همســة
قراءة قصيرة في قصيدة طويلة
كبيرة هي الأم كعرين أسد ..
وصغيرة هي الأم كعصفورة أحلام ..
بين هذا وذاك تبدو الأم التي عاشت المخاض
وأنجبت فلها كل الحب ، ولها كل أناشيد الحياة .
عرين القلب
يا صفصافة البيتِ
ويا عصفورةً غنَّتْ
وبين جوانحي طرتِ
كلنا يخشى أن يقترب من عرين الأسد لأن الخطر يكمن في الأسد
الذي يحافظ على عرينه .
والأم هي عرين قلوبنا وعربون محبتنا .. وأعز من نحافظ عليه .
وتكاد تكون أطول الأشجار (شجرة الصفصاف) الباسقة التي تنمو
وتكبر الى أعلى السماء شموخا .
والأم هي أطول وأسمى ما في البيت وهذا من كرم حنانها
وعطفها .
وهي صغيرة مهما كبرت صغر العصفور ..
وكل ما تتلفظ به غناء كغناء العصفور الذي
يمتاز بحسن الصوت والغناء .
احساسنا بالأم يعادله احساسنا بعصفورة تطير أمامنا
لنتمتع بمنظرها وكأننا نطير معها .
أرى قدمايَ تسرقني
من الدرب الذي سرتِ
هنا ذاتية الشاعرة التي تقول أنها وعلى سجية منها تجد نفسها
تسير على درب الأم ..
وهو احساس نبيل يدل على أن البنت أقرب الى الأم محبة ..
وأنها ستتخذ من أخلاقها ومزاياها نسخة طبق الأصل ..
وستصبح يوما أما .
نسيتُ بأنني أملٌ
لروحِكِ إذْ تمنيتِ
نسيتُ بأنني نغمٌ
على شفتيكِ رددتِ
نسيتُ بأنني آهٌ
وفي صمتٍ تألمتِ
ومهما كانت محبتنا للأم ..
فان الاعتراف بفضلها نبع لا ينضب .. وكل من يقدر ذلك
ويحاول رد الجميل يجد نفسه حتما في حاجة الى تأنيب ضميره
عن كل صغيرة اقترفها في حق هذه الانسانة الصبور المعطاء .
وفي غمرة الحياة التي أصبحت أنانية لكل شخص منا ، حيث نهتم
بأنفسنا أولا ..وننسى ما حولنا ..هاهي الشاعرة تتذكر ..
وتعتذر لأمها عن نسيانها في صورة تعبر عن واقع
حملته وتحمله الأم والكثير يجهله :
ـ ننسى بأننا أمل تمنته الأم وهي ترانا في المهد لأن نكون عضدا وسندا في الغد .
ـ ننسى بأن الأم كانت تداعبنا فتغني في فرحة لنا .. وتردد اسمنا بأغنية حالمة .
ـ ننسى بأن كل ما كان يصيبنا من سقم وألم ، تتألم به الأم أولا ويكاد ينفطر قلبها من
الحزن والآه .
اعيديني أيا اماه
قرب شغافك نبضاً
وفي احداقك ومضا
وعنوانا لكل براءة الأطفال
ميلادا لكل قداسة الأجيال
انه الاعتراف .. والاعتراف هنا سيد الحب
والوفاء والاخلاص ..
وكما يتغنى الحبيب الولهان بأعز محبوب ..
ويصفه بأرقى الأوصاف ..
فان الغناء ووصف الأم بأرقى الأوصاف يأتي أحلى وأطهر..
وليس هناك أبلغ من قول شاعرتنا :
أعيديني أيا أماه قرب شغاف قلبك نبضا يعيد لك الحياة ان مسك
مكروه .. وفي سواد عينيك نور يشع ان تقدمت بك السنون وكلت
العينين ..
أتمنى أن أبقى طفلة أعيش براءتي أمامك ..
وكما كنت مقدسة عندي أتمنى أن أعيش قداستك وأنقلها الى الأجيال
وكأني أقول هذا ورثته عن أمي ..
كي أغدوا كما كنتِ
بحرٌ محبةٍ انتِ
وجاءت نهاية القصيدة بيت كامل الصورة والنغم ..
في أمنية رائعة لبنت تتمنى أن تكون كما كنت أمها بحر محبة .
تلك هي العاطفة الانسانية التي نحتاج الى تذكرها وادراك فضل من
له فضل علينا ، ونسيناه في زمن النسيان .