الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-08-2008, 03:24 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

تحت الشمس (5 )وغاب القمر ...مات محمود درويش بقلم : عاطف رضا زيد الكيلاني


تاريخ النشر : 2008-08-10القراءة : 121

عن (دنيا الوطن)


تحت الشمس ( 5 )
وغاب القمر...مات محمود درويش
يقلم : عاطف رضا زيد الكيلاني
Atef.kelani@yahoo.com

(وأبي قال مرة :
الذي ما له وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر )
.......ولو استشرتنا يا محمود لنهيناك عن السفر.... ..فكلنا نحمل بين ضلوعنا قلوبا معطوبة ...وأن تعيش بيننا بقلبك المعطوب افضل الف مرة من ان تفارقنا الى الأبد ...قد نكون انانيين بعض الشيء ...ولكن يعز علينا فراق من احببناهم ومن عشقنا انتماءنا اليهم وانتماءهم الينا ....اتعبتك المنافي ...وتغلبت على رهافة قلبك برودة المرافيء الغريبة ...وبقيت حتى اللحظة الأخبرة صامدا ترفع في يد راية فلسطين وبالأخري القصيدة ...وفي قلبك العالم ...
...تركتنا يا محمود في وقت نحن في أشد الحاجة اليك ...تركتنا (كالمنبتين ) ...فلا ارضا قطعنا ..ولا ظهرا ابقينا ..ففي الوقت الذي مارست أنت فيه اقصى درجات الصدق مع ذاتك وشعبك وتركت كراسي المناصب ..ها نحن نراهم يتكالبون على تلك الكراسي ويعلنون الحرب في ما بينهم على كعكة لم تنضج بعد ...والله وحده يعلم متى تنضج ...
( الكراسي / المآسي
المآسي / الكراسي
فإما الممات
واما الكراسي
وإما الكراسي )
...لقد اكتشفت لعبة الكراسي القذرة مبكرا ...فآثرت ان يربحك شعبك شاعرا على أن يخسرك سياسيا ...فكان ان اعلنت استقالتك من جمهورية السياسة لتكون حتى اللحظة الأخيرة في مملكة الشعر الملك المتوج ...فمثلك يا محمود ان يكون الأول او الثاني او العاشر في جمهورية السياسة ...ولكنك استطعت ان تكون الأول ...دون منازع ...في مملكة الشعر ...
محمود ...يا ملك ملوك الشعر والشعراء ...أتراك أخذك الحنين على غفلة منا الى قهوة امك والى خبز امك ..؟ ...
( أحن الى خبز امي
وقهوة امي
ولمسة امي )
( وأعشق عمري لأني
إذا مت
أخجل من دمع امي )
...ها قد عدت يا محمود الى امك ...والى خبزها وقهوتها ...ها قد عدت فاتحا حتى وأنت مرفوعا على الأكف ...ما عدت وجلا ولا مهزوما ولا منكسرا ولا مساوما على جراح شعبك ...ها قد عدت يا محمود وملايين الحناجر تهتف هتافك الممهور بتوقيع معاناتك ...
( سجل ..
أنا عربي ...
ورقم بطافتي ....
 وآسف للتدخل في النص الأصلي ...—
 ورقم بطاقتي ...
 الف ...الفين ...
 ثمانون الف ...مليون
 ...بل ثلاثمائة مليون )
 ها انت تفارقنا يا محمود بعد ان علمتنا كيف تكون الأم والحبيبة والأرض والشجرة مسميات عدة لذات واحدة ...
 عليك الرحمة ايها الشاعر ...ايها القائد ...ايها الرمز ....ولكل شعبنا الصبر والسلوان ...
 الكاتب : عاطف رضا زيد الكيلاني
Atef.kelani@yahoo.com






 
رد مع اقتباس
قديم 11-08-2008, 03:29 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش


محمود درويش بقلم:زياد أبو لطيف


تاريخ النشر : 2008-08-11القراءة : 27

عن(دنيا الوطن)


محمود درويش
زياد أبو لطيف
هلم بنا الى مطارح عشقك الدائم ، نلملم دمعة الزيتون لنشبع بها تراب فلسطين ريا، و هل من دموع بعد و أنت سقيت ترابك الغالي شعراً نديا، هلم بنا نرافقك جسداً و روحاً بعدما رافقناك منذ الطلوع قصائد و كلمات .. و هيهات يا قلم المحابر الذي ما جف حبره النجيع، يروي و يروي كأنما قصة التاريخ معك ابتدأت .
محمود درويش قرأناك مع الخبز و القهوة و أنشدنا على لحن قصائدك ما تغنى به الكبار في موسيقى الألم و الثورة. كم أنعشت فينا حنيناً الى ريتا ، و برتقالها و زيتونها و همسات ربيعها اليانع .
هناك أيقظت في كل صغير و كبير ، و عاشقة و حبيبه ، حلماً يخترق كل جدران الصمت و يرتفع فوق منازل الهزيمة، التي أسكتت في هامات الرجال كل نخوة و همه. و ها أنت بشموخ قامتك تبعث فينا الأمل ، لا مساوماً و مهادناً ، بل مناضلاً مثالياً لتصبح رمز قضية الحق التي لا بد و أن تنتصر..
إذا كانت مسافة الموت لتبعد جسداً ثانياً عن ربوعنا الحَرَة على غيابك المبكر فانك و بدون شك سبقت إرادة الموت الى منابع الحياة و هناك تفجر فكرك ينابيع غزيرة ستظل روافد غنية تعطي دونما توقف و لا تعرف الى المنة سبيلاً ، فسلام عليك كما الأحرار
كما المناضلين
كما الثائرين
كما الأبرار
عزاؤنا و الزمن أهابنا بالغدر أننا عشنا في زمانك الجميل ، و أننا قرأناك حياً في الوجود ، و سنظل نقرأك في الذاكرة إذا عزف العمر عن الاستمرار و في جنات الخلود نلتقي لنجدد معك حلم الحياة ..






 
رد مع اقتباس
قديم 11-08-2008, 05:32 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش


