الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 26-03-2013, 03:11 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
جمال الحنصالي
أقلامي
 
إحصائية العضو







جمال الحنصالي غير متصل


جديد ليلة الرابع عشر من فبراير

ليلة الرابع عشر من فبراير



الساعة العاشرة وست وعشرون مساء
دقائق معدودة كانت كافية لفك رباط الود الذي نشأ بين جسد الهالك وروحه، مدة أربعين سنة وبضعة شهور. أخيرا ودّرته يد خفية، واضعة سما فتاكا في فنجان الشاي ليلة عيد الحب. فأسكت الله نأْمته في فراشه الدافئ ذي الغطاء الوردي الناعم.
هي ليلة من ليالي فبراير الباردة، ليلة ليست كباقي الليالي، ستبقى ذكراها صامدة أمام ريح النسيان، محفورة في ذهن سكان العمارة.
سلطت الفلاشات البراقة لمصورات الشرطة العلمية أضواءها على جثة الهالك، كان أكسى من بصلة، منتوف الشعر، عيناه متحجرتان غاب عنهما البياض، وتوارى البؤبؤ خلف عظام جمجمته التي أسلمت نفسها للسكون الأبدي، الفمُ زائل من قطرة لعاب، زائغ جهة اليمين، تسرب من بين شفتيه المعوجتين الخاليتين من أي لون صديد مقرف مقزز..
على طاولة الكوافوزة بقي الفنجان هامدا شامخا، وما زال يعتقل، ببسالةٍ في قعره، ببعض القطرات الراسبة من الشاي المسمم. أخذه مفتش الشرطة " الشاف عباس "، بعد أن غرس أصابع يديه في قفازة بلاستيكية، وقد شاهت نفسه إلى فكّ طلاسيم الجريمة. رَمصَ إلى مساعده الواقف بمحاذاة باب الغرفة، وأشار له بسبابته إلى صدرية نسائية من النوع الرخيص برتقالية اللون مختبئة خلف الستائر. نظر إليه المساعد " سي منير " بكثير من الإعجاب والاستغراب، وبرّق عينيه، وقال مع نفسه:
- مجرمة غبية!
تشكلت لدى "سي منير"، بصعوبة بالغة، معالم الجريمة وأضحت واضحة وضوح الشمس، لا زيغ فيها، وتلاحظتْ أشياءٌ كانتْ قبل قليلٍ في قبضة الغموض وعتمة ليلة الذهول.
بادره المفتش قائلا:
- لم يكن إذن السبب ذاك الداء العتيلُ، الذي حدّثنا عنه حارس العمارة !
ونفث نفثتين عميقتين من سيجارته الفريدة من نوعها، التي أهداها إياه صديقه القادم من كوبا في عيد ميلاده الخامس والخمسين، وعصرها بين السبابة والوسطى بثقة عالية، واسترسل في التحليل؛
- " القضية أسهل من شرب فنجان شاي يا عزيزي، الصدرية البرتقالية ورائحتها الجذابة، الجو، الرومانتيكية والشموع الزكية التي تحيط بمسرح الجريمة كشهود عيان خرساء، والعلاقة غير الشرعية التي كانت رقما مجهولا، لكن غير صعب، في هذه المعادلة... كلها أشياء تتجول بحرية في زقاق هذه الجريمة. "
تهدّبت، فجأة، أعصاب المساعد حين أتوا بالمُذنبة نصف عارية، إلا من وشاح كان غيورا وبقي وفيا لجسدٍ ستتسلقه النظرات الذكورية بلا أدنى شك، أخرجوها من الحمام مهزومة متهضمة مكسورة ومذلولة، تلوك علكة من النوع الرفيع، عيناها كانتا غارقتين في خليط كحلٍ مستورد ودموع طبيعية حارقة، تنفلت بهوادة من بين ثنايا رموش زائدة وعدسات اصطناعية ... مرتجفة هي، تجتاحها ريح خوف عاتية، ويعتصرها هول ألوان قاتمة..
أرختْ بوداعة غير عادية عضلات معصمها الموشوم حديثا، واستسلمت لأصفاد حديدية تساور معصمها كصديقة وفية.
أمرها صار عجيبا فلدّد المساعد وترك أجراس السؤال تدقّ مدوية في عقله الذي سكن وسخى عن التفكير. وفي نفسه تترنح صيحات كلام لا تكف عن الوخز والإلحاح.
قلص حجم بؤبؤ عينيه وضمّ الحاجبين أحدهما إلى الآخر، حك فروة الرأس وأدار الشفتين ومصمص السفلى، ثم قال:
- كيف يعقل؟ ليلى؟؟ الطالبة الجامعية المتزنة والخلوقة، بنت الحاجة ميمونة، جارتنا منذ أن كنت في السابعة... تتحول بين عشية وضحاها إلى سفاحة عاشقة لهدر الدماء بعد أن كانت مولعة بإسالة المداد، غريب جدا أمرها..
