شأنهم الضياع وأنا كتبت على صفحة حياتي السكون ........ لم أحاول مطلقا ولم أفكر حتى بطريقة للأنفلات من قدري ... لكن وصول الاستاذ حفزني على تغيير مفاهيم عتقتها بوجداني ( من راقب الناس مات هما ) ومن لم يراقبهم ضاعت عليه حنكة الحياة , ربما الان وبعد أعوام من العزلة ببيتي الذي ورثته من أبي حان الوقت للدخول الى معترك الحياة .... في عملي كنت أيضا جزيرة بعيدة عن العالم موظف منسي بشعبة الحفظ والارشيف ...... عندما كنت أتأخر عن عملي دقائق وأدخل وحدي الى استعلامات دائرتي يقابلني موظف الاستعلامات بسؤالي عن هويتي مستغربا كوني موظف منذ عشرين عام واكثر ولايعرفني ولم يسمع عني أي شيء على كل حال مجيء الاستاذ الذي شغل الناس بكتاباته الجريئه والغير معتاده على مجتمع يرتدي احدث الملابس لكن بعقلية البدوي المتحجر !!! جعلني أتحفز لكسر روتين حياتي الذي كنت اعتقد اني لن أكسره هكذا ..... من العمل الى السوق الى بيتي وشاشة التلفاز والنوم ومخاطبة أصدقائي الذين زرعتهم على كنبات صالوني القديم !!!
كان الاستاذ أبن منطقتنا لكنه فارقها هاربا من حرب الثمان سنوات وعاد قبل سنتين ليسكن بحي راقي ولينشط بالكتابة بالصحف والظهور بالبرامج المتلفزة وهو يطرح مفاهييم مرعبة بمقاييس البلد أخطرها حرية ممارسة الجنس للجنسيين ورغم أنها مقوله قالها مرة واحدة ولم يعدها ألا أن الجمهور لصق بها وجيرها لقبا يطلقه عليه ( القواد الجديد ) كناية بمصطلح ( العراق الجديد ) الذي مللنا سماعه من على أفواه العائدين من الغربة الى كراسي الحكم !!!!
لكن وفاة أبيه جعله يعود الى حيينا لتلقي العزاء وبما أن عادات مجتمعنا أن يكون مجلس العزاء ثلاث أيام تنحر فيه الذبائح وتقام فيه الولائم وتسكب فيه فناجين القهوة المرة وأقداح الشاي المهيل وتلفه عادات متعبه كمصافحة كل الجالسين بصوان العزاء والذي يكون خيمه واحده او خيمتان تتطلب شجاعة وأصرار على تنفيذ هذا الطقس المقرف والذي كان الاستاذ نفسه قبل شهر او أكثر من منتقديه وهو بالضبط ما حفزني للذهاب لمجلس العزاء خصوصا أن والده كان صديقا لأبي ورفيقه بكل المراحل كما قال لي ابي يوما ما منأنه رفيق درب من أيام العربده والسكر والى أيام الجامع والصلاة !!!
وصلت لرأس زقاقهم ومكبرات الصوت تصدح بآيات قرانيه بصوت عالي ( وهذه ايضا انتقدها وانتقد حتى صوت الاذان ) لكني أسمع أكثر من مكبر الان بمجلس عزاء ابيه , ولجت الزقاق فوجدت الشباب يلتفون بجانب القهوجي وموزع الشاي طبعا طمعا بسيكارة من تلك العلب الموضوعة بصينيه توزع على المعزيين بعد السلسلة المتعبة من طقوس واجبه فبعد أن يصافح المعزي أقرباء المتوفي وكل المعزيين بالسرداق يقف بخشوع وهو يترحم بصوت عالي على كل من قرأ سورة الفاتحة وان كان معه مجموعه فالمنادي واحد وبعد أن يقرأها هو ومن معه وقوفا يجلس ليتلقى التحايا ( مساكم الله بالخير ) من قبل أهل المتوفي وكل المعزيين وهنا يقوم هو ومن معه نصف أنحناءه ويرفع يده يمينا وشمالا مرددا ( الله بالخير ) وكلما نطقها وضع يده على رأسه أحتراما لمن حياه !!! يأتي موزع القهوة المرة بفناجين اثنين او ثلاث يسكبها غصبا ليشربها المعزي ويرجه كناية على الاكتفاء او يقدمه بيد ساكن ليتلقى جرعه أخرى من القهوة العلقم !!! طبعا قبل القهوة يأتي موزع الماء وبعدها يأتي حامل صينية السكائر وكل هذه الطقوس تنفذ برتابة لايشوبها الخطأ مطلقا وغير مسموح للقائمين على هذه الاعمال ويطلق عليهم أسم ( المعزبجيه ) الخطأ او قول اي شيء غير ( الله بالخير ) للمعزي ...... هذه الطقوس رفضها الاستاذ وأسهب بنقدها وتقريع من يقوم بها ولعن من يصر عليها كونها طقوس ترهق أهل المتوفي جسديا وماديا , لكنه الان ينفذها بحذافيرها بمجلس عزاء أبيه .......
دخلت الصوان وأنا أحتمي بمعزيين من جيراني حتى أتخلص من الصراخ قبل الجلوس حيث أن تلك المهمه ستكون لجاري ابو محمد خصوصا وهو يرتدي الملابس العربية التقليدية وهي رسالة لمن لايعرفه انه كبير عائلته فتوجه له التحية بعد الجلوس !!!
كان الاستاذ نفسه يرتدي الملابس العربية لا بل أن راية العشيرة ( البيرق ) بجانبه وهو أشارة للجميع على أنه الان يتقلد منصب الكبير بفخذ عشيرته بديلا عن ابيه وهذا يعني أنه هو من سيتصدر مجلس العرب بأي مشكلة تقع لاحد ابناء العشيرة يحكم بأعراف العشائر وينفذ طقوس فض النزاعات ( الفصل ) وهي من اعتق العادات التي تعود الى ماقبل الاسلام ......... صافحته وقبلته وهمست بأذنه كونه صديق طفولة ........
- يليق بك البيرق يا ........ أستاذ
( انتهت )
تنويه : رحلة تعريفية لطقوس أداء العزاء بالموت العراقي ........ مهم جدا لكل من هو غير عراقي يحضر مجلس عزاء عراقي ........