محمود درويش الذي عرفت
عبد الباري عطوان


11/08/2008
عندما التقيته للمرة الأخيرة، قبل ثلاثة أسابيع، على مائدة عشاء في مطعم ايطالي اختاره بعناية في جادة 'سان جرمان' المفضلة للشعراء والكتّاب والمثقفين في العاصمة الفرنسية 'باريس'، وبحضور الصديق المشترك، الناقد والأديب صبحي الحديدي، كان محمود درويش قلقاً لسببين، الأول أن القنصلية الأمريكية في القدس المحتلة لم تمنحه تأشيرة دخول (فيزا) لمراجعة المستشفى المتخصص بالشرايين في هيوستن رغم أنه تقدم بطلب في هذا الخصوص قبل أربعة أشهر، والثاني ان نتائج الفحوص الأخيرة التي أجراها لدى طبيبه في باريس لم تكن مطمئنة، فالشريان الأورطي متضخم ويمكن أن ينفجر في أي لحظة، ولا علاج إلا بعملية زرع اخرى، ولكن العملية مثلما قال له الطبيب الفرنسي تعني أحد أمرين.. الموت أو الشلل شبه الكامل. سألني بغتة عما اذا كان جسمي مؤلفا للكوليسترول مثل جسمه.. لم يتركني أجيب وواصل قائلا بأن عقله يكتب الشعر، وجسمه 'يؤلّف' الكوليسترول اللعين، ويبدو... واصل مازحاً، أن انتاج الجسم أغزر كثيراً من انتاج العقل، ولكنه انتاج قاتل للأسف.
غيّرنا موضوع الحديث، وانتقلنا إلى موضوع تأشيرة الدخول التي ينتظرها، ويستعجلها، وكأنه يستعجل شهادته، ولقاء ربه، كان غاضباً على الأمريكان، ومعاملتهم له وكأنه زوج ابنة اسامة بن لادن أو أخته، أخذوا بصماته، وطلبوا منه توقيع عدة طلبات مرفوقة برزمة من التحاليل الطبية والرسائل المتبادلة مع المستشفى الأمريكي، ومع ذلك ورغم وساطة 'الرئيس' محمود عباس، وتدخل السيدة كوندوليزا رايس مثلما همس البعض في أذني لاحقاً، فقد كان الجواب دائماً بأن الرد لم يأت بالموافقة من وزارة الأمن الداخلي، وعليه الانتظار. امتد بنا الحديث في ردهة فندقه المفضل، وهو بالمناسبة الفندق نفسه الذي كان يرتاده الراحل ادوارد سعيد، حتى الساعة الثانية والنصف صباحاً، وشعرت انه يخشى الليل ويستعجل الصباح، أو ربما أراد أن يطيل أمد اللقاء، والأحاديث عن شعراء قصيدة النثر الذي قال انهم دمروا الشعر، ووصفهم بالفدائيين الذين يملكون جرأة غير عادية في القاء شعرهم في قاعات خالية إلا من بعض اصدقائهم وزوجاتهم وبعض الأقارب.
كان يخشى هؤلاء، ويبتعد عن الصدام معهم فهم مراكز قوى مدججة بالأسلحة، أو 'مافيات' تهيمن على الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية، ويجاملون بعضهم البعض، ويكرهون بعضهم البعض، واذا تصالحوا فلفترة قصيرة كان يسميها 'تحالفات الخمس دقائق'، ولكنهم والرأي للمرحوم محمود، يتوحدون ضد غيرهم من شعراء الوزن والموسيقى، ناهيك عن شعراء القوافي. قلت له سنلتقي في باريس لنحتفل بسلامتك، عندما تتوقف فيها في طريق عودتك، وفي المطعم نفسه المتخصص بطبق الحبّار الذي تحب، نظر إليّ وقال 'إذا عدت'، ثم تساءل: لا أعرف ما إذا كنت سأوافق على العملية الجراحية أم لا، ولكن الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني لن أعود 'مشلولاً'، فإما في تابوت أو سيرا على قدمي.
افترقنا في اليوم التالي، عاد الى رام الله عن طريق عمّان، وعدت إلى لندن، ليهاتفني بعد ثلاثة أيام بأنه وجد الفيزا في انتظاره، وأنه سينطلق مع أواخر شهر تموز (يوليو) إلى هيوستن وبصحبته صديقه الصدوق أكرم هنية رئيس تحرير صحيفة 'الأيام' الفلسطينية، وسألني عن أصداء قصائده التي خص بها 'القدس العربي'، فشرحت له كمّ الردود الهائلة عليها في موقعنا الالكتروني، وشعرت كم كان مرتاحاً وسعيداً.
محمود درويش كان دائماً يعيش حالة قلق كلما كتب قصيدة جديدة، وكأنها القصيدة الأولى التي يكتبها في حياته، يسأل عما اذا كانت جيدة، وتصلح للنشر، فننهره بمودة، ونستغرب أسئلته هذه، ولكنه يقسم، وهو صادق، انه لا يعرف ما اذا كانت جيدة أم لا، ويريد رأينا قبل النشر وبعده، ثم بعد ذلك تدخل الطمأنينة إلى قلبه المتعب.
لم نعرف أن الحكومة الأمريكية اسدت إلينا معروفاً كبيراً عندما تلكأت في منحه الفيزا، فقد ابقته بيننا أربعة شهور، انجز خلالها اثنتين من أعظم قصائده، وشارك في عدة أمسيات احداها في رام الله، والثانية اقيمت في ملعب كرة قدم في جنوب فرنسا، ومحاضرة في باريس وسط نخبة من كبار الأدباء الفرنسيين، فقد يأتي الخير من باطن الشر الأمريكي.
لم يحدث أن اسيء فهم شخص في الثقافة العربية مثل محمود درويش، حيث ظلت تهمة الغرور تلاحقه من قبل الكثيرين، ولكنه لم يكن مغروراً ولا متكبراً، وانما شخص 'خجول' لا يفضل الاختلاط كثيرا بمن لا يعرف، ويتجنب الثناء والاطراء، وهو الذي يملك أرصدة ضخمة منهما على امتداد حياته الادبية. فهو لا يستطيع، كما كان يقول لي دائماً، أن يكون صديقاً للملايين من معارفه ومحبيه، ويحتاج إلى الخصوصية التي يتقوقع في داخلها في لحظات حياته بعيداً عن الأضواء.
عندما كان يقيم في باريس، وبالذات بعد استقالته من عضوية اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية احتجاجاً، ورفضاً، لاتفاقية أوسلو، واجه ظروفاً مالية صعبة جداً، فقد قرر الرئيس الراحل ياسر عرفات وفي خطوة مؤسفة، وقف الغالبية العظمى من مخصصاته المالية، ومن بينها أجرة الشقة المتواضعة التي كان يعيش فيها (غرفتان وصالة)، وكان بيننا اتصال هاتفي يومي في الساعة الثانية عشرة بتوقيت لندن، وفي احدى المرات، ولظروف قاهرة تتعلق بمشاكل مادية واجهتنا في الصحيفة استدعت قدوم محصلي الديون لمصادرة اجهزتنا وطاولاتنا وما تبقى من اثاثنا الهرم، لم اهاتفه كالعادة لمدة يومين فاتصل بي في اليوم الثالث غاضباً ومزمجراً بسبب انقطاعي عن الاتصال.
فاجأني عندما قال انه يعيش على هذه المكالمة اليومية، فهو لم يعد يستقبل غير مكالمتين فقط، الأولى مكالمتي المعتادة، والثانية من شخص عابر سبيل، وتساءل هل طلبتني في أي يوم من الأيام ولم تجدني، قلت لا.. قال معنى هذا أنني لا أخرج من البيت لأني لا أملك ما يجعلنى أخرج إلى القهوة أو المطاعم فقطعاً سيلتف حولي المحبون، ولا استطيع دفع الفاتورة. شعرت بالصدمة، فهذا الشاعر الكبير لا يجد من يهاتفه، وربما أحس بهذا التساؤل في ذهني، وقال: الأمر بسيط جداً: لا نقود.. ولا نفوذ.. ولا يهود.. وشرح لا نقود لأن الرئيس عرفات أوقف مخصصاته، ولا نفوذ أي لم يعد عضواً في اللجنة التنفيذية وقريباً من الرئيس مما يمكنه من حل مشاكل المحتاجين أو توظيف بعضهم، وأخيراً لا يهود.. أي أنه ليس منخرطاً في المفاوضات التي كانت على أشدها، حتى يكون في قلب الحدث الاعلامي والسياسي.
محمود درويش واجه 'خيبات أمل' كثيرة في حياته، ولكن أبرزها في رأيي، خيبة أمله في الشعب الفلسطيني عندما لم يثر غاضباً ضد اتفاقات اوسلو، فقد توقع هذه الغضبة، واراد ان يكون مع الشعب، لا مع الموقعين عليها، ولكن هذا الشعب فاجأه عندما رقص في معظمه طرباً، وصدق 'أكاذيب' قيادته بأن السلام قادم والدولة الفلسطينية المستقلة على بعد أربع سنوات فقط.
خيبة الأمل هذه اجبرته على ان يخفف من معارضته، وأجبرته ان يعود الى رام الله لانه لم يعد يستطيع العيش في باريس، وحتى لا يتهم بانه، وهو أحد المتشددين في الاصرار على حق العودة، رفض ممارسة هذا الحق عندما سنحت له الفرصة، مضافا الى ذلك ان معظم اصدقائه في تونس عادوا ولا يريد ان يتخلف عن الركب، وحرص ان يترك مسافة بينه وبين السلطة.
اما خيبة الأمل الثانية فتمثلت في رأيه بالأداء الفلسطيني، والفشل الكامل في اقامة المؤسسات والحكم النموذجي الذي كان يأمله، وفوق كل هذا انهيار المشروع الوطني الفلسطيني الذي كانت تبشر به السلطة وقادتها واتساع دائرة الفساد المالي بصورة مرعبة، وقال لي في احدى المرات ان امنيته ان يهاجر مرة اخرى الى باريس ويعيش في استديو صغير (غرفة واحدة) ويقضي بقية حياته هناك، ولكن ما يمنعه هو الخوف من الاتهام بانه يرفض الوطن، والتضحية من اجله.
محمود درويش استقال من كل مؤسسات منظمة التحرير، واعاد اصدار مجلة 'الكرمل'، ورفض كل ضغوط الرئيس الراحل عرفات لتوزيره في حكومة السلطة، وفضل ان تكون دائرته في رام الله صغيرة جدا، محصورة في مجموعة اصدقاء، بعضهم شعراء وكتاب، واكثرهم من الناس العاديين البعيدين عن الوسط الثقافي. لانه كان يبحث عن الجلسة المرحة للهروب من ضغوط مرضه، وامراض المثقفين المستعصية، من غيرة وحسد ونميمة مثلما كان يقول.
كان يكره القيود، ولهذا لم يتزوج ثالثة، كان يكره ان تشاركه امرأة حياته، وكان يفضل دائما ان يكون سريره مملكته، كنا نلتقي بصفة دورية في باريس، وكان يحب الحديث عن النساء ومغامراته، وفي احدى المرات سألته كيف تطلق 'فلانة' بعد ستة اشهر وبهذه السرعة، قال لي: وهل تعتقد ان ستة اشهر فترة قصيرة، لقد طوّلت اكثر من اللازم.
محمود درويش أحب العرب جميعا، ولم يكن غريبا ان تكون اقوى قصائده في بواكيره الاولى 'سجل انا عربي'، وكان يشعر بمودة خاصة تجاه ابناء المغرب العربي الذين بادلوه الحب بحب اسطوري، ولذلك لم يتردد في قبول دعواتهم لإلقاء اشعاره في تونس والجزائر والمغرب في فترات متقاربة.
ربما تكون المملكة العربية السعودية من الدول القليلة التي لم يزرها مطلقا، وهناك قصة غريبة وراء ذلك، فقد جاء احدهم يفاتحه قبل عشرين عاما بدعوة لحضور مهرجان الجنادرية الثقافي السنوي في وسط نجد، وعندما سئل عن الجهة المنظمة قالوا له انها 'الحرس الوطني'، فقال وما علاقة العسكر بالثقافة، ألا توجد رابطة او نقابة او هيئة تتولى هذه المهمة غير الحرس الوطني؟ وكانت هذه الكلمات نهاية العرض.
كان مولعا بالتدخين، وبعد عمليته الجراحية الاولى التي تكللت بالنجاح، قال له الطبيب ان اول شيء يجب ان يفعله ان يتوقف عن التدخين، فقال له دعنا 'نتفاوض'، فقال له الطبيب لا مفاوضات ولا تنازلات، فرد عليه: واذا توقفت عن التدخين ماذا سيحدث؟ فقال الطبيب: سيطول عمرك عدة سنوات، فقال له: سأستمر في التدخين، وليقصر عمري، لانه يعني تقصير شيخوختي. ولكنه اضطر للتوقف كليا بعد عمليته الثانية، وظل يجلس بالقرب من المدخنين ليستنشق ما هو محروم منه.
محمود درويش لم يعش الشيخوخة مطلقا وغادرنا وهو في قمة عطائه وعنفوانه وأناقته، وشخصيته المحببة، وتعليقاته الساخرة اللاذعة، شيء واحد لم يحققه، وهو الذي دخل قلوب وعقول الملايين، عدم حصوله على 'جائزة نوبل' التي ترشح لها عدة مرات في السنوات الاخيرة.
بعد محمود درويش لن يكون الشعر بالقوة نفسها او بالسحر نفسه، سيكون شعرا مختلفا، فبرحيله رحلت ظاهرة شعراء يملأون ملاعب كرة القدم بالمعجبين والمعجبات، ليس في الوطن العربي وانما في المنافي الاوروبية.
خسرته صديقا عزيزا، ورمزا من رموز هذه الأمة التي ربما لن تتكرر الا بعد قرون. محمود درويش اقول وداعا.






 
رد مع اقتباس
قديم 11-08-2008, 10:20 PM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
إياد حياتله
أقلامي
 
الصورة الرمزية إياد حياتله
 

 

 
إحصائية العضو







إياد حياتله غير متصل


افتراضي رد: كتبوا في وداع محمود درويش

رحمه الله وأحسن مثواه

ما ساءني كثيرا أنّه مات بعيدا جدا عن الأرض العربية

وحيدا دون أهل أو أصدقاء

وما يعزّيني

أنني حضرته ثلاث مرّات في دمشق

في الأعوام 78 و 82 و 98

وكانت الأمسيات كلها في صالات رياضية مغلقة تتسع لآلاف الأشخاص


خسارة كبيرة للأدب والشعر العربي

ولفلسطين

والفلسطينيين جميعا







التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 11-08-2008, 11:54 PM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
عبد العظيم هريرة
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبد العظيم هريرة
 

 

 
إحصائية العضو







عبد العظيم هريرة غير متصل


افتراضي رد: كتبوا في وداع محمود درويش

عرفته شابا وأنا بعد متحسسا طريق الشعر وهمت في قصائده بداية في ديوان " أوراق الزيتون " وكنت أحفظ أكثرها عن ظهر قلب ولم يكتب لي لقاؤه حينما حضر إلى المغرب سنة 1986 صحبة أدونيس وكنت وقتها مهاجرا .. هو شاعر القضية الفلسطينية بامتيازالذي لا يسأم ولا يتراجع ولا يتخاذل الفطحل القوي الذي قاد الثورة الشعرية الجديدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد وز العشرين ..
الحقيقة أنه لم يهزني أبدا شعر مثلما فعل بي محمود درويش مثلما لم أنتش لغناء مثلما انتشيت لفيروز ومارسيل خليفة ..
رحمك الله يا درويش فأنت والله اليوم الغائب الحاضر وستبقى حاضرا ما بقي للعروبة وجود ..







 
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 02:42 AM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: رد: كتبوا في وداع محمود درويش

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إياد حياتله مشاهدة المشاركة
رحمه الله وأحسن مثواه

ما ساءني كثيرا أنّه مات بعيدا جدا عن الأرض العربية

وحيدا دون أهل أو أصدقاء

وما يعزّيني

أنني حضرته ثلاث مرّات في دمشق

في الأعوام 78 و 82 و 98

وكانت الأمسيات كلها في صالات رياضية مغلقة تتسع لآلاف الأشخاص


خسارة كبيرة للأدب والشعر العربي

ولفلسطين

والفلسطينيين جميعا
أخي الحبيب اياد
آلمني ما آلمك..ربما هو قدر الشعراء الفلسطينيين أن يموتوا بعيداً عن الحضن الدافئ لفلسطين
من قبل : توفي الشاعر الكبير معين بسيسو بعيداً عن أرضه ، وكان آخر ما كتب:
...ولساني كان السيف..وأنا الآن أموت ..وشهودي هذه الجدران الأربعة الخرساء).
ولكنها أرض الله ، والمصير دوماً اليه -سبحانه-
ليرحم الله شعراءنا جميعاً الذين بثوا الجمال في الألم ، وفي الموتِ نفسه.
مودتي وتقديري






 
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 02:44 AM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: رد: كتبوا في وداع محمود درويش

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العظيم هريرة مشاهدة المشاركة
عرفته شابا وأنا بعد متحسسا طريق الشعر وهمت في قصائده بداية في ديوان " أوراق الزيتون " وكنت أحفظ أكثرها عن ظهر قلب ولم يكتب لي لقاؤه حينما حضر إلى المغرب سنة 1986 صحبة أدونيس وكنت وقتها مهاجرا .. هو شاعر القضية الفلسطينية بامتيازالذي لا يسأم ولا يتراجع ولا يتخاذل الفطحل القوي الذي قاد الثورة الشعرية الجديدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد وز العشرين ..
الحقيقة أنه لم يهزني أبدا شعر مثلما فعل بي محمود درويش مثلما لم أنتش لغناء مثلما انتشيت لفيروز ومارسيل خليفة ..
رحمك الله يا درويش فأنت والله اليوم الغائب الحاضر وستبقى حاضرا ما بقي للعروبة وجود ..
الحبيب عبدالعظيم...
قلما وجد مبدع معاصر لم يتأثر بمدرسة درويش قليلا أو كثيراً..
فليرحمه الله.
مودتي لك وتقديري






 
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 02:45 AM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش


نحن يتامى بعدك يا محمود
موسى حوامدة
(شاعر فلسطيني مقيم في الأردن)
حزينة عمان هذا المساء، حزينة رام الله والبروة والجديدة وحيفا، وفلسطين هي الأكثر حزنا لانها ستنام لأول مرة بدون عريسها الفتي والوسيم وبدون شاعرها الاجمل.

حزينة عمان لأنها ستنام أيضا بلا رائحة درويش وقد اختارها سكنا ومنزلا وحمل جواز سفرها مؤكدا ما كان يقوله دائما أن الأردن وفلسطين رئة واحدة أو شقان لذات الرئة وقلب واحد وشعب واحد وقد صدقت نبوءته فنحن الأكثر حزنا وبكاء عليه وخسارة له.

نحن يتامى اليوم بعد رحيلك يا محمود فقد كنت الجدار الذي نستند عليه والأخ الاكبر الذي نطاول به عنان السماء والمعلم الذي مهد لنا طريق الشعر وحب فلسطين وعشقها.

لك الخلود أيها الشاعر فالشعر بعدك حزين يلبس ثياب الحداد، ويقيم في دمعة العمر الطازجة، ويستقر في قلب المراثي.

لكم كنا عاجزين عن حبك كما يليق بالنجوم، لكم نحن ضعفاء ومتردين امام خسارتك الكبرى، خسارة سماء سقطت في قلب الحقيقة القاسية.

لكم نحن عاجزن عن قول الحقيقة، لكم قهرنا الموت برحيلك، لكم حطم فينا الكثير، لكننا مؤمنون أنك لم تمت، بل رحلت من بيت الحجر إلى بيت الخلود.

نحن عشاقك يا محمود

نحبك حياً وخالداً

نحبك كما أحببناك صغارا واطفالا وشبابا ونحبك حتى نموت ونحن نردد قصائدك ونسمع صوتك الجميل الجميل، ونمشي بقامتك الباسقة والشامخة.






 
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 03:24 AM   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش


يا لاعب النرد ... انهض !

د. أحمد الطيبي




انهض .. انهض...

فلسطين كلها والعرب

تحمل قلوبها إليك ... لتنهض...

حاصر حصارك ... اقهر مرضك

وانهض..

قم من نومك المؤقت...

انتفض .. وانهض...

لا تغادرنا قبل أن ترتوي

بقهوة أمك وقبل أن ترتوي بقهوة أمك .. وقبل أن تعود أبدا لحيفا...

الجبل ينتظر ...والزيتون

الوديان تصبو .. والسنديان

" وعندما أغلقوا باب قلبي علي

واقامو الحواجز في ومنع التجول.. صار قلبي حارة

وضلوعي حجارة...

واطل القرنفل ..وأطال القرنفل

إذا جاءك الموت قل له:

ليس موعدنا اليوم ..فلتبتعد وتعال غدا أو بعد غدا..

يا لاعب النرد تسألنا: من أنا؟

أنت نحنا كلنا

أنت سرمدية الأسطورة

وجمال فلسطين وعبق العروبة

أنت اللانهاية ..أنت نور النفق

يا لاعب النرد ...تسألني طفلتي الصغيرة:

من سيلقى علي الوردة الحمراء بعد اليوم؟

انهض.. انهض محمود

فالحاكورة وشجراتها ... زيتونها وسنديانها تسأل ..

أين رفيق الدرب..؟

قلت .. ما أقساها الحروب.

يموت الجنود ولا يعرفون من انتصر!

فمن سيكتب يا محمود قصيدة النصر غيرك؟

ما اقساك أيها المرض.

تغفو ولا تعرف حجم الدموع

تغيب فجأة ولا تعرف كم هو الحب لك!