وضع المفتش يده الثقيلة على كتف "سي منير" الجالس على كرسي "الكوافوزة"، ودعاه إلى إغلاق ملف القضية، وإتمام إجراءات البحث عن مرتكب جريمة قتل مدير أشهر شركة لاستيراد الملابس النسائية الجاهزة.
مَزَنَ وجه "الشاف عباس" وهو يلقي نظرة الوداع على الجثة الهامدة، قبل أن يتم لفها في غشاء بلاستيكي أسود.
نزلوا السلالم والعيون تتراقص من هنا وهناك باحثة عن اصطياد موضوع جديد تحلية بعد وجبة العشاء، شهي للنميمة تجاذب أطراف حديثه، الآذان أيضا تنطس الأخبار من شقوق أبواب الشقق المجاورة، وهمسات هناك تنبثق ووشوشات هنا تولد، وويلات تهلل في صمت، وتكبيرات ما انفكت ترفع وتتقاطر كفتات خبز يابس في يد طفل متشرد..
وهم نازلون، يستعدون لاستقبال فلاشات المصورين، وأسئلة الصحفيين، ومصيدات الفايسبوكيين... سرق المساعد " سي منير " همسة تسللت بخفة كورقة عنب صفراء اخترقت شرفة إحدى الشقق المتواجدة أسفل العمارة، التقطتها مسامعه في قبسة زمن كانت جزْءا من المائة.
" أول مرة نرى هذه المسكينة في العمارة... تذكرت البارحة جاءت مع رجل ضخم الجثة يرتدي قبعة سوداء.. لم يصعدا.. كانا ينظران إلى الأعلى، ثم ركبا سيارة أعتقد أنها للكراء .."
كانت الهمسة سجالا خفيفا، جعله يفلت يده برفق من يد المفتش، مدعيا أنه يريد شدّ وثاق حذائه الرياضي. وفي زحمة اللقاء مع الصحفيين، عاد بسرعة إلى مسرح الجريمة. أشياء كثيرة كانت تلاعب شيمات ذهنه، تجعله يعيد ترتيب أوراقه، ما هي؟ لا يدري.
وجد الشرطي واقفا أمام باب الشقة، طلب منه أن يفتح بسرعة والاضطراب ساوره من كل جانب.. ولج الغرفة وترك عينه كفراش الأميرال في شهر آذار تهيم في المروج الفسيحة، تنتقل من مكان إلى آخر تركز في هذا الركن وفي تلك الزاوية..
وجد الشيء الذي بحث عنه، وضعه في جيب سروال بذلته الرياضية، ونزل بخطى وئيدة، قلبه منفطر، وعقله شارد وعصفورات تفكيره تتساقط منتحرات من سماء اليقين، وحسرة ملونة بألوان ساخنة علقت على باب أحاسيسه المنكسرة..
سمع صوت شعلة قداحة، نظر بعيون ذابلة، كان ظل "سي عباس" يعرفه لأنه ضخم، سأله المفتش:
- أين كنت يا رجل؟
- كنت أقضي حاجتي في الحمام، الحمام ذاته الذي اختبأت فيه المجرمة، لكنني أحسست بالبرد، فنافذته بلا زجاج ..
- ما ذا تقصد؟
- أقصد أن النافذة بلا زجاج .. عادي! أخبرني "الشاف" أريد اكتراء سيارة، أتدلني على مكان خاص.
- تريد عطلة هههه مسكين نال منك التعب.. بالمناسبة أعرف صديقا في قلب المدينة، اكتريت عنده سيارة ليلة البارحة... لا، لا أذكر ربما الأسبوع الماضي...
- لكنك البارحة قلت أنك في زيارة لقريبك بالبادية...
- أهذا تحقيق؟
- العفو سي عباس، آخر سؤال: ماذا عن ابنكم؟ هل تم توظيفه بالشركة التي أخبرتني عنها؟
- لا، مديرها "حمار" ! وكفى أسئلة.
أُغلق ملف القضية، وعاد " سي منير إلى بيته "، استقبلته زوجته وأخبرته بالخبر السعيد.
- أبشر عزيزي، سكان الحي كلهم فرحوا للحاجة ميمونة، أخيرا ستسافر إلى ألمانيا للعلاج.
- ومن أين لها بالمال؟
- يقولون أن ابنتها ربحت في مسابقة ثقافية عالمية.
مازال يفكر في الأمر، فإذا بابنه حسام يستقبله بالأحضان.. تحسس بيده المشاغبة علبةً في جيب بذلة الوالد ورقص فرحا.
- بابا أتى بشكلاطة كما وعدني.
قبّله، ثم أخبره أن هذا نوع فاسد، وفي رمش عين هرول إلى حانوت الحي، لاقتناء الشكلاطة، وقبل ذلك، رمى بعلبة السجائر المستوردة من كوبا في سلة المهملات المجاورة لمنزل الحاجة ميمونة.
بقلم: جمال الحنصالي






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 11:52 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط