة إلينا من الجيران تعود، وفي الليل ندفن ريشها تحت الأرض. لم نكن نعرف ما هي الفاكهة، إلا من أشكالها في سوق المدينة. مرةً، سرقت في الظهيرة قطعة جبس صغيرة من أحد الحقول البعيدة عنا، لكن الحارس أنتبه إلى ذلك، وظل يركض ورائي حتى البيت، وحين كسرت الجبس بقبضة يدي: كانت بيضاء!. أذكر فرحنا، حين قدوم الوالد من المدينة، وبيده رمانة كبيرة الحجم، يبدو أنها كانت رخيصة، وحين فتحها مثل أعيننا المنتظرة المتلهفة، كانت فاسدة من الداخل، فوضعها والدي في وسط "الحوش"، وبال عليها. كان والدي يخبئ في الليل، من حين إلى آخر ضيوفاً، يأتون إلينا خلسةً، لأنهم يعملون في السياسة، وكانوا مطلوبين من قبل الدرك. كنت أسمعهم، وأنا جالس في زاوية الغرفة المربعة، وهم يلهجون بأسماء في أحاديثهم: "لينين، ماركس، وإنجلز". كنت ثرياً في الصيف، كنت أمتلك علبة حلاوة ملأى بالكرات الزجاجية الملونة: أخرج من البيت حيث يتجمع عدد من أطفال الجيران، فأقف على مسافة منهم: خجولاً، نحيفاً، وفي جيبي كرتان زجاجيتان ملونتان. وحين يُسمح لي باللعب معهم، كنت أربح كراتهم، لأنني شديد التركيز، لكنهم كانوا يضربونني في كل مرة، فأهرب إلى البيت، مختبئاً في زاويته. كنت أكره الجميع: كنت أكره والدي، أكره العودة إلى البيت، لذلك غالباً ما كنت أنام في بيت جدي، الذي سكن مع زوجته وولدها، أي عمي "عزيز"، على مسافة قريبة منا. جدي لم يكن يملك سوى خبزٍ له رائحة، وماء... وبقرة، يقايض بحليبها دخانه، ويدخر الباقي، من نقوده، ليذهب يوماً إلى السعودية، لأداء فريضة الحج. "عزيز"، كان بعين واحدة، وله دراجة هوائية، كنت أركض وراءها، مستغرباً، كيف لا يقع. حين بلغت الربعة عشرة، كانت تزورونا إبنة الجيران، وكانت في سنوات عمري، ثم منعتها والدتي من القدوم إلينا ثانية... مع بداية السنة الأخيرة من دراستي في معهد إعداد المعلمين، تعرفتُ على شاب، من عائلة غنية "حسن حمدان". كان لهم بيت كبير، وأرض شاسعة، كان يحب الرسم، ويملك الكثير من مواد الرسم. كنت أذهب إليه من حين إلى آخر، لأرسم بمواده الوفيرة، شريطة أن يوقع هو باسمه على اللوحات، وكنت مسروراً بذلك. كان يهزأ مني دائماً، لأن لغتي العربية ليست سليمة مثل لغته!. قبل تخرجي من المعهد، بقليل، سكن في بيتنا، في الغرفة الثانية، بالإيجار، شاب في العشرينات، مع زوجته، قادماً من عامودا، إسمه "عبد الرحمن دريعي". كان يعزف على الناي مساءاً، ويرسم في النهار، وكان يضرب زوجته كثيراً، فسألت والدتي مرة عن السبب، فأجابت: "لأنها تحبه، وهو لا يحبها". كان "عبد الرحمن"، أول معلم لي في الرسم، كلما غاب عن البيت مع زوجته، إلى المستشفى، وضعت حجراً تحت قدمي، ونظرت عبر أسفل النافذة العريضة إلى لوحاته. مرة سمعته، يقول لوالدي: "دع عمر وشأنه. دعه يرسم، سيأتي يوم ليتركه، حين يكبر" كان "عبد الرحمن" فقيراً مثلنا، وكان حزيناً في عزفه للناي الخشبي... سافر إلى مكان آخر لم أعرفه. أنهيت سنتي الأخيرة في المعهد بنجاح، وكنت سعيداً بأن أصبح معلماً، وبأنني لن أذهب إلى المدرسة بعد الآن. ثم عملت في الإحصاء. ومضى الصيف، منتظراً مع زملائي نتائج التعيينات. كانت والدتي قلقة، حين عرفت بأن على المعلمين في الشمال، العمل في الجنوب، وعلى المعلمين في الجنوب، العمل في الشمال. لم أكن أعرف لماذا!. لكنني، كنت أنتظر قوائم التعيينات كل يوم أمام اللوح الزجاجي المعلق على جدار في مديرية التربية في مدينة "الحسكة". وجاءت القوائم من دمشق... بحثت عن اسمي، فلم أجده. كنا أثني عشر معلماً، لم توافق الأجهزة الأمنية على تعيننا. عدت باكياً إلى البيت، أحست والدتي بأن شيئاً ما قد حدث. - خيراً، يا بني؟ - لم أجد اسمي في القائمة، ماما. أهالت والدتي بالتراب على رأسها، وشدت شعرها، جرحت وجهها بأظافرها، مزقت ثياب صدرها، وهي تولول: "لماذا... لماذا، ماذا فعلت يا ابني؟ ماذا سيفعل والدك لو سمع بذلك؟ لقد خَرُبَ بيتنا عمر... عمر..؟
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| بشار العيسى (فنان تشكيلي سوري عالمي يكتب لوحاته بالشعر واطياب شقائق النعمان ؟) | عبود سلمان | منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي | 9 | 15-07-2009 01:54 PM |
| وليد الوابل (فنان تشكيلي عربي يرسم الصحراء بموسيقا الروح والصحراء ) | عبود سلمان | منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي | 0 | 22-10-2006 05:36 AM |