أو انك تعرف يا محمود

انهض واصرخ في وجهنا جميعا:

غبت قليلا لكي أعود ... وأعيش

ولتحيا فلسطين

فالقي عليكم وردتي الحمراء






 
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 09:06 AM   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش


"ذكريات شخصية عن الزمن الأول"
نص: طلال سلمان "السفير"


الاثنين أغسطس 11 2008
التقيت محمود درويش، لأول مرة، على هامش اجتماع استثنائي للمجلس الوطني الفلسطيني عقد في مبنى جامعة الدول العربية في القاهرة، في صيف .١٩٧٢

كان قد وصل لتوه من الأرض المحتلة، كما كنا نسمي إسرائيل حينذاك، وقد حسم أمره: لن يعود ليعيش محاصراً ومراقباً، نصف أوقاته في السجن ونصفها الآخر في الطريق بين مكاتب جريدة "الاتحاد" وبين مركز الشرطة الإسرائيلية للابلاغ عن "وجوده" حاضراً...

كان "النجم" بلا منازع. لقد تدافع الكل إليه يحيونه بالقبلات والدموع، يرمونه بألف سؤال في الدقيقة، يقفون إلى جانبه لصورة تذكارية، يشكون إليه هموم واقعهم "العربي" بمرارة تكاد تفوق مرارته من واقع أهله تحت الاحتلال من الإسرائيلي، وهي كانت السبب في اتخاذه قراره الصعب بالخروج من السجن... يحاولون ان يعرفوا موقفه من ياسر عرفات ومن التنظيمات الفلسطينية "المعارضة"، من أنور السادات ونظامه وهل هو "ناصري فعلاً أم "خرج" لأنه تغير...

لكنه، في تلك اللحظات تحديداً، لم يكن مستعداً لمثل هذه المقارنات التي كانت ستنتهي، حكماً، بإدانة قراره بالخروج... إلى الحرية، التي اكتشف ان كل عربي تقريباً يبحث عنها في الاقطار الأخرى، وخارج وطنه في أي حال...

وقفت ارقب، عن بعد، مع صديقين، مصري وفلسطيني، تلك التظاهرة المختلفة بموضوعها وأسئلتها والتداعيات عن كل ما شهدناه قبلها...

في لحظة ما، انتبه لوقوفنا بعيداً، فمشى إلينا يتقدمه سؤاله الضاحك: صرت فرجة! أليس ذلك!

تعارفنا. وضع أسماءنا التي يعرفها على الوجوه التي لم يكن يعرفها، وتواعدنا على لقاء خارج دائرة المتفرجين أو الآتين لاستعراض المواقف.

بعد أيام التقينا. كان قد أنهى الجولة الأولى من التعرف على "الكبار"، فلسطينياً ومصرياً وبعض الضيوف العرب المدعوين كشهود. وسمعنا منه انطباعاته الأولية عن كبار المثقفين والصحافيين الذين التقاهم، خصوصاً في »الأهرام« وفي دار الهلال. وشكا من ان معظمهم قد رحب به، وان شفع الترحيب بشيء من اللوم لخروجه: كنت أملاً في الداخل، ليس لأهل الداخل فحسب، بل لنا أيضاً...

وكان يرد مستغرباً: ولكنني خرجت لأكسر الدائرة المقفلة التي يسجنني فيها الإسرائيلي. جئت طلباً للأمل لي، وللذين في الداخل...

لويس عوض كان الأكثر تحديداً، قال: لقد جئنا في أيام الشقاء، يا محمود...

كانت مصر تموج بالغضب بسبب الإرجاء المتكرر وغير المبرر لقرار الخروج إلى الحرب. كانت حرب الاستنزاف قد أعادت إلى المصريين الثقة بقدرتهم على مواجهة إسرائيل، بل وعلى إلحاق الهزيمة بها. وكانوا يرون ان السادات قدم معركته الشخصية لترسيخ سلطته ضد "الناصريين" أو قل ضد "وطنيي النظام" على المعركة ضد العدو الإسرائيلي... تاركاً زهرة شباب مصر، من المهندسين والأطباء والمرشحين ليكونوا علماء، فضلاً عن الكتاب والشعراء والصحافيين، يغرقون مع علمهم في رمال "الدشم" والمتاريس المحصنة... ولا قتال!

وقرر محمود درويش ان يسمع فلا يعلق، وان يتكلم إذا ما تكلم عن إسرائيل، مجتمعاً وأحزاباً وقادة سياسيين وتنظيمات، وعن جيشها بحدود ما يعرف عنه... وبطبيعة الحال عن "الفلسطينيين" فيها التي انكرت عليهم "فلسطينيتهم" وجعلتهم "عرب إسرائيل"!

عرف محمود درويش الكثير عن مصر: من محمد حسنين هيكل ومجموعة "الخالدين" في الطابق السادس من "الأهرام"، توفيق الحكيم والحسين فوزي، وصلاح عبد الصبور ولويس عوض... واستمع إلى تحليل دقيق من أحمد بهاء الدين ومن مراد غالب ومن فتحي غانم ويوسف ادريس ومن أحمد عبد المعطي حجازي وكثير غيرهم...

كان مبهوراً بالقاهرة التي أحب، والتي يحفظ الكثير من أغاني مطربيها ومطرباتها الكبار، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، محمد عبد المطلب، عبد الحليم حافظ... لكن النيل، ليلاً، كان معبده!

جال مع الأصدقاء الجدد على المقاهي التي كان يحفظ أسماءها وأسماء زبائنها من الشعراء والكتاب غيباً: مقهى ريش، بار الانجلو، سيسيل بار... لكنه كان شديد الحساسية تجاه الغبار و"الشعبوية"، لذا فقد قرر ان تكون لقاءاته في بعض مقاهي الفنادق الكبرى "حيث تضمن، على الأقل، نظافة المكان"!

[ [ [

بعد القاهرة مباشرة كان لا بد من بيروت... وقد جاءها بغير اعلان، »لأنها مدينة مخيفة«، ولأنه يحتاج الوقت لكي يختار أين يقيم كإنسان، فلا يعامله الناس كنجم، يبادرونه في ربع الساعة الأولى طالبين منه ان يسمعهم قصيدته التي انتفى موضوعها: "سجّل أنا عربي"!

كان يحاول إقناعهم: أهمية هذه القصيدة ان تقال في وجه العدو الذي ينكر عليك عروبتك! أما ان تقولها للعرب المتباهين بعروبتهم فانها تبدو مبتذلة وفي غير موقعها! بوسع كل منكم ان يقول: سجل أنا عربي... فلا يكون لكلامه أي معنى. أما المعنى هناك، وفي وجه جندي الاحتلال.

بعد سنوات قليلة، يزورني محمود درويش في "السفير" ليبلغني انه ذاهب إلى الجزائر بدعوة رسمية. قلت بغير قصد الاحراج: ستجد نفسك تنشد أول ما تنشد القصيدة التي بت الآن تكرهها... سجّل أنا عربي! ورد مستنكراً: فشرت! لن أقولها خارج فلسطين أبداً!. لكنه جاءني مسرعاً بعد عودته من الجزائر ليقول: معك حق!. وجدت نفسي أبدأ بقصيدتي التي لم تعد تعجبني، سجّل أنا عربي، وأختم بها!. هناك اكتشفت لها المعنى! لقد قُهر الجزائريون في لغتهم باعتبارها بعض قوميتهم! ان لها هناك معنى التحدي للاستعمار الذي حرم أهل البلاد من لغتهم ليلغي هويتهم، وكانت تلك خطوة تمهيدية لمسح عروبتهم وجعلهم... فرنسيين"!

[ [ [

لبيروت حديثها الاستثنائي مع محمود درويش، فهو قد وجد فيها ما كان يبحث عنه: العرب جميعاً والعالم كله، بشرقه وغربه وجنوبه وشماله... والأهم، انه وجد فيها فلسطين بوجوهها الكثيرة، المأساة والثورة، اللجوء وخطر الذوبان، الايمان والتشوه، المال والسلاح وبينهما الدول، ثم المنظمات والرجال والدول... كل الدول بمساوماتها ومناوراتها التي تطل من خلالها ملامح إسرائيل والمشروع الذي يوحدها مع "الغرب" من دون ان يفقدها الشرق السوفياتي، آنذاك...

لم يجد محمود درويش لنفسه موقعاً في صفوف "الثورة"، ففضل ان يبقى على مسافة: يعطي المنظمة ما يقدر عليه، من دون ان يدخل اطارها السياسي والتنظيمي. ومع انه أحب شخص ياسر عرفات وقدر فيه مزايا كثيرة، أهمها الصمود وسط أمواج الأنظمة المتلاطمة على جدران سفينية المنظمة. كان يرى فيه "الرمز الفلسطيني"، من دون ان يتجاهل اخطاءه بل وخطاياه أحياناً...

وعندما نجحت منظمة التحرير في انتزاع الاعتراف الدولي بها وتقرر ان يذهب ياسر عرفات ليخطب أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة كان من الطبيعي ان يكتب محمود درويش بالذات هذا الخطاب التاريخي، مع وعيه بأن عرفات سيدخل بعض التعديلات لأسباب يقدرها، وانه سيتعثر باللغة خلال إلقائه... وانه سيرفق الكلمات بحركات واشارات قد تذهب بمعناها: جئتكم أحمل البندقية بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى، فقرروا، أما قراري ففلسطين مع السلام.

[ [ [

أما دمشق فعلاقة محمود درويش بها استثنائية، كما علاقتها به... انها قصة عشق حقيقي، بعيداً عن السياسة، قريباً من فلسطين، والتاريخ ومجد الصعود، شعراً وأدباً، ونجاحاً سياسياً...

أذكر انه طلب مني ذات ليل من أواخر أيلول أن آخذه إلى دمشق، وألح كعادته ان ننطلق فوراً، والوقت منتصف الليل... وصدعت لأمره، طبعاً، فقصدنا دمشق التي لم تكن قد قامت فيها الفنادق الحديثة، وكان مدخلها هو النهر الذي عشقه محمود من قبل ان يراه! بردى.

عند الحدود مررنا بما كان يسمى "الضابطة الفدائية" ـ وكانت خاصة بالفلسطينيين بعد اعتراف لبنان بحق الفدائيين في استخدام أرضه للعبور إلى فلسطين المحتلة، وهي، الجار والمدخل وحاملة هموم التهجير.

استقبلنا شاب في أوائل العشرين، أسمر بعينين كحيلتين، وملامح تقربه من الصورة المتخيلة للمقاوم، مقتحم الحدود، مواجه العدو بشجاعته الفائقة وسلاحه الخفيف. ولقد أخضع هذا الشاب النحيل محمود درويش لاستجواب قاس يمكن تلخيصه بسؤال كرره عليه مراراً: كيف تكون في الداخل وتخرج في حين اننا نموت من أجل ان ندخل إلى فلسطين؟!

لأول مرة، رأيت محمود درويش يخضع لاستجواب حاد، فيدافع عن نفسه بمعاذير متعددة، ويروي عبثية استمراره في مواجهة يومية مفتوحة وعبثية مع الشرطة الإسرائيلية: تعتقله ثم تطلقه لتعود فتعتقله، ثم تجبره على المرور بها مرتين في اليوم لإثبات "وجوده"... وكان ان اتخذ قراره بالخروج!

بلغنا دمشق حوالى الثالثة فجراً (عن طريقها القديم إلى بيروت). كان معرض دمشق الدولي على وشك ان يقفل أبوابه، ومجرى نهر بردى الذي أقيم عند ضفته الجنوبية شحيح المياه، وقد رميت فيه الصناديق وفضلات البضائع والمعروضات.

كان محمود متلهفاً لرؤية "بردى" الذي جرى في قصائد كبار الشعراء... مفترضاً ان نهر دمشق قريب من نيل القاهرة. ولقد فجع مع الصباح فقرر ان نعود فوراً إلى بيروت، بينما كان بعض الأصدقاء قد جاؤا للسلام عليه فأخذوه في جولة "سياحية" زادته اصراراً على العودة إلى بيروت فوراً: أعدني إلى الأمكنة النظيفة! هنا الغبار يغطي العيون فلا نرى!

على ان مفاجأة عظيمة كانت تنتظرنا حين عدنا إلى الفندق: وجدنا حشداً يتجاوز عديده الألفين، قد تجمع للسلام على محمود درويش، بعدما شاع خبر وجوده في عاصمة الأمويين وكان بين الجمع وزير الثقافة آنذاك، فوزي الكيالي، وكبار أدباء سوريا، الشعراء منهم وأهل المسرح والأدباء. وأبناء مخيم اليرموك... والكثير من الوزراء والأعيان، وكثير كثير من الشبان والشابات عشاق درويش.

ظل محمود على عناده... برغم ان كثيرين ممن تجمعوا قد صافحوه والدموع تغطي وجوههم!. بالكاد قبل دعوة الوزير إلى الغداء بصحبة نخبة من أدباء سوريا ثم عدنا إلى بيروت فعلاً...

لكنه بعد ذلك صار يغتنم كل مناسبة ليجيء إلى دمشق حيث اكتشف ان جمهوره يكاد يكون الأعظم اهتماماً بالشعر ولعله متميز في ذائقته الفنية، فكانت كل أمسية لمحمود درويش تقتضي ترتيبات أمنية استثنائية لحفظ النظام، بينما عشرات الآلاف يحتشدون في المكان أو من حوله لسماع فلسطين تتحدث عن ذاتها بلسانه... وقد اضطر المنظمون في غير حالة ان ينقلوا الأمسية إلى المدينة الرياضية، لإرضاء الجمهور العاشق شاعره... النرجسي!

[ [ [

على امتداد ستة وثلاثين عاماً، من الصداقة مع محمود درويش، التي امتدت إلى أسرتي برغم »عدائيته« المحببة، ومن المتابعة بالاعجاب والتقدير لنتاجه الغزير بمستواه الاستثنائي الرفيع، كنا كثيراً ما نختلف في الرؤية وفي التقدير السياسي للأحوال، وبالتحديد لاطوار الصراع العربي (الذي صار من بعد فلسطينياً) الإسرائيلي.

كان محمود درويش يتميز بمعرفة دقيقة بهذا العدو: مجتمعاً وسياسة، أحزاباً ومطامح... ولأنه كان يعرفه إلى هذا الحد، ثم انه تعرف مباشرة إلى أحوال العرب، فضلاً عن الأحوال الخاصة للفلسطينيين، قيادة وجماهير، منظمة ومعارضين، فقد دفعته المعرفة إلى الذهاب بعيداً في تصوره لمستقبل لا يمكن ان يقوم على استمرار العداء إلى الأبد. ولقد أدرك ان العرب لا يعرفون عدوهم، في حين ان عدوهم يعرفهم تماماً: يعرف عن قيادتهم وعن أحوال مجتمعاتهم، عن صراعات الأنظمة وحروب القبائل (قبل ان تنحدر نزولاً إلى الطوائف والمذاهب والملل والنحل). ومن هنا فقد داخله الشك في امكان انتصار عربي حاسم على إسرائيل... ثم رأى الانفصال بين الفلسطينيين وسائر العرب يصبح أمراً واقعاً، مما يترك الشعب الفلسطيني برمته وحيداً أمام مصيره... بل لعله قد رأى ولمس وعرف كيف ان الفلسطينيين باتوا يخافون على قضيتهم من "العرب"، أي الأنظمة المقتتلة على فلسطين وباسمها، أكثر من خوفهم عليها من إسرائيل.

وكان يرى ببصيرته قبل بصره الانقسام الفلسطيني ويخاف منه على ما تبقى من فلسطين.

ولقد مد محمود درويش بصره إلى المستقبل البعيد... فأخذ يمهد لعلاقة بين هذين الشعبين المحكومين بأن يعيشا على الأرض الواحدة، وبمعزل عن ادعاءات الحق التاريخي، أو الحقوق الطبيعية لأهل الأرض فيها، لا تقوم على السلاح والقتل والموت والعداء الأبدي...

كان دقيقاً كل الدقة. لكنه كان مقتحماً. وكان اقتحامه من موقعه المميز مباغتاً. وكانت ردود الفعل عليه عصبية، من الطرفين: بعض العرب رآه يتجاوز الحدود إلى المحرمات، وبعض الإسرائيليين رأوا في دعوته خطراً جدياً لم يكن وارداً، أقله على مستوى الوجدان وهذه الرؤية المستقبلية التي لا يقدر عليها إلا... الشعراء.

لكن ذلك حديث يطول، فنرجئه إلى ما بعد وداع يليق بمحمود درويش، أحد أعظم الشعراء الذين أنجبتهم فلسطين، بل الأرض العربية جميعاً.

لنقف الآن إجلالاً لهذا المبدع الذي ذهب إلى الموت يقاتله مفتوح العينين، واثقاً من النتيجة الحتمية. لكأنه أراد ان يقول للموت: أنا لا أخافك، لقد قلت كل ما عندي، وانتصرت عليك فصمدت لسنين طوال وقد آن لي ان ارتاح، وحرمتك من ان تأخذني إلا في الموعد الذي حددته... وبعدما قلت فيك تحديداً كل ما أردت ان أقوله.

وداعاً، أيها العاشق من فلسطين الذي جعلها أغنية تسكن وجدان أطفالنا، وأعطاها بعدها الإنساني العظيم كواحدة من معارك الحرية والحق في امتلاك الشعوب زمنها بارادتها.

ولن ينتهي الحديث عن محمود درويش المبدع، المجدد، الذي رفع الشعر إلى مرتبة لعلها الأعلى بين سائر وجوه الإبداع... فإلى اللقاء.






 
رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 11:49 AM   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
شجاع الصفدي
أقلامي
 
إحصائية العضو







شجاع الصفدي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى شجاع الصفدي

افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

حين تصدى الموت لرحلة الستين , جلستَ على ضفة الرحيل مبتسما , تنتظر القطار وتكتب للريح أنك لن تعتذر عما فعلت , لا تعتذر , فقد أتاك موتٌ أصغر شأنا من رحيلك , لا تعتذر فالريح تحملك ملاكا تزف إليك القصيدة , يكسوها ثوبٌ لم يفصله سواك , ويحملها تراب وطن لم يعرف الحزن عن نفسه بقدر ما عرّفته له قصائدك , وثورة كان يفتك بها الوقت ويأكلها صدى النسيان و لم تشرّعها للسماء إلا هتافاتك .
أترى تناولت فطورك قبل أن يجئ الزائر الأخير , وكنت تفكر بغيرك ؟
أكنت تقرأ فاتحة ؟ أم تضع التنوين على صدر الوطن ؟
سمعتك مرةً تقول" لا أريد الموت ما دامت على الدنيا قصائد وعيونٌ لا تنام فإذا جاء ولن يأتي بإذن لن أعاند بل سأرجوه لكي أرثي الختام " .
أراك قد أعلنت أنها لم تعد على الدنيا قصائد وكل العيون نيام , فقد جاءك بغير إذنٍ ولم يمنحك فرصة الرجاء كي ترثي الختام ...
فأي المراثي قد يقولها المرء عند موتك ؟
وأي قصائدٍ ترجى من غياهب اللغة لتقول فلسطين من بعدك ؟
هناك في البعيد ترقد وحدك , لا شريك لك سوى القصيدة , تنهل من قلبك , تقول لها :" لا أنام لأحلم , فتقول لك بل نم لأنساك , ما أطيب النوم وحدي بلا صخبٍ في الحرير , ابتعد لأراك وحيدا هناك , تفكر بي حين أنساك ولا شيء يوجعني في غيابك ." وكأنها تكذب لئلا تحمّلك حزنا يفوق احتمالك , ووطنا أثقل كاهل مشوارك .
يا صاحب الرسالة أفرغت الطريق من خطاك أم أفرغت خطاك الطريق من بعدك ؟
الآن أسافر في خطاك فتقول لنفسك : " تمهل ولا تمت الآن , إن الحياة على الجسر ممكنة والمجاز فسيح المدى هاهنا برزخٌ بين دنيا وآخرة بين منفى وأرض مجاورة "
ويجيبك الصدى لا تقل إنه مات أو عاش قرب الحياة سدى , قل أطل على نفسه من علٍ ورأى نفسه ترتدي شجرا واكتفى بالتحية ."
لم يكن يا صاحبي لك حاضر آخر سواك , فامتلكت مفاتيح أمسَك , لكن أمسُك لن يكون كله معك لذا لم تمتلك غدك كله , فأمسك حاضر الكلام , أمسُك أسلاك الطريق وأعمدة الجسر ليمر به العابرون إلى السماء .
وكلما كنت وحدك كان الطريق يتسع لملايين الشعراء , يعبرون بعدك وكأنك تذيب الجليد من أعماق الحياة , فتمضي للنهاية ويمضي الآخرون للبدء بعدك , فالقصيدة بين يديك "وفي وسعها أن تدير شؤون الأساطير بالعمل اليدوي ولكنك مذ وجدت القصيدة شرّدت نفسك وساءلتها من أنا من أنا "
والآن يا صاحبي ضع يدك اليمني في جيبك ولا تصافح الموت فقد يرى في ذلك اعتذارا والأمر أقل شأنا من اعتذارك , واليسرى ضعها على قلبك , وابتسم , فقلبك قد توقف ليعطي الراية لحصان الشعر الذي بقي وحيدا يسألك لم تركته في جوف بيارات حيفا ورحلت وحدك ؟
قلبك الذي لم تنزع عنه الأقفال يوما لئلا يجرح الآخرينَ حزنك , فتح اليوم على مصراعيه فأحزن عالما هو موطنك , فُتح ليقول لتراب حيفا ويافا وعكا وغزة والجليل أنك في حياتك لم يكن سواه معك ومذ سلبوه عشت وحدك .
"فكم كنت وحدك يا ابن أمي , يا ابن أكثر من أبٍ كم كنت وحدك "
ولكن لا تبتئس , "فمن يكتب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما "والمعنى هو خلود الروح في ذاكرة الحياة .
والآن بعد رحيل الكلام , لنا حلمٌ واحد , أن نجدك نجمة تحمل عبر الجسر قصائدنا وأحلامنا للسماء , فتلك النجمة التي حلمت بها في قصيدتك تحمل الميتين لم تحملك , فأنت هي , إذ تحملنا على كتفك كما حملت عبء الغناء ولم تطيّر أحلامنا هباء , فبقينا من بعدك نحلم عارين من كل شيء إلا الحقيقة , فنم يا صاحبي واهدأ فكل حينٍ يولد طفل وصرخته في شقوق المكان تدرك اسمك , سيعلق حلمك على جدران فلسطين "وحدك " .







 
رد مع اقتباس
قديم 13-08-2008, 12:20 AM   رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش


جمانة حداد

محمود درويش "في حضرة الغياب"
عن كيكا


يعود الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الى وكر النسور في الجليل، لينضمّ الى الأرض التي جعلها أرضاً ليس للبطولة فحسب ولكن خصوصاً لكل شعر حقيقي عظيم.
قبل ساعات قليلة كان محمود لا يزال في قلب المحنة الخطيرة، يواجه وضعا صحياً بالغ الحرج، ويخضع للتنفس الاصطناعي في أحد مستشفيات هيوستن، تكساس، بعدما أخضع في 6 آب الجاري لعملية جراحية معقدة في القلب تولاها الجراح العراقي حازم صافي، وتضمنت اصلاح ما يقارب 26 سنتيمترا من الشريان الابهر الذي تعرّض أخيراً لتوسع شديد وخطر.
وقد سبق ان اجريت وهي التي كتب على أثرها "جداريته" الشهيرة. لكن القلب الذي ظل وفياً للشاعر، على رغم عطبه الجليل، حاملاً معه أعباء الشعر والأرض والتاريخ، لم يستطع أن يكمل المسيرة، فدخل في عطب الغيبوبة العظيمة، تاركاً الشاعر وحيداً "في حضرة الغياب".

●●●


ها قلبكَ، يا محمود، كان، قبل قليل، يرفرف فوق الحافة المهيبة من جديد، وكنا نسأل أن لا تأخذه الحافة الى الأبعد منها.
فقد علّمنا قلبكَ، يا محمود، أنه لم يكن غريباً على أطوار الحافة وأمزجتها. فهي، كالأقدار، كالأرض، كالشعر، كانت ملعبه الأثير. حفظ قلبكَ فخاخها وفجواتها ومطباتها، غيباً، وعن ظهر قلب، كما تُحفَظ القصائد، وكما تُحفَظ الأرض، فلم يخطئ حدودها يوماً، ولم تدوّخه يوماً سكرة هوتها العظيمة. وقد ظل قلبك يتلاعب بالحافة، وتتلاعب به الحافة، الى أن أخذته، أمس، اليها.
قبل قليل، كنا نقول إن القلب إذا كان مثل قلبكَ، لا بدّ يعرفها، هذه الحافة، جيداً. وكنا نقول، ودائماً قبل قليل، إن القلب الذي مثل قلبكَ، يعرف جيداً، أنها الحافة الصعبة، الحرون، الكاسرة، المغوية، والتي ليس من حافات بعدها. وكنا نقول، إن قلبكَ، شأنكَ، شأن شعركَ، وشعبكَ، مرصودٌ لمثل هذه المناطق المحفوفة التي تشبه طعم المستحيل. لكنكَ، كالنسور المحلّقات، كالقصائد المحلّقة، كالفينيق، كنتَ، حتى قبل قليل، إذا نزلتَ في وادٍ، فشأنكَ أن لا تتحطم، أو تحترق، أو تسقط في عدم. وكنا نقول، شأنكَ فقط أن تعرف طريق الرجوع. وكنا نقول، أنتَ لا بدّ راجعٌ الى شعركَ، على طريق الراجعين. وكنا نقول سترجع. لا مفرّ.
كنا نقول إن القلب، قلبكَ، يعرف هذا كلّه. ويعرف قَدَره جيداً. وكان قَدَره يقول له أن يكمل الطريق، لا أن يخون.
لكن القلب الذي اختبرك طويلاً أيها الشاعر الكبير، عاد لا يستطيع أن يظل يختبر. كنتَ، أيها الشاعر، حتى قبل القليل القليل من الوقت، لا تبخل على القلب بالاختبار. كنتَ تداويه بما يليق بكَ وبه، ليعود اليكَ والى شعركَ وشعبك. وكنتَ تنده هذا القلب، بأسراره بألغازه بكلماته، فيعرف حدوده معك، ويصعد دائماً من هاوية الى حيث تقيم النسور. وقبل قليل كنا نسألك أن تنادي قلبكَ هذا على الفور. وقبل قليل كنا نلحّ عليكَ أن تناديه الآن، وأن لا ترجئ الى غد. وأن تزجره، وأن تزلزله، وأن تهزّه من تعب، وأن تبلسمه بشعرك، ليعرف القلب حينئذ ماذا ينبغي له أن يفعل. وكنا نقول: هو لا بدّ فاعلٌ. وكنا نقول: سيفعل.
لبنان منذ ساعات قليلة كان كلّه يناديكَ، يا محمود، لا أنا وحدي. شعراؤه، كتّابه، أهله، كانوا يسألونكَ أن تخاطب القلب الجريح باللغة التي يفهمها هذا القلب الجريح. وكنا نقول حتى قبل قليل، إن الوقت هو الآن وقت اللغة، أيها الشاعر، لا وقت الأطباء فقط. وكنا نسألك أن تنادي قلبكَ باللهجة التي لا يتقنها سوى الشعر. ومَن مثلكَ، كان يعرف ما به هذا القلب. وكيف يعود ليخفق في صدركَ، في شعركَ، مثلما يخفق ضمير الأرض في شعب فلسطين.
شعراء لبنان، كتّابه، وأهله، كانوا حتى قبل القليل القليل من الوقت، يسألون قلبكَ الشفاء، وكنا نسألك أن ترسل الى قلبكَ نداءنا اليه، مشفوعاً بالرجاء، بل بالحب الكبير.
لكننا، مثلك الآن، نفهم ماذا يعني أن يخرج القلب على الحافة ولا يعود يعرف الطريق اليك.
لا بدّ أن القلب طار، كما العصافير، كما النسور، لينضمّ الى وكر النسور في أرض الجليل. (عن النهار).



شاعرة لبنانية






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:43 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط